الأمم المتحدة تدفع الثمن ، بقلم: محمد الخولي

جدول أنصبة المشاركة في نفقات الأمم المتحدة وضع في عام 1974 وخلال ربع القرن الأخير جرت تحولات أكثر من جذرية في أوضاع القوى وتوزيع الثروة على مستوى خريطة العالم ككل.. السياسة في التحليل الأخير لعبة. هكذا تعلمنا من دهاة السياسة في العصور الحديثة, مابين الكاردينال الفرنسي ديشيليو الى الداهية النمساوي مترنيخ ومابين السياسي الفرنسي أيضا تاليران الى ساسة انجلترا, وخاصة في عصرها الامبراطوري الامبريالي وعلى رأسهم ونستون تشرشل. والمشكلة أن لعبة السياسة تتحول في بعض الأحيان الى ألاعيب. وتتجسد أبعاد هذه المشكلة في حقيقة جوهرية وبسيطة تقول: ان اللعبة, أي لعبة, لها قواعد ومعايير وقوانين, في حين أن الألاعيب لا تنظمها قواعد ولا تتحكم بها معايير ولا يحكمها أي قانون. واذا كانت لعبة السياسة في بلد كبير مثل الولايات المتحدة الأمريكية تجعل كرة النفوذ والتأثير والمصالح شركة بصورة أو بأخرى بين أكبر منظومتين سياسيتين في أمريكا وهما بداهة الحزب الديمقراطي (الحاكم حاليا) والحزب الجمهوري المتطلع للفوز بأريكة الحكم مع حلول نوفمبر المقبل فان ألاعيب السياسة الأمريكية, وليس غيرها, فرضت وتفرض باستمرار أن يكون هناك مشجب أو كبش فداء (كبش محرقة كما يقول اللبنانيون) يعلق عليه الحزبان أخطاءهما أو يقدمانه ضحية على مذبح التنافس الشرس والتسابق بالغ الضراوة بينهما وهو تنافس على نيل رضا ومن ثم أصوات الناخبين الأمريكيين بالدرجة الأولى. حظوظ الأمم المتحدة ولعله من سوء طالع الأمم المتحدة أن يقع عليها في أحيان كثيرة الاختيار كي تكون هي المشجب أو هي الضحية المبتغاة في غمار معارك التنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين في أمريكا, ولعلنا نذكر أن معركة (كلينتون ـ دول) الرئاسية التي دارت رحاها منذ نحو أربع سنوات كلفت الدكتور بطرس غالي منصبه كأول أمين عام مصري عربي للأمم المتحدة يومها لم يجد المرشح الجمهوري كبش فداء أفضل في نظره من الدبلوماسي المصري المخضرم فكان أن اختاره عمدا كي يصب عليه أوصاف السخرية وكي يصوره زورا بأنه يريد أن يلعب دور جنرال يقود قوة عسكرية تابعة للمنظمة الدولية ويفرض بها أوامره ونواهيه على النظام الدولي وينال بذلك من وضعية أمريكا بوصفها القوة الدولية الأعظم والأوحد في هذا العصر. يومها أيضا بذلت الآلة الدعائية للمرشح الجمهوري (دول) قصارى جهودها في تملق عواطف الناخب الأمريكي العادي الذي صوروا له الأمم المتحدة في صورة حكومة عالمية تريد أن تتحكم في مقاليد بلاده (والمواطن الأمريكي العادي يصدر عن ثقافة وتكوين ونفسية تتشكك في نوايا أي حكومة فيدرالية أو اقليمية أو محلية فما بالك بحكاية الحكومة العالمية) ومع ذلك, ورغم أن شعارات لن يحكمنا الجنرال بطرس غالي, ولن تتحكم في شئوننا منظمة الأمم المتحدة البيروقراطية مترهلة الكروش منتفخة الأوداج كما أطلقوا عليها رغم هذا كله فشل المرشح الجمهوري (دول) أمام القدرات الاتصالية والمواهب العاطفية لمنافسه بيل كلينتون. ولأن المعركة قد احتدمت بالفعل في أيامنا هذه بين المرشحين جور (الديمقراطي) وبوش الابن (الجمهوري) فقد بدأت طبول الحرب تسمع كالعادة في ساحة الأمم المتحدة المهيضة قليلة الحيلة في كثرة من الأحيان. الديمقراطيون والدرس المستفاد ولأن الديمقراطيون وعوا الدرس جيدا, فقد آثروا أن يبدأوا في أيامنا هذه المعركة من جانبهم تحت شعار يقول: الأمم المتحدة يالطمعها وجشعها تكلف المواطن الأمريكي رفيقنا وحبيبنا أموالا طائلة ومن ثم فنحن نطالب بتخفيض مساهمات أمريكا الطائلة حتى لاننسى في ميزانية المنظمة