الأبعاد الانسانية والتربوية لمشكلة التلوث ، بقلم: ياسر الفهد

كانت معظم الدراسات والاحاديث في الماضي تدور في مدارات محلية, وتتمحور حول تطوير كل دولة من دول الارض, على حدة, وبمعزل عما يحدث في امكنة اخرى. ولكن مع نمو مفهوم العالمية وتزايد الشعور بوجود ترابط وتكامل وتأثير متبادل بين مصالح جميع الشعوب, نشطت الادبيات التي تتصدى لمعالجة المشكلات المشتركة لمختلف بلدان العالم. وليس من السهل بالطبع تصنيف كل هذه المشكلات وترتيبها حسب اهميتها وخطورتها. وقد اخترنا في هذه المقالة ان ندرس قضية حيوية يئن العالم كله اليوم تحت وطأتها ويكتوي بنارها, ألا وهي مشكلة التلوث. وسوف نستأنس ونهتدي في دراستنا, بأفكار بعض الخبراء والمختصين الدوليين اللامعين. ويبدو لنا ان هذه المشكلة بما تتضمنه من تأثيرات صحية بالغة الخطورة, مرشحة لاحتلال درجات متقدمة من سلم القضايا العالمية الكبرى. وقد اصبح التلوث من الموضوعات الحيوية التي تهم كل انسان دون استثناء, سواء كان عالما يرصد هموم البشرية والآفات التي تهدد مستقبلها, او رجلا عاديا يعيش في البيئة المعاصرة ويتأثر بها ومن جهة ثانية فإن سكان المدن والارياف على حد سواء يعانون من اخطار التلوث بشكل او بآخر وبطريقة مباشرة او غير مباشرة. وعلى الصعيد الدولي اصبحت هذه المشكلة مشتركة بين الدول المتقدمة والنامية معا. ولكنها بالطبع اشد حدة في الاولى, منها في الثانية, بسبب انتشار الصناعات الثقيلة والاشعاعات النووية فيها بدرجة اكبر. ومن الكتب المهمة التي يمكننا الاستنارة بها في الموضوع الذي نحن بصدده, كتاب: (defeating pollution) اي (دحر التلوث) الذي ألفه باللغة الانجليزية, الخبير البيئي الامريكي موريس جوران. وهو لا يزعم من خلال هذا العنوان الايحاء بأننا قد دحرنا التلوث وانتصرنا عليه, بالفعل, اذ ما زالت هناك اشواط بعيدة وعقبات كأداء يترتب علينا اجتيازها, قبل ان يتحقق لنا ما نريد. والمقصود في الحقيقة هو شرح السبل والوسائل التي يمكن بها احراز هذا الهدف. مسئولية المكافحة ويشرح جوران نقطة مهمة تفسر لنا صعوبة حل المشكلة, فعلى الرغم من كون مكافحة التلوث تستلزم انفاق اموال باهظة وبذل جهود جبارة, فإنها لا تقود الى تحقيق مردود اقتصادي, وانما تؤدي فقط الى تنظيف البيئة وتيسير سبل العيش وصيانة الصحة. وهذه الملاحظة الذكية, تجعلنا ندرك لماذا لا نستطيع ان نتوقع من رجال المال والصناعة في العالم ان يهتموا اهتماما كافيا بمحاربة التلوث, فهذا يستلزم نفقات عالية جدا, دون ان يدر ربحا ماليا. ومن هنا نستنتج ان مهمة القضاء على التلوث ينبغي ان تناط بالحكومات التي يتوجب عليها ان ترفع مستوى اهتمامها بهذه المسألة الى مستوى عنايتها بتوفير الخدمات التربوية والثقافية, وما يتطلبه هذا من تضحيات مادية دون ان يسفر عن مردود مالي مباشر. اما قطاعات الصناعة الخاصة, فليست لها مصلحة كبيرة في مكافحة التلوث. ومن النواحي المهمة الاخرى التي يلفت الكتاب النظر اليها, ايضا, عدم صحة الانطباع السائد لدى معظم الناس والذي يذهب الى ان المسئول الوحيد عن التلوث هو الانسان, وذلك بتدخله المباشر في البيئة, وبتكنولوجيته الحديثة. وفي الحقيقة فإن هناك مسئولا اخر عن التدهور البيئي وهو الطبيعة نفسها! فهي سبب العواصف والزلازل والبراكين وانقراض الاجناس والتآكل البطيء للنجوم. واكثر من ذلك, فإن جوران يبين ان امكانية التحكم بالتلوث الذي يسببه الانسان اكبر من ذاك الذي تحدثه الطبيعة. ومن الطريف ان هناك عملية تلوثية تتم بالتعاون بين الانسان والطبيعة وهي عملية انتاج (الضبخان) فالأول يصنع الدخان, والثانية تصنع الضباب والنتيجة هي الضبخان, ذو