قرار حق عودة اللاجئين الفلسطينيين غير قابل للتأويل ، بقلم: عبدالكريم محمد

منذ صدور القرار 194 القاضي بضرورة حق العودة للاجئين الفلسطينيين وتعويضهم عن الاضرار التي لحقت بهم جراء اللجوء, دأب العديد من الاوساط السياسية والاعلامية على الالتفاف على هذا القرار بإيجاد شروحات قانونية مشوهة ولا تمتلك اي صفة قانونية اصلا. بغية تجويف القرار والتمهيد بشكل او بآخر لخلق وقائع مغايرة غير التي نص عليها هذا القرار الذي يؤكد على عودة اللاجئين وتعويضهم عن الاضرار التي نتجت عن الغزو بعكس ما يشاع هذه الايام عن العودة او التعويض فالتعويض ملازم للعودة وليس حلا من الحلول التي تنوب عن العودة. وهنا لابد من القول أن المهم بالأمر ان اي قرار دولي يصدر عن مجلس الامن او الامم المتحدة ليس مجالا للتسويف او الشرح او الاجتهاد بقدر ما هو قرار ملزم للجهة التي ارتكبت المخالفة, وما عليها الا الرضوخ للارادة الدولية ومشيئتها. وهذا الامر يتلخص في تنفيذ بنود هذا القرار بحذافيره, كما شهدنا بعض تنفيذ قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن في اكثر من مكان في هذا العالم وفي اكثر من مناسبة, والامثلة اكثر من ان تحصى بداية من العراق مرورا بيوغسلافيا اللذين لا يزالان مثالين حيين لهذه الارادة الدولية. وقد سمعنا في الآونة الاخيرة اي قبل وفي المرحلة التي عقدت خلالها قمة كامب ديفيد العتيدة ان ثمة حلولا يجري التفكير بها من اجل حل المشكلة المستعصية, وقد بدأت تلوح في الافق ثلاثة حلول ازاء هذه القضية فأحد الحلول يقول بتمثيل الدولة الفلسطينية المنتظر الاعلان لهؤلاء الفلسطينيين واعتبارهم جالية للدولة الفلسطينية وبقائهم في مناطق سكناهم في لبنان وسوريا والعراق ومصر والدول الاخرى التي يتوزع بعضهم فيها. اما الحل الثاني فيقول بضرورة شراكة دولية ممثلة بصندوق مساعدات يجري من خلاله منح الدول المضيفة بعض المليارات من اجل تحسين البنى التحتية والخدمات واعادة التأهيل وهذه القضية بحد ذاتها هي رشوة لهذه الدول لكي تساعد اسرائيل على التخلص من التزاماتها ازاء هذه المشكلة التي تنذر بالانفجار والتي تبقي فتائل الصراع قائمة واعطائهم جنسية البلد الذي يعيشون فيه والحل الآخر يتمثل في عودة نصف مليون لاجىء الى مناطق الضفة الغربية واسكانهم في بعض المستوطنات التي سيجري الانسحاب منها من قبل المستوطنين اليهود وتعمل اسرائيل على اعادة ما يقارب مئة ألف فلسطيني الى داخل الاراضي التي احتلت عام 1948 على اساس من لم الشمل وليس على اساس حق العودة وهكذا يكون بندا مكملا للبند الذي سبقه وبذلك تحل القضية التي اطلق عليها قضية اللاجئين ونكون قد تجاوزنا وطوينا صفحة اخرى من صفحات الصراع الدامي الذي دام اكثر من مئة عام ونيف مع الحركة الصهيونية واكثر من خمسين عاما مع اسرائىل. وبهذا الامر تكون اسرائيل قد شرعت والى الابد قانون العودة اليهودي الصادر في 5 يوليو 1950 والذي تنص مادته الاولى على ان (لكل يهودي الحق في الهجرة الى اسرائيل) . وبهذا تكون اسرائيل قد عممت اخلاقياتها العنصرية كدولة لليهود وحدهم دون اتهامها بالعنصرية وتجاوزت مشكلة جنوب افريقيا على المستوى العالمي. وتكون ايضا قد تخلصت من الشعور بالذنب تجاه ما حل بالفلسطينيين ووصلت الى ما كانت تقاتل من اجله من خلال الوعي الصهيوني المرتكز كما كتب الدكتور الجامعي الاسرائيلي أمنون راز ـ كركوتسكين (على نفي تاريخ هذه البلاد باستثناء الوجود اليهودي فيها) ووفرت مظلة اخلاقية (لطرد الفلسطينيين في العام 1948 وللانكار المتواصل وتغييب الطرد في الوعي الاسطوري الصهيوني) وهذا بالضرورة يجب ان يتزامن مع التخلص من المناطق, الضفة والقطاع من اجل خلق دولة ذات اغلبية يهودية اي من اجل الحفاظ على الاسطورة وعلى التصور الذاتي, وكلاهما يتحققان بمبدأ الفصل بين الفلسطينيين العرب واليهود الاسرائيليين. وبهذا تكون اسرائيل قد حققت ايضا خيارها المتمثل في تغيير الوضع تغييرا جذريا بما يتناسب مع استراتيجية المواجهة. وهو خيار يتكشف باختصار في خطين متوازيين: اولاهما هو العمل على انتاج مشكلة اللاجئين الفلسطينيين عن طريق تنظيم قلعهم اما الخط الثاني فهو خط تأييده وتحويله الى واقعة نهائية, أي تغيبهم وعزلهم المطلق من عملية الصراع والى الابد وبهذه العملية تكون اسرائىل قد حققت رؤية موشي شاريت وزير خارجية اسرائيل السابق التي اعلنها في العام 1949 امام اعضاء لجنة الامم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين, حيث اعتبر (العودة حلا سيئا لمشكلة اللاجئين وان الحل يتم بتوطينهم في الدول العربية) وشدد شاريت حينها في الاجتماع الذي عقد في منزله بالقدس على ان الحرب قد غيرت فلسطين وجعلتها) بلدا يهوديا مختلفا بالكامل عن البلد الذي عاش العرب فيه) وعلى هذا فإن العودة الى الوضع السابق باتت مستحيلة كليا وتطرح مشكلات سياسية واقتصادية وأمنية يستحيل التغلب عليها. لكن التفكير بحل المشكلة شيء والواقع القائم شيء آخر فقانون حق العودة لا يجيز الانابة اي ان رب الاسرة اذا ما تنازل لقضية التعويض بسبب ظروف اجتماعية واقتصادية فهذه القضية لا تسقط حق بقية العائلة لان التعويض حق فردي وليس حقا جماعيا كما تنص عليه روح القانون المتعلق بهذا الشأن, بالمطالبة بحق العودة الى ديارهم التي طردوا منها وبذلك فإن التعويض او التوطين لا يلغي حق الجيل الثاني او الثالث بالمطالبة بالعودة الى ديارهم التي طردوا منها بكل الاشكال والسبل المتاحة لان القانون الدولي يسمح بحمل جنسيتين او اكثر في بعض الدول, ومن حق اللاجئ ان يبقى على جنسيته الاولى وهذا الحق مشرع بالأمم المتحدة ومبادىء ولسون وبمنظمات حقوق الانسان. والتعويض بحذ ذاته لا يلغي هذا الحق المقدس لان التعويض جاء في النص وبحرفية عن الاضرار وليس عن الحق بالارض والملكية كما يحاول البعض تعميم هذه القضية لتصبح واقعا مقبولا ومعترفا به اي لتصبح عرفا ولعل اضعف القوانين هي ما يسمى بالعرف فالعرف يسري في مجتمع موحد ومتآخ اتفق ابناؤه فيما بينهم على الاعتراف بشيء محبب وهذا الشيء