الدولية وذلك من أجل خاطر عيون المواطن الأمريكي دافع الضرائب المحترم وموعدنا معه بطبيعة الحال عند صندوق الاقتراع الرئاسي في شهر نوفمبر الفضيل وعليه ألا ينسى أن مرشحنا الهام اسمه (آل جور) . المهم انه بدأت منذ الأيام القليلة الماضية معركة داخل الأمم المتحدة تصفها الكاتبة الأمريكية بربارا كروسيف بأنها معركة شاقة وطويلة فيما يتنبأ كثير من الدبلوماسيين في المنظمة الدولية بأن ليس من ضمان يكفل لامريكا تحقيق هذا المطلب المنشود (نيويورك تايمز, العدد الأسبوعي 12/3/2000). حكاية متأخرات الميزانية والحاصل أن الكونجرس كان قد أصر على احتجاز مبلغ 926 مليون دولار أمريكي كان متأخرا في ذمة الولايات المتحدة لصالح خزانة المنظمة الدولية وكان المبرر الذي تعللت به أوساط الكونجرس هو حمل الأمم المتحدة على اجراء اصلاحات في هياكلها الادارية وفي حجم وأساليب التوظيف المعتمد لديها. ومن الحق الموضوعي أن نقول أن الاصلاحات المنشودة كانت قد بدأت منذ ولاية الأمين العام السابق بطرس غالي ثم تواصلت في عهد الأمين الحالي كوفي عنان الذي عمد من جانبه الى اصدار أكثر من تقرير واف عن خطى الاصلاح التي تم اتخاذها وتنفيذها على صعيد المنظمة وهو ماشهدت به أوساط دولية شتى, وكانت تلك محاولة ذكية من جانب قيادة الهيئة الدولية لسحب سجادة التعلاّت من تحت أقدام منتقدي المنظمة بل وخصومها المتربصين بها وفي مقدمتهم السناتور الجمهوري جيسي هيلمز رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الذي مالبث أن تحول من مجرد المطالبة بالاصلاحات فأصبح يطالب بخفض المبالغ المتأخرة المستحقة على واشنطن للأمم المتحدة. والمعروف أن قواعد قسمة الأنصبة المقررة لتحمل نفقات الأمم المتحدة تقضي بسداد تلك الاشتراكات وفقا لحسابات الناتج القومي الاجمالي لكل دولة وبناء عليه ظلت الولايات المتحدة تتحمل نسبة 25 في المئة من الميزانية العادية للأمم المتحدة وهو ما يطلب الكونجرس حاليا بخفضه الى نسبة 22 في المئة. وحتى على فرض الموافقة الدولية على النسبة المطلوبة تظل علامة الاستفهام قائمة ومطروحة تتساءل: هل هناك قانون يصدر ليطبق بأثر رجعي؟ وهل تطالب أمريكا بخفض النسبة اليوم أو غدا من أجل تقزيم أو تحجيم المتأخرات التي تراكمت عليها على مدار سنين مضت من عمر الزمان.. ثم هل يقاس مبلغ المليار إلا قليلا المستحق عبر تلك السنوات لميزانية الأمم المتحدة. عدا ما قدمته المنظمة الدولية وما برحت تقدمه من خدمات لاقرار السلام العالمي ومن ثم اتاحة المناخ الأفضل كي تمارس أمريكا دورها القيادي في عالم اليوم وهو دور لو أحسنت ممارسته لعاد عليها بالمليارات الطائلة والمصالح المرسلة نفوذا وتجارة وهيمنة ورخاء.. وأخيرا.. فالمبلغ رغم جسامته لايقاس بالتكاليف الاجمالية التي يتكبدها عدد من مرشحي الرئاسة الأمريكية في واحد لاغير من سباقات الانتخابات التي تتم مرة كل أربع سنوات. المهم أن الكونجرس أراد أن يفرض, كالعادة, أمرا واقعا في هذا المضمار حين عمد بالفعل الى اصدار قانون يقضي بخفض نسبة مساهمة أمريكا في نفقات قوات حفظ السلام الدولية من 4.30 في المئة الى 25 في المئة فقط. الحلفاء يعترضون ولأن هذه القرارات صدرت كما أسلفنا من جانب واحد, ولأنها تمس بداهة المصالح الجماعية الدولية ككل, فقد كان طبيعيا أن تقابل تلك القرارات بقدر ملحوظ من التحفظ والاستياء من جانب أعضاء آخرين في الأمم المتحدة ومن بينهم عدد من أخلص حلفاء أمريكا في أوروبا الغربية وفي كندا على السواء وقد قال قائلهم في معرض التعليق على خطوات الكونجرس: ليس من حق أي دولة أن تفرض شروطا أو مطالبات على المنظمة الدولية بما يتناقض مع الالتزامات التعاهدية التي ينبغي أن تحترمها كل دولة عضو وبمقتضاها تسدد اشتراكاتها المقررة في موعدها, كاملة وغير مشروطة. من ناحية أخرى, فان المراقبين المتابعين لشئون الأمم المتحدة يشيرون موضوعيا الى أهمية, إن لم يكن ضرورة, إعادة النظر في قيمة مساهمات الدول في الميزانية العادية للأمم المتحدة (نحن نستخدم مصطلح الميزانية العادية تمييزا لها عن الموارد الخارجة عن الميزانية التي ترد الى خزانة المنظمة الدولية على شكل هبات أو تبرعات عينية أو نقدية). جدول عمره 25 سنة يقول هؤلاء المراقبون أن جدول أنصبة المشاركة في نفقات المنظمة وضع في عام 1974 وبهذا زاد عمره على ربع القرن فاذا ما أسلمنا بأن الربع الأخير من القرن العشرين شهد تحولات أكثر من جذرية في أوضاع القوى وتوزيع الثروة على مستوى خريطة العالم المعاصر ككل, لسلمنا بالتالي أن الأمر بحاجة الى مراجعة بالتصحيح أو التنقيح. وفي هذا الاطار, تضيف الصحفية (بربارا كروسيت) , أن جدول الأنصبة بات يحوي دولا تدفع أكثر مما ينبغي ومن بينها مثلا ألمانيا وجنوب افريقيا واليابان ودولا تدفع أقل مما ينبغي مثل الصين والبرازيل والهند والكويت. وأيا كان حظ هذه المقولات من الصحة أو التدقيق, فقد خف السفير ريتشارد هولبروك مندوب أمريكا لدى الأمم المتحدة الى زيارة البرتغال بوصفها الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي واتخذ الترتيبات لانجاز زيارتين هامتين مع أيام مارس الحالي الى كل من الصين واليابان وفي جعبته تصور يقول أنه عندما وضعت أسس النظام الحالي عام 1974 كانت البيانات الاقتصادية عن موارد الدول مختلفة بطبيعة الحال, وفضلا عن ذلك فقد تضخمت عضوية الأمم المتحدة منذ ذلك الحين وزاد عدد اعضائها بمقدار 57 دولة جديدة.. وفي هذا الخصوص يضيف السفير هولبروك قائلا: لقد تغيرت ظروف العالم في تلك السنين اذ أصبحت بعض الدول أكثر غنى وأضحت بعض الدول أشد فقرا, وكان الأهم من ذلك هو التغير الجذري الذي طرأ على دور الأمم المتحدة في مجال حفظ السلام. ويمكن القول ـ يضيف السفير الأمريكي ـ أن الاستعراض المطلوب اجراؤه لمساهمات الدول في ميزانية الأمم المتحدة سيترك نحو 120 دولة دون تغيير في أنصبتها وهي بالمناسبة أفقر دول العالم فيما سيلحق التغيير مساهمات دول باتت متوسطة الدخل ودول أصبحت أكثر ثراء. والحاصل ايضا أن لجنة الاشتراكات الدولية وهي مؤلفة من ممثلي عدد من الدول الأعضاء بدأت اجتماعاتها في منتصف مارس الحالي وشرعت في تدارس جدول الأنصبة المقررة لقسمة نفقات الأمم المتحدة ومبالغ مساهمات, بالأدق, مشاركات الدول في ميزانيتها العادية. وسط هذا الجو حرصت الدبلوماسية الأمريكية على التخفيف من غلواء اللهجة التي تحدثت بها أوساط الكونجرس ومن ثم فقد ذكرت تلك الأوساط أن الهدف ليس توجيه تهديدات الى الأمم المتحدة بقدر ما أن الهدف الأمريكي هو اقناع الدول أعضاء المنظمة العالمية وقد بلغ عددها باسم الله ما شاء الله 188 دولة أن ليست في الأمر انذارات ولا يحزنون بل ان واشنطن ترى أن جدول الاشتراكات المذكور أعلاه بحاجة الى بحث مجدد والى استعراض وتمحيص ليس إلا. فتش عن الانتخابات وقد يكون الأمر موضوعيا كذلك.. وربما لايكون.. ولكن المؤكد أن المسألة في منطلقاتها الأساسية ليست مجرد توفير بضعة ملايين من دولارات الخزانة الأمريكية بقدر ما أن المسألة, في جوهرها , تعود الى التنافس الحزبي والدعايات الانتخابية و لا بأس من أن تكون الأمم المتحدة هي كبش المحرقة الذي يتيح لهذا المرشح أو ذاك أن يكسب على حسابه بعض النقاط على نحو ما ألمحنا إليه في صدر هذا الحديث.

تعليقات

تعليقات