خبرات الحركة الوطنية الفلسطينية في القرن العشرين - البيان

خبرات الحركة الوطنية الفلسطينية في القرن العشرين

بقلم: عبدالقادر ياسين ثمة حزمة من المحرضات تدفع لاستخلاص الدروس من مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية, على مدى القرن العشرين ليس في مقدمتها ضرورة المراجعة النقدية واجراء الحساب الختامي, على غرار ما تفعل البنوك والمصارف في آخر كل عام, وعشية مطلع عام جديد, بل ثمة ما هو اهم ضمن المحرضات, مثل تعثر خطى الحركة الوطنية الراهن, ما يقتضي التفاتنا الى حيث بدأت مسيرتنا علنا نلتقط اسباب التعثر وجذور التخبط. غني عن القول بأننا لن نلتفت الى دعاة تجنب مثل هذه المراجعة بزعم انه لا يجب ان ننشر غسيلنا على الملأ او الحذر من أن نجلد انفسنا وينسى هؤلاء وأولئك بأن من مصلحة الغسيل نشره كما ان الاعتراف بأسباب التراجع لن يفقدنا إلا اخطاءنا. على اننا لن نؤرخ هنا للحركة الوطنية بل سنكتفي بالمحطات الرئيسية والمفاصل في مسيرة تلك الحركة, وصولا الى الدروس المستفادة منها. الخلفية رزحت فلسطين تحت الحكم العثماني ضمن ولاية سوريا اربعة قرون متصلة (1516 ـ 1918) ما طبع اقتصاد فلسطين بالتخلف وتطورها الاجتماعي بالتشوه وثقافتها بالجمود. لقد فجر الاستبداد العثماني انتفاضات فلاحية عدة في فلسطين فيماسرعت حملة ابراهيم باشا العسكرية المصرية على سوريا (1832 ـ 1840) في تبلور الحركة الوطنية في ولاية سوريا, بتأثير ضرب حملة ابراهيم هيبة الدولة العثمانية في الصميم, بعد ان حاقت الهزيمة الساحقة السهلة بقوات الأخيرة. فضلاً عن أن حملة ابراهيم حرضت الجماهير السورية على مصالحها, حين اشركت تلك الحملة السوريين في حكم انفسهم بأنفسهم وتعززت ثقة السوريين بأنفسهم حين اسهموا في دحر حملة ابراهيم نفسها عن الاراضي السورية. بدأت الحركة الوطنية بالتعبير عن نفسها فكريا ثم سياسيا حين تأسست في بيروت سنة 1875 أول جمعية عربية سرية لمناهضة الحكم العثماني بعدها اخذت الجمعيات المماثلة في الانتشار في ارجاء شتى من الاراضي السورية التي كانت تضم آنذاك اقطار: سوريا, لبنان, فلسطين, وشرقي الاردن. ما ان قفزت (جماعة الاتحاد والترقي) الى السلطة في استانبول, صيف 1908 حتى توهم الوطنيون السوريون بأن عهدا من ( الاخاء العربي ـ العثماني) قد بدأ فشكل اولئك الوطنيون في استانبول ـ جمعية حملت اسم (الاخاء العربي العثماني) نفسه. بيد أن (الاتحاد والترقي) سرعان كشفت عن وجهها الشوفيني مادفع الوطنيين السوريين الى التخلي عن اوهامهم في (الاتحاد والترقي) ولاذ السوريون بكفاحهم, من جديد, وتدرجوا من المطالبة بالاصلاح الى الحكم الذاتي قبل ان يضعوا (الاستقلال التام) هدفا لهم. في الوقت الذي تعددت فيه اشكال مقاومة الفلسطينيين للاستيطان اليهودي في فلسطين, من شن الهجمات المسلحة على المستوطنات اليهودية الى تقديم مذكرات الاحتجاج للسلطات العثمانية ونشر مقالات التحذير من خطر الاستيطان الى التنديد من منصة (المبعوثان) (البرلمان العثماني) بهذا الاستيطان. الولادة بعد صدور (تصريح بلفور ) في 2/11/1917, واحتلال القوات البريطانية لفلسطين (1918) واجتزائها من الجسم السوري انحصر الكفاح الوطني في الاطار الفلسطيني بعد ان جرى تقسيم (ولاية سورية) الى اربعة اقطار هي: سوريا ولبنان وفلسطين وشرقي الاردن حيث كان الأولان من نصيب فرنسا والاخيران من نصيب بريطانيا. هنا ولدت