محاورة ، بقلم: د. جابر عصفور

قال لي صاحبي وهو يحاورني حول علاقة الفنون بالأديان: ان الفنون تسرف على نفسها وعلى الذين يحرصون على متابعتها عندما تتعرض للأديان, فللأديان قداستها التي ينبغي ان تبقى بعيدة عن دائرة الفنون, وعن أهواء المبدعين من البشر ونزواتهم, ولم يعجبني ما قاله زميلي الذي يريد الحجر على الفن, فأجبته بقولي: ولكن يا صديقي العزيز ان الاديان يمكن ان تكون موضوعا للفنون سواء في سير انبيائها, او في معانيها الروحية التي تحتاج الى تجسيد يقترب بها من افهام البشر المحدودة او في قيمها التي يسعى الفن الى تأكيد قداستها, مثلما يسعى الى تصوير وقعها على النفوس البشرية التي لا يمكن لها ان تواصل حياتها دون عقيدة تملأ الحياة غنى ورحمة, وصدقني ايها الصديق, انه لا يوجد فن حقيقي يسيء الى الاديان, او يسعى الى التهوين منها في جوهره الذي يجعل منه فنا وحرية الفن في النهاية لا تجعل منه كيانا مناقضا للأديان او معارضا لها. وقاطعني صديقي ليمنعني من مواصلة كلامي بسؤاله الذي يقول: ولكن لابد من ضوابط تحدد الابداع الفني والادبي في علاقتها باحترام الاديان؟! قلت لصديقي: معك حق في مسألة الضوابط هذه, لكن على شرط ان لا تتحول هذه الضوابط الى قيود تحول بين الفنان وحريته, او تتحول الى وسائل قمعية للرقابة التي يفرضها المتزمتون الذين لا يعرفون معاني التسامح ودعنا نتفق منذ البداية على ضرورة احترام الاديان جميعها وعلى ان الحرية مهما كانت درجات التوسع فيها لا ينبغي ان تعتدي على الاديان او مقدسات الامة, فهذه امور لا يجب التنازل عنها او التساهل فيها, لكن احترام الاديان يا صديقي لا يعني الحجر على حرية الاعتقاد اولا, ولا على حق التعبير الفردي في كل صوره ثانيا, ولا على شروط الابداع التي تنقض الضرورة ثالثا. استحسن صديقي كلامي, و اضاف اليه ما يؤكده بقوله: يلزم عن احترام الاديان تنزيهها عن الذين يتاجرون بها من البشر لمصالح سياسية أو مآرب شخصية, كما ينبغي الفصل بين الاديان والمتحدثين باسمها حتى لا يقع الخلط بين النصوص المقدسة وتأويلاتها البشرية, كما يلزم عن احترام الاديان كذلك استلهام رسالتها التي تسعى الى الانتقال بالانسان من وهاد الضرورة الحيوانية الى ذرى الحرية الانسانية تلك الحرية المسئولة التي تسعى الى تحقيق قيم الحق والخير والجمال بواسطة معالجة ظواهر الباطل والشر والقبح, ووافقت صديقي على ما قاله, ومضيت قائلا: ولا تنس ان حرية المبدع في تحقيق هذه القيم هي التي تفرض عليه ان يمضي الى حيث ما يراه هو محققا لها دون حجر عليه من احد, والحكم على عمله ـ في كل الاحوال ـ مرهون بمجمل هذا العمل ومقاصده الكلية, وليس بانتزاع بعض الاجزاء على طريقة التوقف عند قول (ولا تقربوا الصلاة) او (ويل للمصلين) دون اكمال كل آية كريمة منهما. وفكر صاحبي في كلامي كما لو كان يزن مقدار الاصابة فيه, ولم يطل تفكيره الصامت, فبادرني بقوله: ولكن من الذي يحدد اذا كان هذا العمل الابداعي او ذاك يسيء الى مقدسات القراء؟ قلت لصاحبي: اولا, لا يوجد عمل ابداعي حقيقي يسيء الى مقدسات القراء من حيث جوهر هذه المقدسات التي تتجسد بها قيم الحق والخير والجمال. كل ما يحدث هو ان بعض الاعمال الادبية والابداعية تصطدم مشاعر المتلقين لها, وتستفزهم بما يدفعهم الى مراجعة كل شيء ابتداء من هوان اوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وانتهاء بمراجعة التأويلات البشرية التي تعودوا عليها في الامور الدينية. وهذا النوع من الصدمة ليس مقصودا لذاته من هذا المجال وانما لتحقيق الجوهر النبيل لمقدسات الامم. اما من الذي يحدد خروج العمل الادبي او الفني على هذا الهدف فهم المختصون الذين يعرفون تقنيات الابداع وأساليبه الرمزية ولغاته المجازية, والذين يضعون كل عناصر العمل داخل سياقها الكلي الذي هو اساس حكمهم بقيمة هذا العمل او ذاك ولست ادري لماذا لا نقبل من اي عامل بسيط ان يقوم بدور الطبيب او المهندس او العالم ونسمح لغير المختص ان يفتى في الادب والفن بما لا يعلم وما ليس موجودا اصلا في الفن