اصلا غير ملزم لابناء ذلك المجتمع ممن لا يرى فيه ما يلبي اهدافه وطموحاته وقيمه حتى على الصعيدين القيمي والسلوكي في المجتمع نفسه بل والاسرة ذاتها, لأنه ليس مقوننا باتفاق تعاقدي اي انه جاء نتيجة العادة بينما القرار 194 جاء نتيجة لرؤية قانونية ملزمة في ما بين طرفين طرف معتد وطرف معتدى عليه فلا يمكن ان يرضخ القانون للعرف لان القوانين هي المرجعية التي نابت عن الاعراف التي اصبحت عاجزة عن الاجابة عن الكثير من المستجدات الطارئة. اي انها جاءت نتيجة لتطور القوانين عبر تاريخ البشرية المتواصل عبر سلسلة من الحلقات المتصلة والمتناغمة وعجز العرف عن حل جملة المشكلات الناشئة في اطار تطور العلاقات الدولية وليس العكس كما تسعى له بعض الاطراف في ما يخص حل قضية اللاجئين. ومن نافلة القول ان الكثير من المحاولات الرامية الى وأد هذا القرار قد منيت بالفشل الذريع وقد جربت بعض الاطراف الدخول من بوابة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين, الاونروا وبعض المشاريع الاقليمية, إلا ان جميعها منيت بالفشل الذريع في تحقيق الاهداف والمرامي الباحثة عن اسقاط القرار 194 الذي نادى بعودة اللاجئين, والنزول به من قرار ملزم الى عرف يمكن التنازل عنه بسهولة من خلال بعض التقدمات الصحية والخدمية التي تؤسس الى اعادة تأهيل اللاجئين في المناطق التي نزحوا اليها. ولا اغالي بالقول ان الكثير ممن تساوقوا مع الحلول التوطينية التي طرحت في الخمسينيات من القرن الفائت, ان كان على المستوى الفلسطيني او المستوى العربي قد دفعوا نتيجة تساوقهم دماءهم بشكل رخيص ودون اية فائدة تذكر وكتب التاريخ الحديث لا تزال شاهدا حيا على ذلك. ومن الجدير ذكره ان من تصدى الى هؤلاء لم يكن الشعب الفلسطيني بل بعض المؤسسات السياسية العربية التي اعتبرت في حينها ان هذا التساوق يضر ليس باللاجئين بل يضر بالقضايا العربية مجتمعة, انطلاقا من انه ليس من حق احد النيابة عن احد بالاستناد الى التفسير القانوني وفهم واضح لآلياته وبنوده الملزمة. وهنا ما أود قوله ان كل الحلول المطروحة اسرائيليا حتى وان تم التوافق معها فلسطينيا, لا يمكن ان تكون حلا فعليا للنزاع وقابلا للبقاء. وفي هذه الحال لن يكون نشوب موجة جديدة من الصراع والعنف بين الاسرائيليين والفلسطينيين سوى مسألة وقت. ذلك لان عطش الفلسطينيين الى حل عادل بحسب تعريف القرار 194 لمشكلة اللاجئين, سيبقى عاملا اساسيا مستفزا ومحرضا يتصدر سلم الاولويات السياسية العربية عامة والفلسطينية خاصة. وقبالة ذلك اي عند الطرف الاسرائيلي فسيبقى عامل الامن وعدم الاستقرار هو الذي يحكم السلوك الاسرائيلي, وديمومة الخشية من انتقال الصراع الى التجمعات الاستيطانية داخل الاراضي التي احتلت عام 1948. وهنا يبرز السؤال: لماذا تبقى اسرائيل على فتائل الصراع, طالما تعرف حق المعرفة ان كل الحلول المطروحة لقضية اللاجئين من قبلهم لا تفي بالأمن والاستقرار. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق

تعليقات

تعليقات