استراحة البيان _ مكانة.. للمستقبل _ يكتبها اليوم: سعيد حمدان

في عالم العمارة والبناء الإسمنتي فان تشييد بناية متوسطة الارتفاع وتجهيزها في عام واحد, يعد نجاحا وإنجازا, فمراحل البناء تحتاج إلى متطلبات وإمكانيات ووقت زمني طويل. في مدينة دبي للإنترنت والإعلام حدث اكبر من هذا الإنجاز التقليدي, الذي تم انه بنيت بدل العمارة الواحدة سبع عمارات, واضخم من البناء هو استصلاح الأرض التي أقيم عليها المشروع, إنها ــ كانت ــ مجرد جزء من سبخة لا ينبت فيها شجر ويهرب من منظرها الإنسان. كان التفكير في اعمار مثل هذه البقعة الجرداء المقفرة وتحويلها بين ليلة وضحاها إلى مدينة, وأية مدينة :عصرية تكنولوجية, هو خطوة النجاح الأولى. واصعب من عمليات التشييد العلوي في مشاريع تكنولوجيا المعلومات هو عمليات التوصيلات وإنشاء الشبكات, فهنا الحسابات لا تحتمل التقصير ولا تنظر إلى معطيات الحاضر مهما كانت متطورة, إنما إلى الاحتياجات المستقبلية. ففي البنية التحتية معادلات معقدة, من أنظمة وخرائط وتجهيزات حديثة قد لا تكون المنطقة تعرفت عليها بعد, التزمت المدينة بتوفيرها. كل ذلك حدث في عام واحد: فكرة ومشروع ودراسة جدوى, اجتماعات وتجهيزات, مناقصات, توظيف, بناء هيكل إداري, تدريب, عمل برامج إعلامية واعلانية, إعداد لغة خطاب عالمية تستهدف الجميع, اختيار شركات بارزة ورائدة, محاولة اجتذابها, عمليات متواصلة من المفاوضات والزيارات. علوم ومهارات مختلفة, وطاقات بشرية في شتى المعارف والتخصصات, مجتمعة لهدف واحد وفي هذا السباق الزمني مطالب أيضا بمعيار مهم في خط البناء والتكامل وهو التميز والجودة, هذا مفتاح النجاح, فمدينة للمستقبل أسست لتكون بيئة للإبداع والتطور معنية أن تحقق ذلك. هذا الحلم في مدخلاته وعملياته وأيضا مخرجاته مطلوب أن ينجز في موعد قصير, عام واحد. وفي هذا العام توجد فواصل تفرض اختلاف معدلات العمل والإنجاز مثل : شهر رمضان, واكثر من ثلاثة اشهر عبارة عن صيف ساخن طارد, واجازات أسبوعية ومناسباتية, وأحداث أخرى في الإمارة كالمهرجانات تطلب المشاركة والدعم البشري. في واقع حساب الأيام, انه عام ناقص وسريع, إلا أن الحلم تحقق, وخرجت المدينة للعالم, فجذبت 198 شركة عالمية مستثمرة في عامها التأسيسي الأول, وقامت على أرضية ثابتة,صلبة, استقطبت كفاءات وطنية وتبنت مجموعة من الخريجين, أعطتهم الثقة والتدريب, ومنحتهم الفرصة لخدمة بلدهم, زرعتهم لينموا معها وبها منذ البداية, وهذا نجاح آخر يحسب للمدينة. في ذات المدى الزمني وهو عام واحد, تحقق حلم مكمل آخر في البحث عن مكان افضل في المستقبل, لهذه الأرض وانسانها,هو مشروع الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لتعليم تكنولوجيا المعلومات والإنترنت لطلاب المدارس. فعملية إدخال جهاز الكمبيوتر في مدارس الدولة واقرار تدريس هذه المادة, احتاج إلى فترات زمنية من عمر التربية والتعليم, واخذ في تسلسل روتيني طويل, من الدراسة والمناقشة والبحث عن الإمكانيات, وتوفير الموازنة, ولم تملك الوزارة أن تحقق فكرة إدخال هذا العلم الحديث إلا بصورة تجريبية, محدودة التطبيق وضعيفة المستوى. وجاء مشروع الشيخ محمد بن راشد في الواقع كثورة علمية تطويرية, لم يكن لتتحقق لطالب الإمارات ولا بعد سنوات طويلة على حساب واقع إمكانيات التربية. الثورة تمثلت في بيئة المشروع, الفصل الدراسي النموذجي الذي أوجد في كل مدرسة ثانوية بدبي _ كمرحلة أولى _ وتجهيزات الفصل ابتداء من اختيار الألوان والإضاءة ونوعية الأجهزة المستخدمة وكفاءتها,جميعها عوامل تجعل الطالب يعيش في بيئة تعليمية أخرى, ويصدق أن ما يشاهده أو يسمع عنه في الخارج, قد يتحقق له هو وتصبح عنده مثل هذه التقنية المتطورة. طريقة التدريس في المشروع ترتفع بالطالب, تجعله يعيش العصر الحالي, وتعده للمستقبل, أسلوب تعليمي متطور, يعطي الطالب جرعة علمية مركزة تخرج من إطار نظرية التشغيل والاستخدام البسيط, وتدخل به أعماق هذا الجهاز, مكوناته وكيف يتعامل معه وكيف يمكنه أن يضيف له. هذا المشروع سيولد جيلا مختلفا, فالإمكانيات والمنهج المتبع, على مستوى عال من التطور, وهي عوامل غير متاحة حتى للطالب الجامعي المتخصص في كثير من البلدان العربية. تكلفة الفصول الدراسية وموازنتها تقدر بملايين الدراهم, إلا انه عمل غير ربحي, جزء من رسالة آمن بها سمو الشيخ محمد بن راشد, تمثل الحب والوفاء للإمارات. ومثل هذا المشروع سيظل عملا جميلا يسكن قلوب طلاب الدولة لهذه الشخصية. اللبنة الثالثة التي أوجدها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في استراتيجية الدخول القوي والمنافس نحو المستقبل, هي عامل التجارة والاقتصاد, فأسس مشروع (تجاري دوت كوم) ليحمل هوية دبي التجارية بلغة التخاطب العصرية. أربعة اشهر زمنية عمر هذا المشروع, اصبح صداه في مناطق مختلفة من العالم, واستطاع أن يجذب 32 شركة, بعضها يحمل ثقلا دوليا في الجانب التجاري. هذا عمل صعب, فهذه أول شركة سوق إلكترونية للتجارة في منطقة الشرق الأوسط, ورأس المال جبان, وتشتد حالة الجبن فيه عندما يتعلق بالتكنولوجيا والضمانات. لكن كلمة صعب ألغيت من قاموس العمل في دبي, فالشعار الذي يرفعه ولي عهد إمارة دبي في رؤيته هو : ما بعد الفارس الأول يتساوى الجميع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات