حروب النفط الحزبية، بقلم جيمس زغبي

رئيس المعهد الامريكي العربي من المحتمل الى حد كبير ان تقرر أوبك زيادة انتاجها من النفط خلال اجتماعها اليوم, لكن العواقب السياسية المترتبة على ارتفاع اسعار البنزين قد يستغرق انحسارها عدة اشهر. وخلال الشهر الماضي تصدرت قضية النفط بشكل منتظم الجدال السياسي الامريكي. ثم تفجرت المسألة بعد زيارات وزير الطاقة الامريكي بيل ريتشاردسون لبعض قادة الدول الاعضاء في أوبك التي رافقها اهتمام اعلامي كبير. واخذ هذا التفجر شكلين اثنين, الاول هو الهجوم الحزبي الجمهوري على ادارة كلينتون (لتباطئها في اتخاذ الاجراءات) للتعامل مع الوضع والهجوم على منتجي النفط وخاصة الدول العربية المنتجة للنفط والاعضاء في أوبك. كان الجمهوريون يبحثون عن قضية اقتصادية لمهاجمة ادارة كلينتون من خلالها فمع تمتع الولايات المتحدة بازدهار اقتصادي, هو الاكبر من نوعه على مدى اكثر من جيل, ومع كون كل المؤشرات المتعلقة بالمستقبل ايجابية فقد اخذ الجمهوريون يشعرون بالقلق امن انهم بالكاد سيحصلون على قضية يثيرونها حتى نوفمبر المقبل حينما تجرى الانتخابات. وقد شكلت اسعار البنزين المرتفعة سلاحا جيدا في يدهم. في اوائل فصل الشتاء واجهت الولايات المتحدة الشمالية الشرقية بعض الصعوبات في التعامل مع تزايد تكاليف وقود التدفئة المنزلية, لكن الرئيس تحرك بسرعة بفتح الاعتمادات الفيدرالية للمساعدة في خفض التكلفة على بعض المستهلكين غير ان اسعار البنزين ليست قضية اقليمية ففيما لا يواجه المستهلك ارتفاع تكاليف وقود التدفئة الى حين وصول الفواتير الشهرية او ربع السنوية, فإن اسعار البنزين تعد اكثر الاسعار وضوحا في البلاد. وقبل سنة من الآن كان سعر البنزين 98 سنتا للجالون الواحد. اما اليوم فقد وصل الى 1.53 دولار. كما توقع المحللون ان اسعار البنزين قد تصل حتى 1.60 دولار او 1.80 دولار مع نهاية شهر مايو المقبل (وهو بداية موسم العطلات). وفي الواقع فإن من الممكن الى حد كبير القول بأن اسعار البنزين ليست مرتفعة للغاية بل ان متحدثا باسم البيت الابيض قد اكد على ذلك فعلا حينما قال: (بكل المعايير لا تزال اسعار النفط منخفضة) وهذا صحيح مقارنة بمعظم الدول الصناعية الغربية الاخرى والحال كذلك لدى مقارنة اسعار البنزين الحالية وفق القيمة الحقيقية للدولار مع اسعار 1990 وحتى اسعار 1972. لكن الاحساس هو الحقيقة في عالم السياسة, وهكذا فمع مرور كل اسبوع وتغيير محطات البنزين لاسعارها تصدر ردات الفعل عن العامة والسياسيين. في الاسبوع الماضي ارتفع مؤشر اسعار الاستهلاك بنسة 0.5 في المئة, وهي نسبة صغيرة, لكنها الاكبر خلال سنة, ويعود الجانب الاكبر من هذه الزيادة لاسعار الوقود والطاقة. كما ظهرت ردة فعل عن صناعة الشحن البري على هذه الزيادة بتظاهرات في واشنطن واعلنت الخطوط الجوية زيادة بمقدار 40 دولارا على سعر تذاكر الرحلات الداخلية لارتفاع اسعار الوقود. ومما زاد الطين بلة إعراب الآن جرينسبان رئيس الاحتياطي الفيدرالي الامريكي عن تخوفه من ان يشكل الارتفاع المستمر لاسعار الوقود خطرا على الاقتصاد الامريكي, وجرينسبان هو الرئيس القوي للاحتياطي الفيدرالي الذي تعتبر كل كلمة ينطقها دليلا مرشدا للمستثمرين. وحينما احس الجمهوريون بأن لديهم قضية ساخنة لمهاجمة الرئيس, بدأوا الهجوم. وبعض طروحاتهم كانت موجهة للدول العربية وهي الهدف الملائم المعتاد ففي عبارات تفتقر الى اللباقة قال دانا روهرباتشر عضو الكونجرس الجمهوري عن ولاية كاليفورينا: (اننا نطعن اليوم بيد الناس الذي دافعنا عنهم, كيف يمكن لنا الاحتفاظ بقواتنا في تلك الدول فيما هي تشارك بمؤامرة للاساءة الى اقتصادنا؟) . وهذا النهج الخطر وجد صداه ايضا في كلمات السناتور الجمهوري بوب دول ثم ثم عضو الكونجرس الجمهوري دونالد مانزولو الذي قال: (هذه ليست الطريقة التي يشكرون بها الولايات المتحدة) . وانضم الى هؤلاء ايضا الديمقراطيون المتشددون من انصار اسرائيل مثل عضو الكونجرس براد شيرمان والسناتور تشارلز شومر اللذين من الواضح انها لم يريدا تفويت فرصة مناسبة للهجوم على العرب. لكن الهدف الحقيقي للهجوم الجمهوري كان ادارة كلينتون اذ ان معظم التعليقات اشارت للعرب كجزء من الهجوم الاشمل على الادارة لادائها الدبلوماسي المتواضع. وعلى سبيل المثال قال دينيس هاسترت الجمهوري (لقد عشنا ست سنوات من التراخي حتى بالنسبة للدول التي ساعدناها) اما كين كالغيرت الجمهوري عضو الكونجرس فاعطى كلينتون علامة الدرجة الرابعة لادائه الضعيف وهو يقول: (لقد كنا نائمين... كانت الادارة غير قادرة أو غير راغبة باقناع اصدقائنا داخل اوبك) . وبالاضافة الى لوم ادارة كلينتون على عدم تدخلها المباشر على الدول المنتجة للنفط, فإن المرشح الجمهوري للرئاسة جورج بوش حاول المزايدة في هذا الجدال بدعم مسودة قانون تقدم بها الجمهوريون لالغاء 4.3 سنتات من الضريبة الفيدرالية على البنزين وكانت ضريبة 4.3 سنتات هذه قد فرضت عام 1993 بعد تحريرها في الكونجرس بأغلبية 51 الى 50 صوتا وحينها كان نائب الرئيس آل جور هو الذي تقدم بالصوت الواحد والخمسين المرجح في مجلس الشيوخ. وتوفر هذه الضريبة مبلغ 600 مليون دولار سنويا وتوظف لبناء الطرق السريعة واصلاح وتطوير المطارات وكثيرا ما اطلق الجمهوريون الذين عارضوا هذه الضربية اسم (ضربية جور) عليها. لكن بوش تراجع عن دعوته لالغاء الضريبة حينما لم تحظ بدعم بعض قادة الكونجرس من حزبه الذين حذروه من ان طرقات ومطارات البلاد ستواجه مصاعب بدونها. وبالتوازي مع ارتفاع صرح الخطابة السياسية زادت وتيرة طرح مشروعات القوانين للتعامل مع هذه المسألة وحتى هذه اللحظة هناك اكثر من 12 مشروع قانون بعضهما يدعو لفتح احتياطي النفط الاستراتيجي او فتح محمية الحياة البرية الوطنية القطبية في ألاسكا امام التنقيب عن النفط. وغيرها يدعو لإنهاء الحظر على عمليات الحفر في البحار او التركيز على مزيد من استخدام طاقة الرياح والشمس. اما اكثر مشروعات القوانين إثارة للجدل فهو الذي تقدم به بين جليمان الجمهوري رئيس لجنة العلاقات الدولية في الكونجرس والنائب عن نيويورك. وقد دعا مشروع القانون في صيغته الاولية الرئيس الامريكي (لتقليص وتعليق او إلغاء اي مساعدة مالية تقدم من خلال قانون المساعدات لعام 1961 وقانون السيطرة على صادرات السلاح, لكل دولة يرى الرئيس بأنها تشترك في عملية تثبيت اسعار النفط على نحو يضر بالاقتصاد الامريكي) . وكان مشروع القانون قد حصل على موافقة اللجنة الاسبوع الماضي بأغلبية 21 الى 15 صوتا وقبل ان يتمكن الكونجرس من التصويت عليه تم تخفيف صوته الى حد كبير بعد الضغوط التي مارستها الشركات الدفاعية والجوية. وبالتالي تدعو الصياغة النهائية المعدلة منه الرئيس الامريكي ليتقدم بتقرير الى الكونجرس عن تصرفات الدول المنتجة للنفط. ومع انه سيمر من مجلس الشيوخ الا انه من غير المحتمل ان يتحول الى قانون وبالتالي لن يلتزم البيت الابيض به. وبأي حال من الاحوال, فان الحالة الكلية التي وضع القانون لمعالجتها قد تكون على طريق الحل بعد اجتماع اوبك. فإذا ما تم رفع حصص الانتاج فقد تتحرك الاسعار نحو الانخفاض في غضون اشهر قليلة. لكن حتى لو كانت تلك هي الحالة, فإن الضرر الحقيقي قد وقع فعلا فالسجال السياسي الذي يأخذ جانب الحزبية الى حد كبير من جانب الجمهوريين سيستمر في اتهام ادارة كلينتون بالضعف والتباطؤ في التصدي لـ (الازمة) وحتى لو عادت الاسعار الى ما كانت عليه قبل ارتفاعها مع قدوم الخريف, فإن هذا الجدل لن يفيد في كسب الناخبين ومع ذلك سيظل قيد الاستخدام. كذلك فإن الضرر قد لحق بالعرب وبالعلاقات الامريكية العربية فالتعليقات العلنية التي تلفظ بها بعض النواب واعضاء مجلس الشيوخ كانت جديرة بالازدراء ويجب تحميلهم اللوم عنها لكني اريد ان احمل العرب بعض اللوم ايضا لغيابهم عن الجدل السياسي الدائر. فالمشكلة لم تكن محاولة اوبك رفع الاسعار الى مستويات معقولة وعادلة (خصوصا وأن سعر 11 دولارا للبرميل كان يعيقها ويهدد استقرارها), بل كانت عدم محاولتهم اشراك الرأي العام الامريكي في مناقشة الاسباب التي تقف وراء ضرورة هذه الزيادة. وقد حاول الرئيس كلينتون قبل اسبوع الاشارة الى هذه النقطة حينما قال بأن من المهم ان ترتفع اسعار النفط لمعدل معقول بالنسبة للدول المنتجة (لتستطيع ممارسة حياتها وتمويل ميزانياتها) لكن مثل هذه التعليقات كان من المفروض ان يقولها متحدثون من الدول العربية ايضا. وكان من الممكن لحملة معلوماتية مبكرة ومؤثرة ان توقف هذا الهجوم السلبي حتى قبل ان يبدأ وكما كانت الحال, فإن غياب المعلومات من الجانب العربي ترك الباب مفتوحا للخطابة الشرسة والاتهامات الحاقدة من جانب اعداء العلاقات الامريكية العربية. وفي النهاية حاق الضرر بنا جميعا.

تعليقات

تعليقات