الأيديولوجيا والمجتمع المدني بقلم: خورشيد دلي

تنتج الايديولوجيا في حقل التجربة السياسية مجموعات (مجتمعات) شعبوية هلامية, وبقدر ما تشكل هذه المجموعات وقودا للنظام الذي لا غنى له عنها في اللحظات المصيرية, فإنها في الوقت نفسه تشكل عقبة له وللدولة عند اجراء تحولات اقتصادية وسياسية من شأنها احياء المجتمع المدني ومؤسساته الاجتماعية. ومع تراجع بريق الايديولوجيا والشعارات الوطنية وانحسار المد القومي واقرار الدول العربية بضرورة تسوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي والدخول في حالة الاستقرار العام فإن مسألة التحول من نمط المجتمعات الشعبوية الى المجتمع المدني باتت تشكل تحديا للنسق السياسي السائد نظرا لعلاقة هذا التحول بقضايا الاصلاح والديمقراطية والتحديث والتنمية, وبالرغم من ان الاتجاه العام في الدول العربية يبدي التفهم للعوامل التي تحض النسق السياسي على البدء بعملية الاصلاح السياسي والاقتصادي, ألا ان الاستجابة على المستوى السياسي تتسم بالبطء وغالبا ما تأخذ شكل التأطير بغية ابقاء الاصلاح السياسي تحت آليات السيطرة, في حين يأخذ الاصلاح الاقتصادي طابعا حيويا من خلال تعديل القوانين واحداث الادارات والآليات والاساليب والحرص على امتلاك التكنولوجيا المتطورة مع اختلاف ذلك بهذه الدرجة او تلك من دولة عربية الى اخرى. وبالرغم من تفاوت المشهد السياسي العربي وتدرج تلاوينه, فإن الصورة العامة التي تبرز من مراجعة التجربة السياسية العربية هي صورة مجتمع مدني يحاول الافلات من الحصار المفروض عليه, ومن مظاهر هذه المحاولة (الافلات من الحصار) ازدهار النشاط الاقتصادي الخاص مقابل تراجع نشاط الدولة في هذا الاتجاه, وازدياد دور الاعلام والاتصالات والهيئات والجمعيات والمؤسسات غير الحكومية في حياة المجتمع مقابل تراجع العمل الحكومي في شتى المجالات, وبروز اتجاه اقوى داخل حركة الاحزاب والمجتمع واوساط الاعمال والاقتصاد يطالب النسق السياسي بالتحول من الشرعية التي يمارس على اساسها السلطة (القومية, الدين, الوطنية) الى الشرعية الدستورية والقانونية, وذلك لحماية المجتمع بل الدولة نفسها سواء من خطر الانهيار والتآكل او خطر الحركات المتطرفة التي ما زالت ترى في العنف اسلوبا للاستيلاء على السلطة والحكم. ويمكن القول ان فلسفة الانتقال الى المجتمع المدني في الدول العربية بدأت تأخذ اشكالا عدة منها: 1ـ صعود جيل جديد الى سدة الحكم في عدد من الدول العربية: سوريا, الاردن, المغرب.. الخ وقد اقترن هذا الجيل بالنشاط والانفتاح والتحديث واعادة البناء على اسس جديدة تتضمن احياء المجتمع المدني ومؤسساته مقابل تراجع العمل الحكومي. 2ـ بلوغ الدول العربية درجة معقولة من الدستورية في الحياة السياسية وامتلاك هذه الدول للقوة وعناصرها ووسائلها بما يعني استحالة دحرها من قبل الجماعات المعارضة سواء الراديكالية منها او المتطرفة (الدينية, الماركسية, القومية, الاقليات القومية او الدينية) وبالتالي فإن مسألة تطبيع العلاقة في الداخل بين النظام من جهة والمجتمع والجماعات المعارضة من جهة اخرى, والانفتاح في الحياة السياسية لكي تشمل الفئات الموجودة خارج النظام, خصوصا تلك الرافضة للعنف كلها عوامل تصب في خدمة احياء المجتمع المدني ومؤسساته. 3ـ الاصلاح الاقتصادي الذي تقر بأهميته الدول العربية جميعا بات يشكل مدخلا (حقيقيا) ولو بطيئا لعملية رفع الدولة وصايتها على الاقتصاد, وبالتالي عن قطاعات اساسية في حياة المجتمع وحركته في بناء مؤسساته الاقتصادية والاهلية التي تشكل بدورها ارضية اساسية لمؤسساته الثقافية والفكرية والابداعية وفي تقوية مواقعه في مواجهة المؤسسات التي اقامتها الدولة تحت اسم المنظمات الشعبية والاتحادات والنقابات. 4ـ انتشار مراكز الابحاث والدراسات الاستراتيجية وكذلك الجامعات الخاصة والاهلية والمراكز والمنتديات الثقافية والفكرية والعلمية حيث بات نشاط هذه المراكز والجماعات والمنتديات ونتاجاتها العديدة تشكل حالة معرفية وعلمية ومعلوماتية تكشف الثغرات القائمة في علاقة الدولة بالمجتمع وضرورة تصحيح هذه العلاقة واعادة الاعتبار للمجتمع والفرد. 5ـ تكنولوجيا الاتصال المتطورة من اقمار صناعية وانترنت واقنية فضائية وغيرها كلها عناوين في مفردات العولمة التي قلصت من هيبة الدولة الوطنية, وحركت قاع المجتمعات المحاصرة بالشعارات الثورية والايديولوجية وافضت الى تحريك رغبة هذه المجتمعات في تلقي نتاج هذه التكنولوجيا التي صهرتها ووضعتها في سياق جديد, مفرداته الحصول على المعلومة ومعرفة الآخر, وامتلاك لغة الحوار, وتقوية الميول الفردية بدلا من الايديولوجية والانخراط في المجموعات الشعبوية التي قتلت في الفرد الروح الفردية والذات الممتعة في ظل خصائص الصورة والاستهلاك والسرعة. مع الاقرار بأن احياء المجتمع المدني لا يمكن ان يكون بوصفة سحرية او حركة ميكانيكية مبرمجة فهي عملية اجتماعية وسياسية مركبة, ألا ان الوقائع على الارض واتجاه الحركة في البلاد العربية تشيران الى ان المجتمع المدني بدأ يأخذ مواقعه الصحيحة على ارض الواقع في مواجهة المؤسسات والمنظمات والهيئات الايديولوجية التي اقامتها الدولة والتي لم تعد منتجة او فاعلة خصوصا بعد ان حولها القائمون عليها الى مؤسسات للمنافع الشخصية والحسابات التي لا تدخل الا في اطار مصالح فئة ضيقة وغالبا ما تضر بالمجتمع والدولة نفسها على المدى الاستراتيجي. وعليه فإن للحديث عن المجتمع في هذه المرحلة اهمية خاصة, فمن شأن ذلك تنوير الرأي العام وتطوير دعوة المجتمع لبناء مؤسساته غير الحكومية وفتح باب الحوار والنقد مما يؤسس ذلك كله لقناعات ودوافع للعمل الحر وممارسة الديمقراطية وقيمها كقاعدة اساسية لتبلور المجتمع المدني ويكتسب شرعيته السياسية والتاريخية. * كاتب سوري

تعليقات

تعليقات