جديد المفاوض الفلسطينى فى كامب ديفيد ، بقلم: د.محمد خالد الأزعر

بين العام 1978 والعام ,2000 دار الزمن الفلسطينى دورة كاملة خلال هذين العقدين ونيف. انتقل المتنفذون الفلسطينيون أنفسهم من مربع اللاعنين لـ (كامب ديفيد), السياسة والأسلوب التفاوضى والمكان أيضا, الى مربع اللاعبين فيه. وهذه واحدة من مفارقات القضية الفلسطينية, لكنها قبل ذلك وبعده من مفارقات السياسة الفلسطينية ذاتها. لا يقع همنا فى هذا المقام على اجراء مقارنة موسعة أو موجزة بين كامب ديفيد 1 وكامب ديفيد ,2 رغم أن هذا جائز ومشروع, ومن المقدر ان يأتى من يتكفل بمهمة بحثية معمقة مطلوبة كهذه. ما يعنينا أكثر الآن, عوضا عن لغة التشفى وربما المهاترة التى تنطوى عليها المقارنات الصحفية العاجلة, مقارنة من نوع آخر مضمونة الفائدة والعائد بالنسبة للقضية الوطنية الفلسطينية. وهى تتعلق بالمشابهة والتباين بين أداء المفاوض الفلسطينى فى كامب ديفيد الفلسطينية وما قبلها. فللوهلة الأولى, وبمنهجية الملاحظة, هناك مايبرر الاعتقاد فى حدوث تغير ما, لعله ايجابى, فى هذا الاداء. وقد تجلت معطيات هذا التصور الأولى فى الأسابيع القليلة التى سبقت انعقاد القمة الثلاثية الأمريكية الاسرائيلية الفلسطينية فى المنتجع الأمريكى الشهير. كان أبرز هذه المعطيات التمنع الفلسطينى بصدد عقد القمة ذاتها, بزعم معقول هو ضرورة التعرف على أهدافها ومرجعيتها ووفاء الجانب الاسرائيلى بالتزاماته التعاقدية السابقة عليها. وقد عزز المفاوض الفلسطينى تمنعه بالتئام مؤسسة المجلس المركزى لمنظمة التحرير , موحيا بأن لديه من يراجعه ويحاسبه على (ثوابت) بعينها, تماما كما يفعل الاسرائيليون فى بيتهم الداخلى. وينتمى للمعطيات إياها, التعامل الحذر مع حرب التصريحات والقصف الكلامى الذى اندلع مع الطرف الاسرائيلى قبيل القمة. فعندما شكك اسرائيليون مسئولون فى انطباق القرار 242 على الأرض الفلسطينية, أحالهم مسئولون فلسطينيون الى القرار 181 ان أرادوا, وكان هذا ردا جيدا. وعندما هدد الاسرائيليون وتوعدوا ضد اعلان تجسيد الدولة الفلسطينية, بادلهم الفلسطينيون بالتهديد بالرد ومحاولة تسخين الشارع الفلسطينى.. وحينما دعا ايهود باراك لحسم قضايا التفاوض النهائي عبر قمة ثلاثية, أعرض كما أشرنا ياسر عرفات وبدا أنه يستطلع جديا مواقف الأشقاء والأصدقاء من فكرة تجسيد اعلان الدولة فى خريف العام الحالى. الى ذلك كله, ربما كان الجانب الفلسطينى هو المسئول عن تسريب أخبار المفاوضات السرية فى استوكهولم (مايو ويونيو 2000), حين لمس عدم جدواها وخطورتها بالنسبة لخطوط الشارع الفلسطينى الحمر حول القضايا النهائية. قبيل القمة إذن كانت لغة المفاوض الفلسطينى ومفرداته مختلفة عما عهده منها المتابعون عبر السنوات السبع العجاف الماضية. وبالنسبة للبعض ممن لم يألفوا هذا الأداء, كان الأمر يدعو للدهشة ويحتاج للتفسير. وعندما نتلفت حولنا لنراجع المستجدات والعوارض التى حفت بهذه النقلة غير المتوقعة, لا نجد الا الانسحاب الاسرائيلى المهين من جنوب لبنان المحتل تحت ضغط المقاومة الباسلة. ليس ثمة تفسير مفهوم لجنوح المفاوض الفلسطينى عن