الحقيقي. ولم يحرص صاحبي على اخفاء ملامح مخالفته لي على وجهه فزم شفتيه, وقارب ما بين حاجبيه, وتغضن جبينه, كما لو كان يمهد لكلماته التي بادرني بها قائلا: ولكن هذا الفهم يجعل من تذوق الفنون والحكم عليها اشبه بالكهنوت المقصور على اهله, ويحول بين الفنون وحرية تلقيها من كل متذوق, وينقلب بديمقراطية تلقيها الى ديكتاتورية اختصاص لا ينطق فيها الا النقاد من امثالك المزودين بكل علوم النقد وطرائقه وفي ذلك اسراف لا سبيل الى قبوله, وأحسبك انت شخصيا لا توافق على ما تقول في اعماقك. قلت لصاحبي: دع عنك ما هو في اعماقي, ودعني اوضح لك الفارق المهم بين التذوق العادي والنقد. التذوق العادي حق للناس جميعا, ما داموا قادرين على تقبل الفنون وتفهم مراميها المباشرة على الاقل. وهؤلاء من حقهم ان يحكموا على الاعمال الادبية بما يشاءون, كما لهم ان يحبوا هذا العمل ويكرهوا ذاك لأسباب شخصية خاصة بكل متذوق أو متذوقة, لكن تذوقهم هذا ليس النقد, وأحكامهم احكام انطباعية داخلة في دائرة الذوق الفردي المتغير, وليست في دائرة النقد بمبادئه الثابتة وقواعده الراسخة. وهو فارق بين الناقد والرجل العادي في هذا الامر أشبه بالفارق بين من ينظر الى الماء في كوب زجاجي بعينيه المجردتين, ومن ينظر الى الماء نفسه من وراء عدسات ميكروسكوب. وهو فارق في ادراك المعاني الباطنة التي قد تخالف المعاني الظاهرة وفارق الخبرة بالسياقات التي تتحدد فيها وبها علاقات الاجزاء وهو الفارق بين قدرة التأويل وأخذ الكلمات بظواهرها التي قد لا تكون هي المقصودة. قاطعني صاحبي صائحا: ولكننا نتحدث عن علاقة الفنون بالأديان؟! وهل هناك من هو اقدر في الحكم على ذلك من رجل الدين الذي يستطيع ان يلمح الانحراف ويكتشفه فيكشفه للآخرين؟ قلت لصاحبي: هذا كلام يوحي ظاهره بالقبول, لكن الواقع غير ذلك فرجل الدين يميل عادة شأنه شأن غيره, الى التوقف عند المعاني الظاهرة من الفنون, ولا يلتفت ـ لأنه غير مدرب ـ الى المعاني الباطنة التي قد تصحح ما يبدو في المعاني الظاهرة من اعوجاج ولا ينتبه الى السياق الذي يرد الامور الى نصابها الابداعي في كثير من الاجزاء التي قد تبدو مخالفة للدين في ظاهر امرها, وهي ليست كذلك في علاقاتها السياقية. وخذ على ذلك مثلا معالجة الفنون للموضوعات غير الاخلاقية, فإن المقصد من هذه المعالجة ليس تشجيع الناس على الاثم وانما تصوير آثاره الضارة مهما كانت غوايتها او مهما كان بريقها ولذلك فرق النقاد بين الموضوع ومعالجته,وقالوا ان الفن يمكن ان يعالج اي موضوع بلا حرج والاهم في تحديد قيمته هو نوع المعالجة وتقنياتها وكيفياتها. وعندما نأتي الى مسألة التقنيات نأتي الى ميدان اختصاص الناقد الذي لا يستطيع غيره ان يمضي فيه بالقدرة نفسها. وقاطعني صاحبي وهو لا يزال يفكر فيما اقول: ولكن يمكن قراءة الاعمال الادبية او الفنية باجتزاء بعض نصوصها؟ ولماذا من المستحيل ان نحكم اخلاقيا او اعتقاديا على بعض الجمل الموجودة في الاعمال الادبية اوالفنية؟ قلت لصاحبي: مستحيل ان يحدث ذلك, فذلك تشويه للأعمال الابداعية, وافتراء عليها في الوقت نفسه, واذا اقتطعت جملة او بعض جمل لم يعجبك معناها اخلاقيا او دينيا فأنت تحكم على بعض جمل, وليس على العمل الذي اقتطعتها منه ولذلك لا حق لك في ان تصف العمل كله بصفاتها لأن صفات الجزء غير صفات الكل الذي قد يناقض بعضه في هذا البعد او ذاك, بل ان هذا البعض قد يتغير معناه المباشر من النقيض الى النقيض عندما تضعه في سياقه ولا تقرأه على طريقة (ويل للمصلين) . وبدا على صاحبي بعض التفهم لكنه لم يتخلص تماما من شكوكه, فسألني ولكن أليس هناك ضوابط لنشر الاعمال الادبية؟ قلت له: هناك ضوابط: اولها القيمة الابداعية لهذه الاعمال, وثانيها ما تضيفه هذه الاعمال بما تحتويه من رؤى عميقة وجذرية الى وعي القراء, وثالثها الاسهام في الارتقاء بالذوق العام لأبناء الامة, ورابعها تشجيع القراء على التفكير بحرية ودون خوف, ووضع ما تعارفوا عليه موضع المساءلة على الاقل ليتأكدوا من صدقه او قيمته.

تعليقات

تعليقات