أبجديات ، بقلم عائشة إبراهيم سلطان

منذ أن بدأت أسمع وأقرأ عن أولئك النفر من الناس الذين تهبط عليهم الثروة بشكل مفاجئ عن طريق ما يسمى باليانصيب وأنا أتساءل: كيف يعيش هؤلاء البسطاء حياتهم بعد أن يتحولوا إلى أثرياء بين ليلة وضحاها؟ وبعد أن كنا نقرأ تلك الأخبار في صحف غربية أو منقولة عن وكالات أجنبية باعتبارها حوادث تحصل في أوروبا وأمريكا, صرنا نراها تحدث عندنا هنا في سحوبات المهرجانات التجارية أو بعض السحوبات التي تجريها بعض المطارات. لم أكن أتساءل من منطلق الغيرة أو الحسد, ولكنني أجدها تجربة إنسانية شديدة الحساسية والتعقيد يتورط في خوضها فقراء معدمون أحيانا يجدون أنفسهم وبشكل مفاجئ وقد امتلكوا مليون درهم - مثلا - أو سبع سيارات لكزس أو كيلو من الذهب أو سيارة (رولز رويس) أو أكثر من ذلك بكثير في دول كأمريكا وبريطانيا حيث تصل جوائز اليانصيب إلى ملايين الدولارات أو الجنيهات. منذ مدة عندما كنت أحضر مؤتمر المرأة العالمي في بيروت, حدثتني صحفية يمنية عن سيدة فقيرة تعرفها في اليمن تلقت نبأ فوزها في يانصيب كانت قد اشتركت فيه في استراليا وبأن قيمة الجائزة عدة ملايين من الدولارات وان هذه السيدة ظلت في حالة انهيار لمدة ثلاثة أيام. والبارحة قرأت تقريرا حول هذا الموضوع جاء في صحيفة (لوس أنجلوس) يدعو إلى الشفقة على الفقراء الذين يتحولون إلى أغنياء بين ليلة وضحاها. لكن لماذا الشفقة على شخص يتخلص من الفقر ويدخل عالم الثراء الحالم المريح؟ علماء النفس يقولون إن هؤلاء الناس يعانون بعد هبوط الثروة عليهم بغير استعداد من مرض يطلقون عليه (اكتئاب الثروة المفاجئة)! وأنا متأكدة ان من يقرأ هذا الكلام ممن يتمنون حظا شبيها بحظ هؤلاء سوف يضحكون ساخرين متهمين الأطباء بالخرف والعقد النفسية, والفقراء بأنهم ليسوا (وجه نعمة) وسيقول البعض (صحيح ان الحظ أعمى) فهل الحظ أعمى بالفعل؟ الذين درسوا حالات مشابهة لفقراء تحولوا إلى مليونيرات يقولون إن هؤلاء ينتابهم شعور بالكآبة والبعد عن الناس, وعدم الثقة بالأصدقاء والبخل الشديد خوفا على الثروة, أو الانفاق الشديد تعويضا لأيام الحرمان! بمعنى آخر يحدث حالة من عدم القدرة على التكيف مع وضع مادي واجتماعي مغاير شبيه بالانقلاب تماما, خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الإنسانية, حيث افترق أكثر من زوجين بسبب حصول أحدهما على الثروة, وتفككت علاقات صداقة وشراكة عديدة. هل هذا يعني ان مقولة: (الفلوس تغير النفوس) صحيحة؟ أحد الأطباء النفسيين يقول: ما يحدث لهؤلاء ليس بسبب المال بل بسبب التغيير الذي يقلب نمط الحياة رأسا على عقب خاصة فيما يتعلق بالعمل والأصدقاء والعلاقات الزوجية. وفي حين يقرر أغلبهم ترك العمل للتمتع بالثروة, فإنهم يقعون فريسة سهلة للاكتئاب, ذلك ان في مجتمعات (كأوروبا وأمريكا) تعطي أهمية كبيرة وقيمة قصوى للعمل فإنه ليس من السهل أن تستيقظ فجأة لتجد نفسك وقد قررت بأنك في غير حاجة للعمل, حيث يشكل هذا القرار بداية المرض والاكتئاب. أغلب الذين حصلوا على الثروة قالوا إنهم حصلوا على كل ما كانوا يتمنونه, لكنهم افتقدوا الشعور بالرضا والسعادة. وهذا أمر قد يبدو غريبا, لكنها حقيقة يعرفها الأثرياء جيدا, وللأسف لا يصدقها الفقراء أبدا, ولكن حكمة يونانية قديمة تقول: (ليست الثروات هي التي توفر السعادة انه استعمال هذه الثروات) .

تعليقات

تعليقات