منهجيته نحو قدر من الصلابة, سوى تداعيات ماجرى مع الحالة اللبنانية الفذة, وما احدثته على صعيد الشارعين الفلسطينى والعربى. كانت هذه الحالة الفريدة دعوة مفتوحة لاسترداد زمن المقاومة الفلسطينية الذى اختطفته آلية التفاوض العبثى, وكانت هذه الدعوة التى وصلت الشارع الفلسطينى والعربى بسرعة الانترنت, شديدة الوطأة على المفاوضين الفلسطينيين, وكان لابد من استجابة. ويبدو ان خيار هؤلاء وقع على اظهار التشدد الدبلوماسى, وكان ذلك أضعف الايمان. لقد ألهب المثل اللبنانى جوارح الفلسطينيين. وقد بلغ ببعضهم الأمر حد استشعار الغيرة والحمية للتاريخ النضالى الفلسطينى برمته. إذ كيف يتحقق الانتصار المدوى لمن كانوا قبل وقت قصير يقتدون بهذا التاريخ ويحاكونه, فيما يتخلى عنه أصحابه ولا يحققون سوى قبض الريح؟ على كل حال, رب (نافعة) نافعة. فالنموذج اللبنانى حقق قصده لاهلنا فى لبنان , وحقق الى حد لا بأس به صحوة فلسطينية وعربية. وهكذا اضطر من برروا مطولا (عدم امكانية حصول الفلسطينيين على حقوقهم كبقية عرب ما بعد هزيمة 1967) بزعم اختلاف الظروف والمحددات.. الخ, اضطر هؤلاء للتساؤل علنا: لماذا لا ينسحب الاسرائيليون من كل الأراضى الفلسطينية المحتلة عام ,1967 أسوة بما حدث مع مصر والأردن ولبنان.. وسيحدث مع سوريا؟ بل وراحوا يستذكرون مما كادوا يهجرونه كلية.. تطبيق قرارات الشرعية الدولية بشأن فلسطين, مثلما حدث مع بقية العرب وفى طليعتهم لبنان والقرار 425. جاء النموذج اللبنانى برياحه غير المواتية لاسرائيل فى وقت دقيق. فقد اضطر الشريك الفلسطينى لتعديل ادائه وقد أوشكت اسرائيل وحليفها الأمريكى على الولوج فى صلب القضية الفلسطينية, ولم تكن الضغوط الاسرئيلية لتجدى فلسطينيا, فيما اسرائيل تلعق جراح كرامتها المهانة فى لبنان. وهنا تصدر الشريك الأمريكى لوقت الضيق, وقام بما يشبه الاستدعاء بالدعوة لقمة كامب ديفيد الثانية. ومهما أوتى المفاوض الفلسطينى من صلابة, حقيقية أم عابرة, ما كان له ليرفض هذه الدعوة من القطب الأمريكى الأوحد والوسيط الأوحد أيضا. غير أن هذا المفاوض لاذ فيما تظهر المتابعة بتكتيكات تقتضيها مرحلة الاستنفار الشعبى التى لم تبتعد بعد عن تأثير المثل اللبنانى. فإذا كان التعلل لرفض الدعوة مسألة غير ممكنة, فإن القبول بها مع بذل أقصى جهد بحد أدنى من الثوابت داخل القمة امر ممكن. لقد بدا هذا الجهد التكتيكى المستجد واضحا فى حيثيات الموقف الفلسطينى خلال القمة. كاصطحاب رموز أقرب إلى معارضة مسار أوسلو لابلاغ رسالة عن مواقف الداخل الفلسطينى, ومحاولة التقيد بخطوط حمر فلسطينية بخصوص القدس واللاجئين, والدفع بالشرعية الدولية الفلسطينية, والممانعة فى تأجيل تسوية القضايا الكبرى مجددا, وتحريك الشارع الفلسطينى خلف المطالب التفاوضية.. ومؤدى ذلك أن المفاوض الفلسطينى مازال مشدودا عنوة على الأرجح الى بركات المثل اللبنانى, ومدركا لتحفز الرأى العام الفلسطينى, واعيا أن القرارات التاريخية ليست بحوزة أفراد مهما بلغت رمزيتهم التاريخية.. ولكن الى متى يصمد على هذا الأداء؟ سؤال تعز إجابته حقا. * كاتب فلسطينى ـ القاهرة

تعليقات

تعليقات