الحركة الوطنية الفلسطينية بادئة مرحلتها الاولى التي امتدت حتى أواخر العشرينيات واتسمت بما يلي: * احتكر كبار الملاك قيادة الحركة الوطنية بسبب وهن البورجوازية ومعها العمال والفلاحون. * حصرت هذه القيادة معسكر الاعداء في اليهود دون الحركة الصهيونية او الاستعمار البريطاني الذي حكّمته تلك القيادة في الصراع الناشب. * لجمت القيادة حركة الجماهير وقزمت اساليب الكفاح الى مجرد مذكرات الاحتجاج والمؤتمرات والوفود الى لندن حينا, والى المندوب السامي البريطاني في القدس, اغلب الاحيان. * عمدت هذه القيادة الى تشكيل (الجمعيات الاسلامية المسيحية) في سائر المدن الفلسطينية بديلا عن الاحزاب السياسية على ما في هذه التسمية من سمة طائفية تليق بكبار الملاك ورثة الاقطاع. صحيح ان هذه التسمية (الاسلامية المسيحية) تعكس ليبرالية على نحو ما بسبب انهائها عزلة المسيحيين عن المسلمين في الحركة الوطنية الا ان التسمية نفسها تسهم في تسويغ الطائفية مايسمح بوجود مستوطنين يهود الى جانب المواطنين العرب من مسلمين ومسيحيين. في هذا الصدد اعاد بعض المؤرخين تسمية (الجمعيات) الي حاكم القدس البريطاني العسكري ستورز فيما اعادها آخرون الى وزير الخارجية الفرنسية انذاك, جورج بيكو, شريك البريطاني مارك سايكس, في الاتفاق الذي حمل اسميهما في مايو 1916 وتقسمت أراضي الولايات العثمانية بين الاستعمارين الفرنسي والبريطاني على النحو المعروف. نعود الى ما اتسمت به الحركة الوطنية في مرحلتها الاولى (1918 ـ 1929) والتي تعكس رخاوة القيادة التقليدية لهذه الحركة وهي الرخاوة التي تعود اغلب الظن الى استمرار كبار الملاك في اداء دور (الوسيط) منذ العهد العثماني بين الحكم والعامة! في المقابل ظهرت تنظيمات على يمين (الجمعيات) واخرى على يسارها. اذ تشكل سنة 1918 (الحزب العربي الموالي لبريطانيا) و(الحزب العربي الموالي لفرنسا) لكنهما سرعان ما ذويا, بمجرد اكتشافهما أن الانجليز اتوا ليستعمروا فلسطين وليس لتحريرها وتحقيق استقلالها. ثم كان قرار (عصبة الامم) سنة 1920 بانتداب بريطانيا على فلسطين, الامر الذي ابتدأ رسميا في يوليو 1922 ففقد الحزبان مبررات وجودهما تماما. الى يسار (الجمعيات) تم تشكيل (الجمعية الفدائية) التي اخذت على عاتقها اغتيال الاعداء وفي العام 1922 تأسس (الحزب الشيوعي الفلسطيني) في السياق نفسه. اجماع شعبي هنا عانى الشعب الفلسطيني الامرين. اذ تم طرد الفلاحين العرب الفلسطينيين باطراد من اراضيهم لحساب المستوطنين الصهاينة ورزح الفلاحون تحت نير سنوات القحط وانخفاض اسعار محاصيلهم وارتفاع اسعار البذور ومعها ارتفاع قيمة الفوائد على قروض الفلاحين بينما تعرض العمال للطرد من مصانع وورش ومزارع المستوطنين بسلاح شعاري (العمل العبري) و(احتلال العمل) الصهيونيين وتقلصت فرص العمل باطراد مع تدفق الهجرة اليهودية الى البلاد فتفشت البطالة بين العمال فيما طارد الافلاس الرأسماليين بفعل منافسة الصناعات اليهودية المدعمة بالرساميل الضخمة والتكنيك الراقي والحماية الجمركية في الوقت الذي تزايد فيه سخط المثقفين بفعل مزاحمة المستوطنين اليهود لهم في الوظائف وتحيز الانتداب البريطاني للاخيرين ناهيك عن تضييه الانتداب دائرة التعليم للعرب الفلسطينيين. لعل في هذا كله ما يفسر اتساع دائرة معسكر الثورة مع ملاحظة ان الاحتلال البريطاني ـ في حد ذاته ـ جرح الكرامة الوطنية الفلسطينية