التأثير السمي القوي. ويؤكد جوران على خطورة الحياة في المدن العصرية التي تكظ بالسكان بسبب التفجر السكاني, من جهة وحركة الانتقال من الريف الى المدينة من جهة اخرى. وهذا يؤدي الى زيادة الاستهلاك, مما يفضي بدوره الى تفاقم التلوث. وننتقل الآن الى الحلول التي يقترحها هذا الخبير البيئي: ففي الماضي كان الهواء والماء يكفيان لاستيعاب السموم الملوثة للبيئة ولكن منذ عصر النهضة, وبعد الانطلاقة الجبارة للعلم والتكنولوجيا, بدأ التلوث يتخذ ابعادا جديدة ادت الى تغيير المعادلة القديمة, فأصبح من الضروري رسم طرق فعالة للحل, يشارك فيها العلم والتشريع والتربية. فهناك حاجة الى صناعة اجهزة وآلات اقل تلويثا للبيئة, والى تطوير تقانات جديدة لتحويل الفضلات الضارة للبيئة الى مواد مفيدة, وكذلك الى انشاء شبكات محطات انذار ضد التلوث. وهنا نجد ان الدور العلمي يجب ان يمتزج بالدور الاجتماعي. فالعالم ينبغي الا يكتفي بابتكار مخترعات جديدة في ضوء فوائدها فحسب, بل عليه ايضا ان يستقصي اضرارها, ويدخل في الحساب تأثيراتها السلبية في البيئة. وهذا يعني ان المسئولية الاجتماعية يفترض ان تسير جنبا الى جنب مع الابداع العلمي والتقانة الصناعية, وذلك حتى يمكن انتاج مصنوعات تفيد الانسان وتيسر سبل عيشه دون ان تخرب بيئته. وللقانون ايضا دوره, على النظامين المحلي والدولي. فلابد من التوسع في استحداث الانظمة التي تمنع تلويث البيئة, في كل دولة على حدة. اما عندما يتعلق الامر بتلوث المحيطات والفضاء والذي يضر بمصالح عدد كبير من البلدان, فلا غنى عن التعاون الدولي. ويقترح جوران انشاء معهد عالمي للايكولوجيا يتولى الاشراف على قضايا البيئة في جميع انحاء العالم, اشرافا قانونيا. اما التربية فعليها يمكن عقد الآمال العريضة, لأن الحفاظ على البيئة هو استجابة يتم اكتسابها بالتعليم, وبالوسع تطويرها في المنزل والمدرسة, بدعم من وسائل الاعلام المختلفة, من صحافة واذاعة وتلفاز. وتهتم الدول المتقدمة, اليوم, وهي الاكثر معاناة من مشكلة التلوث, اهتماما فائقا بالتربية البيئية. ففي السويد, مثلا تتلقى اعداد كبيرة جدا من المواطنين تدريبا خاصا بالبيئة اما امريكا فقد تولت دور الريادة في مجال التربية البيئية التي تبدأ هناك في مرحلة رياض الاطفال حيث يجري تدريب الصغار منذ نشأتهم الاولى على العناية بالبيئة ونظافتها. مفهوم مختلف ونستطيع ان نلاحظ من خلال مطالعة كتاب (دحر التلوث) ان مفهوم التلوث فيه يتجاوز المفهوم التقليدي ليشمل انواعا من الملوثات الموجهة ضد الانسان نفسه, لا ضد البيئة, مثل الضوضاء والسموم الدوائية والغذائية. وبينما نجد الانسان في الكتب التقليدية التي تعالج مشكلة التلوث, هو دائما المتهم بالاساءة الى البيئة, فإنه هنا ضحية للتلوث الناجم عن سوء الاستعمال. والامر نفسه يتكرر بطريقة معكوسة, بالنسبة للبيئة, فهي دائما في الكتب العادية ضحية عبث الانسان وتكنولوجيته الحديثة, ولكنها في هذا الكتاب, اضحت هي نفسها في قفص الاتهام, لأنها متهمة باحداث الزلازل والبراكين والعواصف. ومن المزايا المهمة الاخرى للكتاب, انه يؤكد على النواحي التربوية والاخلاقية في مشكلة التلوث التي لا يعدها مجرد مشكلة علمية جامدة, وانما قضية ذات جوانب اجتماعية وروحية ايضا. فالانسان في منظور جوران, اهم من الآلة في مكافحة التلوث. اذ ان شعوره منذ صغره, بأنه جزء من البىئة المحيطة به ومسئول عن نظافتها وسلامتها وبأن خرابها تهديدا له, امر حيوي جدا من اجل صيانة البيئة. ولا شك ان تطوير هذا الشعور بواسطة التربية البيئية, هو الاساس الاول الذي يجب ان تقوم عليه برامج مكافحة التلوث وبتعبير آخر, فإن التربية البيئية الصحيحة هي القادرة على خلق الانسان الواعي المتعاطف مع الطبيعة, والذي يدرك بأن عليه ان يكون ضيفا مصقولا ومتحضرا خلال اقامته القصيرة العابرة على هذه الارض, لا ضيفا همجيا ثقيلا ينهش الطبيعة التي رعته واسكنته في احضانها مثل هذا الانسان هو خير ضمان لسلامة البيئة ونظافتها. اما باري كومونسر, فإنه في كتابه الصادر باللغة الانجليزية بعنوان the closed circle أي (الدائرة المغلقة) يرى ان تلوث الهواء والماء والتربة هو من اشد الاخطار التي تهدد البىئة وحياة الانسان. ومن الامثلة الطريفة التي يسوقها على تلوث الهواء, حالة مدينة لوس انجلوس الامريكية ذات الطبيعة الخلابة والمناظر الساحرة. وقد كان هواء هذه المدينة في الماضي ملوثا بالغبار على نحو خطير, ولكن امكن في مرحلة لاحقة التغلب على هذه المشكلة باستعمال اجهزة ترسيب الغبار, ولكن بعد توسع الصناعة الحديثة, اصبح جو المدينة مترعا بالدخان الذي يحتوي على اكسيد الكبريت الذي ينشأ عن احتراق الفحم والوقود النفطي, فأصبح الامر اكثر صعوبة. اما بالنسبة لتلوث المياه, فإن كومونز يورد, كمثال, حالة منطقة ألينويز التي تلوث بعض جدرانها وانهارها مادة النيتريت السامة التي تمنع جريان الاكسجين في الدم. وهو انطلاق الهيدركاربونات المسممة للجو والمسببة للسرطان الرئوي. خطر أكبر ويرى بول كينيدي في كتابه: preparing for the twenty - fitst century أي (الاستعداد للقرن الحادي والعشرين) ان التلوث بأكسيد الكربون في المدن الصناعية قد حل محله اليوم التلوث بالتسربات الاشعاعية وهي الاشد خطرا وبين (اوزوبول و(سلادوفتش) في كتابهما الصادر باللغة الانجليزية بعنوان: technology and environment اي (التكنولوجيا والبيئة, ان البىئة عندما كان يسكن العالم زهاء مليار او ملياري نسمة, كانت قادرة على امتصاص التلوث, اما اليوم وارضنا يعيش فيها قرابة ستة مليارات انسان فإن الامور اختلفت واصبح ازدياد التلوث مرافقا لاستمرار التفجر السكاني وهما يريان ان من الضروري من اجل مكافحة التلوث, تقليص استهلاك الوقود الحفري الذي يطلق كميات كبيرة من ثاني اكسيد الكربون, عن طريق زيادة كفاءة الطاقة, وذكلك التحول عن هذا الوقود بقدر الامكان, الى الانواع الاخرى التي تطلق كميات اقل من الاكسيد. فالغاز الطبيعي على ما يريان افضل من النفط في هذا المجال, كما ان النفط بدوره افضل من الفحم. ويقترح بعض الخبراء العالميين الذين شاركوا في تأليف كتاب: future of the environment اي (مستقبل البيئة) فرض ضربية او غرامة على كل من يقوم بتلويث البيئة, بشكل او بآخر وتجميع الاموال التي تتم جبايتها بهذه الطريقة وتحويلها الى صندوق بيئي يهدف الى تمويل الابحاث البيئية الرامية الى مكافحة التلوث, والى مكافأة الذين يتصرفون بطرق تقود الى تنظيف البيئة. خلاصة القول, ان التلوث ليس مشكلة علمية وتكنولوجية وصناعية بحتة, وانما هي قضية ذات امتدادات وابعاد انسانية وتربوية واجتماعية, فالانسان الواعي الذي يخضع لتربية اخلاقية سليمة, لا يتصرف الا بطريقة حضارية تؤدي الى منع تلوث البيئة وتسممها بالاوساخ والفضلات والنفايات. كما انه عندما يصبح رجل علم او تكنولوجيا او صناعة لا يقبل المشاركة في اختراع او تطوير اي جهاز او اداة او سلعة, إلا بعد الاخذ في الحسبان, مدى تأثيرها في البيئة. واذا كان دور التربية في التوعية البيئية, بطيئا وبعيد الاجل, فإن تأثير الاعلام اسرع واقرب مدى. وهذا يضع على عاتقه مسئولية القيام بدور فعال في تنوير الناس, حتى يدركوا مدى الاخطار الصحية والمناخية التي يمكن ان تترتب على تلوث الماء والجو والفضاء والتربة والغذاء. * كاتب سوري

تعليقات

تعليقات