محاولة تسميم مجرى العلاقات المصرية الصومالية ، بقلم: يوسف الشريف

ماذا جرى فى مؤتمر المصالحة الوطنية بين الفرقاء الصومالييين فى مدينة (عرتا) بجيبوتى؟ أين الحقيقة وراء اتهام مصر بمحاولة افشال المؤتمر؟ من زرع بذور الشكوك والريبة فى مصداقية التوجه المصرى نحو حل الأزمة الصومالية؟ ومن المسئول عن حرق العلم المصرى واندلاع المظاهرات المعادية لمصر امام سفارتها بالعاصمة الصومالية مقديشيو؟ و.. ويبدو لكأن ماحدث يصعب فهمه أو تصديقه ولسبب وجيه يكمن فى الدور المصرى التاريخى ازاء مناصرة شعب الصومال للتحرر من نير الاستعمار الأوروبى, الفرنسى والبريطانى والايطالى, والذى جسده استشهاد الدبلوماسى المصرى كمال صلاح الدين على أرض الصومال قربانا لاستقلال الصومال, وإذا كانت النخب الصومالية لا تزال تذكر بالفضل والاعتزاز موقف ثورة 23 يوليو المصرية المقدر من تسخير مكانة مصر وامكاناتها وعلاقاتها الدولية فى عملية بناء الدولة الصومالية الفتية, خاصة وعندما اغلقت أبواب الغرب فى وجه حاجتها الملحة للسلاح وتأسيس قوة عسكرية تزود عن حياضها والدفاع عن سيادتها, بادر جمال عبدالناصر الى الاتصال بقادة الاتحاد السوفييتى السابق, فكان للصومال واحد من أقوى الجيوش فى افريقيا وأكثرها اعدادا وتنظيما, لكن يظل الدور الثقافى المصرى والروحى فاعلا متجددا فى حياة الشعب الصومالى, وفى خيار الانحياز للعروبة والانضمام الى عضوية الجامعة العربية! بتحالف الاتحاد السوفييتى مع النظام الماركسى الجديد الذى استولى على السلطة فى اثيوبيا بزعامة منجستو هيلاماريام, انقلبت موازين القوى فى القرن الافريقى لغير صالح الصومال, وهى كانت واحدة من أهم عوامل هزيمته عام 1977 فى معركة استعادة وحدة صوماليا الكبرى فى مواجهة اثيوبيا عبر استعادة اقليم الصومال الغربى السليب المعروف بالاوجادين, وتشاء تصاريف القدر حضورى فى المعركة الفاصلة بين البلدين مراسلا عسكريا وشاهد عيان, وبينما كانت القوات الصومالية تعانى نفاد مالديها تباعا من السلاح ومخزون الذخيرة السوفييتية, والى حد مغامرة قائد سلاح الطيران الصومالى بقيادة ماتبقى بنفسه من الطائرات والاغارة على القوات الاثيوبية, بينما كان الدعم اللوجيستى واضحا ومستمرا ومتصاعدا على أرض المعركة عبر خطوط الامدادات السوفييتية! من هنا كانت ولادة الأزمة الصومالية الراهنة التى ظلت تراوح مكانها 23 عاما متصلة, بداية من تقدير الرئيس زياد برى الخاطئ لتوقيت المعركة, وانصياعه لتحريض أمريكا وقوى عربية محافظة, ثم تماديه فى الخطأ عبر ارتهان سيادة الصومال لدى الأمريكان مقابل الفتات من الدولارات, وتصاعد موجات الفساد الداخلى وتأجيج النعرات القبلية, مما أدى الى تفكك الدولة وبروز ظاهرة امراء الحرب والميليشيات القبلية المسلحة وسيادة شريعة الغاب قتلا ونهبا بشكل همجى يستعصى على السيطرة, فكان انتشار الأوبئة والمجاعات والنزوح الجماعى الى الخارج, ومع تصاعد حدة المأساة وتداعياتها الاقليمية والدولية, وتوالى الفشل الذى منيت به مختلف مبادرات ومؤتمرات المصالحة الوطنية بين الفرقاء الصوماليين, وانفصال جمهورية أرض الصومال عن الوطن الأم, والى حد الاجماع الدولى على موقف ودور لانقاذ الصومال تحت علم الأمم المتحدة وقيادة الولايات المتحدة, ثم قرار الانسحاب اثر مقتل عدد من ضباطها وجنودها وجرجرة أحد طياريها فى شوارع مقديشيو على مرأى شاشات التلفزيون. انصافا للحقيقة لم تكن مصر بعيدة عما يجرى فى الصومال ولا غائبة عن جهود رأب الصدع الذى أصاب الدولة والوحدة الوطنية, فالصومال دولة عربية وافريقية, وعمقا استراتيجيا للأمن القومى, وثرواتها الكامنة من النفط واليورانيوم مطمعا للاستراتيجية الكونية الأمريكية فى القرن الافريقى, ودعمها لجمهورية أرض الصومال الانفصالية مقابل نشر قواتها مستقبلا يؤكد ذلك, ومن هنا تحركت الدبلوماسية المصرية بقيادة وزير خارجيتها عمرو موسى لفتح ثغرة من الأمل فى جدار الفشل الذى منيت به ثماني مبادرات سبقتها, ونجحت فى جمع شمل 26 زعيما صومالىا يمثلون 44 فصلا سياسىا وقبلىا وعسكرىا واتفاقهم على عقد مؤتمر للحوار الشامل لاستعادة وحدة وعافية الصومال, لكن عدة عوامل سلبية تضافرت على اجهاض المبادرة المصرية, بدعوى تغولها على مبادرات سبقتها من اثيوبيا ودول الايجاد, والترويج الأمريكى لمخاطر النفوذ المصرى فى افريقيا على غرار ماتواجهه الآن المبادرة المصرية لحل الأزمة السودانية من تعقيدات, فلما أعلن اسماعيل عمر جيلة رئيس جيبوتى مبادرته, ولكون جيبوتى جزءا من الصومال الكبرى, كانت مصر الى جانبها, خاصة وأنها تختلف عما سبقها من توجهها لاشراك منظمات المجتمع المدنى والمثقفين لأول مرة بحثا عن الحل السلمى المؤسس بعيدا عن أمراء الحرب, وأرسلت وفدا دبلوماسيا برئاسة السفير ابراهيم الشويمى بصفة مراقب لأعمال مؤتمر (عرتا) منذ بدايته فى الشهر الماضى, ايذانا باختيار 225 عضوا يمثلون الجمعية الوطنية المنوط بها اختيار رئيس الجمهورية ووضع الدستور المؤقت, ومن عجب لذلك أن تنطلى الخديعة المشبوهة على الصوماليين بدعوى عرقلة مصر لمؤتمر المصالحة الوطنية, واتهامها بتحريض محمد فارح عديد للامتناع عن المشاركة فى أعماله, رغم أن المبادرة الجيبوتية لا تعطى وزنا ولا دورا لأمراء الحرب وهو أحدهم, ثم ماذا يجدى الاعتراف بالخطأ فى حق مصر بعد نفاذ سهم القدر, الأمر الذى يحتاج الى تطهير مجرى العلاقات المصرية من سموم الاختراقات المعادية والوقاية منها مستقبلا!

تعليقات

تعليقات