فيما اثار المشروع الصهيوني المدعوم من هذاالاحتلال فزع الشعب العربي الفلسطيني على مستقبله ومستقبل وطنه. على انه مهما يكن من امر منظمات اقصى اليمين واليسار فإن الوسط التقليدي ظل موقع الكتلة الرئيسية في الحركة الوطنية الفلسطينية. لهذاكله اتسمت المرحلة الاولى بسيادة الصدامات الطائفية بين العرب واليهود (ابريل 1920, مايو 1921, مارس 1924) وان كانت هذه الصدامات طبقية في جوهرها بفعل ممارسة المستوطنين اليهود ومؤسساتهم اضطهادات طبقية ضد المواطنين العرب فوق الاضطهادات الوطنية. صدم تنفيذ قرار (عصبة الامم) بانتداب بريطانيا على فلسطين (1922) قيادة الحركة الوطنية وافقدها الاتجاه حتى انها عجزت عن مجرد عقد اي مؤتمر وطني فلسطيني فيما بين سنتي 1923 و1928, وهي التي واظبت على عقد هذه المؤتمرات دوريا مرة كل سنة. الى ذلك حافظت الحركة الوطنية على شعاراتها (وقف الهجمة اليهودية الى فلسطينين ومنع انتقال الاراضي اليهم, والغاء وعد بلفور) وان عارض يسار الحركة الوطنية الشعار الاخير, والح ان (الغوا الانتداب ليسقط وعد بلفور) ! على مدى السنوات الست العجاف (1922 ـ 1928) اسنت الحركة الوطنية مما سمح بتوالد حزيبات الثورة المضادة (الوطني, والزراع) لكنها ولدت ميتة لعزوف الشعب عنها اساسا بعد ان انكشف امر صلتها بمسئول الدائرة العربية في (الوكالة اليهودية) كالفاريسكي! نهاية المرحلة مع قدوم سنة 1928 كأن حجرا ألقى في بركة الحركة الوطنية الآسنة حين دخلت فلسطين في ازمة اقتصادية خانقة سبقت العالم بسنة كاملة وبعد ان اجتاح البلاد الجراد والوباء والزلزال ثم حدث ان دخل المستوطنون اليهود في استعراض للقوة وهتفوا قرب (حائط البراق) صيف 1928, (الحائط حائطنا) حيث يدعي اليهود أن هذا الحائط هو ما تبقى من قصر سليمان بعد هدمه منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة لذا يسمونه (حائط المبكى) بينما يؤكد المسلمون أنه عند هذا الحائط ربط الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم براقه حين عرج الى السماء وقد اثبتت لجنة دولية زيف ادعاء اليهود بصدد هذا الحائط وصحة ادعاء المسلمين بخصوصه (1929). لذا كان طبيعيا ان تندلع هبة وطنية صيف 1929 بمجرد ان اعاد اليهود الكرة وهتفوا (الحائط حائطنا) وامتدت الهبة اسبوعين وشملت القدس والخليل وصفد, حيث انحاز الجند البريطانيون علنا للطرف الصهيوني فيما تمخضت الهبة عن عدد مرتفع غير مسبوق من القتلى والجرحى في الطرفين. هكذا, انهت هذه الهبة المرحلة الاولى من حياة الحركة الوطنية الفلسطينية التي اخلت موقعها للمرحلة الثانية بعد ان لمس الشعب العربي الفلسطيني مدى تخاذل قيادته وعقم اشكال الكفاح التي فرضتها على الشعب, وافتضاح امر التحيز البريطاني للصهيونية بما لا يدع مجالا للشك. وفي المجال الاقتصادي كان اشتداد عود البرجوازية العربية الفلسطنيية الذي عبر عن نفسه اقتصاديا في تأسيس البنوك (العربي والصناعي العربي والزراعي العربي) وسياسيا في عقد مؤتمرات مختلف التجمعات البرجوازية العربية الفلسطينية (النساء, الصحفيين, الطلبة, التجار) عدا تشكيل الاحزاب. بيد أن اللافت كان حضور البورجوازية العربية الفلسطينية في القيادة الذي فاق حجمها كثيرا اولا بقوة برنامجها السياسي, الذي تمكنت من فرضه وثانيا لاستقواء تلك البورجوازية بالعمال والفلاحين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات