عوامل الضعف العربي 1- 2 ، بقلم: د. تيسير الناشف

لا خلاف على ان واقع التخلف والضعف الذي يعاني الشعب العربي منه في شتى الميادين منذ وقت طويل, يفسر بعوامل داخلية وخارجية. العوامل الداخلية من قبيل انتشار الجهل واستفحال الفقر وتقييد الفكر وسوء التنشئة وفساد عدد من المؤسسات الاجتماعية التي تشمل مؤسسات اقتصادية وسياسية ـ وغلبة النظام الذكوري الابوي وسوء استعمال القوة والسلطة الاجتماعيتين, وتدني وضع المرأة وضعف المجتمع المدني ووقوع قسم من الناس تحت تأثير الشخصية الفهلوية السطحية, تأثير الشخصية المجاملة في السياق الذي يستدعي النأي عن المجاملة, شخصية (معليش) , شخصية (ما يهم) او (ما يهمش) , شخصية الانسان الذي لا يعنى بضبط الامور والذي لا يحمل الامور محمل الجد, الانسان الذي تسيطر عليه الشخصية الذكورية الابوية فتفقده شخصيته الفردية المستقلة, وتلجم اللسان عن قول الحقيقة, تحسبا وتخوفا. وقد لا اجافي الحقيقة اذا قلت ان اليافع الامريكي لديه الجرأة على الكلام وعلى الافصاح عن الرأي والثقة بالنفس اكبر مما قد يتوفر لدى الكهل في اجزاء من الاراضي العربية. والعوامل الخارجية من قبيل انتهاج دول غربية لسياسات استغلالية واستعمارية تجاه الوطن العربي, ونهوض تلك الدول بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في هذا الوطن وتدخلها في شئونه في شتى الميادين. غير ان هذا العرض يتطلب القول فورا ان ما تسمى بالعوامل الداخلية والعوامل الخارجية, عوامل شديدة التداخل وتعمل هذا العوامل اما بالتزامن او في اوقات مختلفة. وبغض النظر عن تزامن او عدم تزامن حدوثها فإن علاقة تأثر بعضها ببعض او تأثير بعضها في بعض علاقة معقدة ونشيطة (دينامية). وان ذلك التداخل والنشاط يبلغان حدا يستحيل عنده الفصل الموضوعي الدقيق بين ما تسمى بالعوامل الداخلية والخارجية. ويستحيل ايضا الفصل الموضوعي بين آثارها في نشوء الواقع واستمراره. وبالتالي يجدر بنا حينما نصنف العوامل صنفين ان نكون واعين بهذه الاستحالة. ولذلك فإن الاخذ بهذا التصنيف يأتي على حساب الفهم الافضل لهذه العلاقة بين تينك المجموعتين من العوامل. وللسبب نفسه من الخطأ تفسير التخلف والضعف العربيين بضعف البنية الداخلية ـ والبنية تعرف بأنها (الظاهرة متكررة الحدوث) ـ فقط, وذلك لأن قصر تفسير هذا التخلف والضعف على طبيعة البنية الداخلية يعني ان هذه البنية تنفصل عن البنية الخارجية وهذا الفصل غير جائز من الناحية الموضوعية. والدلالة على استحالة الفصل بين العوامل الداخلية والخارجية هي انه يمكننا ان نبدأ بأي عامل من العوامل في ايجاد العلاقات السببية المتبادلة. دعونا نأخذ مثالا على ذلك: الحكم الاجنبي عامل في منع تحقيق التضامن العربي (عامل داخلي) والحؤول دون تحقيق هذا التضامن يضعف الشعب وضعف الشعب يسهل السيطرة الاجنبية, واصحاب السيطرة الاجنبية يعملون من اجل بقاء قوة الفئات الاقطاعية, والفئات الاقطاعية يقل حماسها للديقمراطية ومحاربة الديمقراطية احد العوامل التي تؤدي الى اضعاف التماسك الاجتماعي, مما يضعف الشعب. واضعاف الشعب يغري بمحاولة الهيمنة الاجنبية, وهكذا دواليك. هذا عرض موجز لتشابك العوامل المعقد المفسرة لنشوء الواقع وبقائه. * استاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة عوامل الضعف العربي (2 ـ 2) بقلم: د. تيسير الناشف * تتضح استحالة الفصل الموضوعي الدقيق بين العوامل الداخلية والخارجية اتضاحا اكبر بالقول ان كل عامل من هذه العوامل لا يفسر بعامل واحد ولكن بعوامل متعددة. التفسير هنا معقد وليس بسيطا, بمعنى ان تفسير عامل يتحقق بعوامل متعددة. وبالتالي فإن العامل الواحد نتاج عوامل متعددة. واي تفسير لا يأخذ هذه الصفة بعين الاعتبار يكون تفسيرا ناقصا, وبالتالي لايكون تفسيرا شاملا محققا للفهم الاشمل لواقعنا. ومما يؤكد اهمية التفسير الشامل للواقع ان كثيرا من العوامل تحدث في الوقت نفسه وان هذه العوامل تؤدي في الوقت نفسه الى نشوء عوامل اخرى. ان مصلحة اصحاب النفوذ في الداخل تلتقي مع اصحاب المصالح في الخارج في عدم احداث التغير الداخلي او في احداثه حسب المصالح المتصورة. وكلمتا (الداخلي) و(الخارجي) تدلان على المكان على الجغرافيا والتشابك العضوي لكل العوامل المختلفة في ايجاد واقع يتسامى فوق التصنيف الجغرافي للعوامل, وذلك لأن شمول العوامل وتشابكها العضوي, مما يعني استحالة الفصل الموضوعي بين ما تسمى بالعوامل الداخلية والعوامل الخارجية, اوسع من ان يصنفا العوامل بالمفاهيم الجغرافية. وجرت العادة على ان تقسم العوامل الى عوامل سياسية واقتصادية وثقافية ونفسية وغيرها, والى عوامل تاريخية وعوامل راهنة. وينطوي هذا التقسيم على التبسيط, وذلك لأن هذه العوامل كلها تتشابك فيما بينها تشابكا معقدا ونشيطا افقيا اي من ناحية المواضيع, وعموديا اي من ناحية البعد الزمني. وبالتالي يستحيل الفصل الموضوعي الدقيق بين هذه العوامل. العامل التاريخي اسهم في نشوء العامل الراهن وقسم ـ على الاقل ـ من العامل التاريخي هو قراءتنا ونحن في واقعنا الحاضر للتاريخ. ولا يصح هذا التقسيم الا باضفاء صبغة نظرية مجردة على اي عامل من هذه العوامل. ولا يصح هذا الاضفاء في السياق الاجتماعي النفسي, لان العوامل في هذا السياق تتجلى وهي متأثرة تأثرا نشيطا بالعوامل الاخرى ومؤثرة تأثيرا نشيطا فيها. وعلى الرغم من العوامل الداخلية والخارجية المتداخلة في ايجاد هذا الواقع, يمكن لاناس عرب واعين احرار كسروا اغلال الفكر ان يبدأوا بدايات متواضعة طيبة سليمة تكون مدماكا في صرح مجتمع مدني سليم واع قوي منفتح الفكر ومنطلقه. والذين يتكلمون عن الواقع ويعربون عن استيائهم منه وسخطهم عليه لم لا يبدأون بداية متواضعة ولم لا يأتون بفكر لا يجعل تلك البداية مبعث قلق لدى الفئات القوية التي تتخوف من تغيير بعض قسمات هذا الواقع؟ * استاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة

تعليقات

تعليقات