خط مباشر _ عرفات بين الأمس واليوم _ بقلم: أحمد عمرابي

قال ياسر عرفات ذات مرة في مقابلة صحفية: (ما معنى اليسار او اليمين في النضال من اجل تحرير وطني. انا أريد هذا الوطن حتى لو حرره لي الشيطان. هل انا في موقف لرفض مساهمة او مساعدة من اي انسان؟ هل تستطيع ان تطالبني مثلا برفض معونة مالية من دولة عربية محافظة باعتبار انها تنتمي الى اليمين؟ انني بمثل هذه الاموال استطيع ان اشتري اسلحة من الصين مثلا). كانت تلك مقولة الزعيم النضالي الفلسطيني منذ اكثر من ثلاثين عاما عندما تحدث الى مجلة (الصياد) البيروتية. لكن منذ ذلك الحين وحتى اليوم.. وعبر محطات تاريخية حاسمة لم يتغير الجوهر الفكري لذهنية عرفات.. رغم التجارب المريرة التي تمثلها تلك المحطات. ففي خلال المساحة الزمنية المذكورة تعرضت منظمة التحرير الفلسطينية بقواتها القتالية وكوادرها السياسية وقواعدها الجماهيرية لمذبحة في بلد عربي وحرب شرسة سبقت مذبحة وطردا جماعيا في بلد عربي آخر بالاضافة الى ما لا يحصى من مؤامرات واغتيالات من تدبير حكومات عربية شقيقة. وباستقراء هذه الرحلة الدرامية الطويلة فان التاريخ يمنح عرفات الآن فرصة اخيرة ليعيد النظر في نهجه (التوفيقي) المتقلب. واذا لخص عرفات تجاربه بصورة موضوعية ومتجردة فانه لابد ان يتوصل الى قناعة نهائية بأنه مهما بلغ به ذكاؤه البراجماتي في التوفيق بين اوضاع ومواقف متناقضة بأن الامور تصل أحيانا الى مفترق طرق حاسم يتطلب موقفا حاسما وحازما. والانتفاضة الفلسطينية الراهنة التي دخلت شهرها الثاني هي احدث مفترق طرق امام عرفات. لقد برهنت الانتفاضة وتداعياتها المتلاحقة ان الفجوة بين الشارع العربي والنظام الرسمي العربي غير قابلة للتجسير. وإزاء هذا الوضع فانه ليس متاحا لعرفات مواصلة نهجه التوفيقي العتيق. فقد حدد قادة الانتفاضة الجدد (وفي مقدمتهم عناصر قيادية من فتح.. تنظيم عرفات نفسه) طريقا لا عودة عنه. وهو خيار يتصادم رأسيا مع التوجهات الثابتة لغالبية الحكومات العربية. مع تصاعد اعداد الشهداء بصورة يومية تتعزز كل يوم قناعة جماهير الشعب الفلسطيني بأن (عملية سلام الشرق الاوسط) بأسلوب ما قبل اندلاع الانتفاضة قد ماتت ودفنت.. بينما لا يزال قادة العرب الرسميون يتحدثون بلغة (استئناف العملية التفاوضية). واذا كان الرئيس عرفات لايزال يمارس النهج التوفيقي بمخاطبة شعبه الثائر بلغة (الصمود) بينما في الوقت نفسه قادة عرب ومعهم الرئيس الامريكي كلينتون بلغة (اعادة المسار التفاوضي الى طريقه) فانه ربما يخاطر ببقائه على قيد الزعامة. فالقيادات الشبابية للانتفاضة لايزالون يكنون له احتراما كرمز وكقائد تاريخي.. لكن هذا الاحترام سوف يتآكل كلما حمي وطيس المواجهات الفلسطينية الاسرائيلية.. خاصة اذا حاول عرفات ــ استجابة لضغوط عربية وامريكية ــ (تهدئة الموقف) دون مقابل سياسي بحجم ووزن المحنة الدموية الفلسطينية. ان للحكومات العربية او بعضها اجندتها الخاصة بها. وعلى رأس هذه الاجندة كبح جماح الشارع لاعتبارات امنية سلطوية والمحافظة على علاقة متينة مع اسرائيل او الولايات المتحدة اوكليهما. وهذه الاجندة تتناقض تماما مع توجه الشارع الفلسطيني اليوم وغدا. هذا التناقض هو الذي يضع نهج عرفات التوفيقي على المحك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات