التطبيع مع اسرائيل: نهاية حلم الوحدة العربية

بقلم: أحمد عامر شعث* مما لا شك فيه ان الاحداث العنيفة التي مر بها الشرق الاوسط في التسعينيات قد وضعت حدا للدعوة للوحدة العربية. هذا الحلم الذي اطلقته القيادات الثورية في الخمسينيات والستينيات وبخاصة جمال عبدالناصر والقذافي وغيرهم من القيادات الثورية التي تسلمت مقاليد الحكم انذاك والتي روجت للتيار العربي كاستراتيجية سياسية حتمية لمواجهة التواجد الصهيوني والاستعمار الاوروبي بالمنطقة. وقد كان هذا الحلم ضحية للعديد من التيارات السياسية الداخلية والاقليمية والعالمية التي اعتبرت قيام مثل هذه الوحدة تهديدا شديدا لمصالحها واهدافها فالتيارات السياسية الاسلامية في ذلك عارضت هذا الحلم الذي اعتبرته بمثابة وحدة من اجل اهداف علمانية واقتصادية فقط وشككت فيه كمحاولة لافشال حلم التوحد الاسلامي كونه اطروحة بديلة للوحدة الاسلامية الكبرى التي كانت وربما لا تزال بها هذه التيارات. كما ان القوى الغربية تنظر اليها بعين الريبة خوفا من ان تكون مثل هذه الوحدة نواة للتخطيط لاعادة الغزو الفكري او حتى العسكري الاسلامي على اوروبا. واخيرا جاءت النزاعات العربية الداخلية نتيجة احتلال العراق للكويت عام 90 وما افرزته من معسكرات متضادة لتضع نهاية مأساوية لحلم الوحدة العربية ويتجلى هذا في فشل كافة المحاولات الحالية الرامية الى ايجاد صيغة ترضي كافة هذه الدول في الاتفاق على عقد قمة شاملة يتم دعوة جميع اعضاء جامعة الدول العربية لها ولو لمرة واحدة فقط. لقد كانت الحكومات الامريكية والبريطانية المتتالية تستوضح حقيقة وجدوى الوحدة العربية. وقد كانت هذه القوى دائمة التأكيد على ان النداءات من اجل هذه الوحدة لم تكن ناجمة عن وحدة جغرافية (مصر وسوريا) او وحدة حضارية او تاريخية (مصر وليبيا) بل كانت كلها او بأفضل الاحوال معظمها بدافع ايجاد دفاع قوي ورادع ضد اسرائيل وتواجدها وتهديدها لأمن هذه الدول. وبالتالي فإن هذه الدول كانت تؤمن بأن انهاء الصراع العربي ـ الاسرائيلي سيضع بالتأكيد الرغبة في ايجاد وحدة عربية الى النوم العميق ومن ثم ستتكفل التنافسية المرحلية والنزاعات الداخلية وكذلك الاوضاع المعيشية والاقتصادية الصعبة التي تعيشها العديد من الشعوب العربية بوضع نهاية طويلة لهذا الحلم. وها قد تحقق المخطط الدولي في هذا المجال, فالآن نجد انفسنا وقد تناسينا او نتناسى شعارات الوحدة بل ونشكك فيها وفي جدواها بعد ان اصبح لدينا شعور دائم بعدم الثقة ببعضنا البعض والخوف من سيطرة طرف على آخر وغيرها من السلبيات الداخلية التي تعيق تعميق مفهوم الوحدة العربية. فالفلسطينيون مثلا قد ينظرون الى فكرة الكونفدرالية مع أية دولة اخرى في الوقت الحالي كنوع آخر من اساليب مسح الهوية المستقلة التي طالما حاربوا من اجل الحصول عليها وكذلك الحال في بلاد المغرب العربي المختلفة على قضية منطقة الصحراء الغربية وغيرهم من الدول العربية التي لا ترى اي حاجة ملحة للنظر في مثل هذه الامور بل تفضل عليها الانضمام الى مناطق تجارة اوروبية (المغرب) او الانخراط السريع في العولمة. ويمكن اعتبار دخول اسرائيل الى اسواقنا وبيوتنا في المستقبل القريب كاختبار حقيقي لنوايانا الداخلية وما نؤمن به وما يمكننا عمله, فالحلم العربي بالتوحد والقوة وازالة خطوط التقسيم الاستعمارية كانت الدافع الاقوى في دخول الدول العربية المعركة ضد اسرائيل ورفضهم التفريط في ارضها, اضافة الى تبني العديد من الدول العربية هذه القضية وتقديم وجهة النظر الفلسطينية للغرب مما سهل على الفلسطينيين فيما بعد تفسير قضيتهم وبالتالي الحصول على ضمانات ومساندات دولية (خاصة من الولايات المتحدة) في حل قضيتهم بعدما كانت النظرة للقضية هو ابقاء الامر الواقع على ما هو عليه. وقد بقي ذلك الحال الى ان جاءت عملية السلام والاعتراف الدولي بشرعية منظمة التحرير الفلسطينية وبالتالي اولوية وضع الفلسطينيين بتمثيل قضيتهم والسعي من اجل تحقيق مطالبهم. لذا فقد اصبح من الضروري الآن اعادة النظر في انتماءاتنا القومية والايديولوجية وفقا لمصالحنا ومحاولة تنسيقها مع العرب الاخرين لبلورة نظرة جديدة لما سنفعله لنتمكن من الاستمرار في المرحلة المقبلة.

تعليقات

تعليقات