قضية اللاجئين بين المواجهة والوجاهة بقلم: عبدالله الحوراني

منذ شقت اتفاقات التسوية طريقها الى المنطقة, ومع كل يوم مر, اقترن فيه التعنت الاسرائيلي بالضعف العربي, كان الشعب العربي الفلسطيني, واللاجئون خصوصا, يدركون اقتراب الخطر من قضية اللاجئين, وتزداد مخاوفهم عليها, فقد تأكد لهم ان الموقف الاسرائيلي من حقهم في العودة الى ارضهم وممتلكاتهم يأخذ شكل الرفض القاطع, بينما تتراوح المواقف العربية والفلسطينية بين احاديث غامضة وغير محددة عن حق العودة, وتصريحات تخلط بين الحق التاريخي والوطني في العودة, وبين استيعابهم في مناطق السلطة الوطنية, وبعض هذه التصريحات ذهب اصحابها الى التبرع, مسبقا, وقبل ان تبدأ المفاوضات حول الموضوع, بتطمين الحكومة الاسرائيلية بعدم وجود نية للمطالبة بعودة اللاجئين الى اراضيهم وممتلكاتهم التي هجروا منها عام 1948 في حين كانت المواقف المعلنة والسرية التي تجزم بالتمسك بحق العودة نادرة, بحيث لا تكاد تسمع او ترى, بل ان احد المسئولين الامريكيين المعنيين بقضايا التسوية والمفاوضات تجرأ على الاعلان بأن احدا لم يطرح هذا المطلب بوضوح في اي مرحلة من مراحل المفاوضات, وقد ترافقت هذه المواقف والتصريحات, بتحركات مشبوهة, تقودها وتنظمها دول اجنبية, ومؤسسات ومنظمات تسمى نظريا غير حكومية, تهدف الى تقديم دراسات ومقترحات تستبعد حق العودة, وتركز على الجوانب الانسانية المتعلقة بالاسكان والتوطين والتشغيل. هذه المواقف والتصرفات جلبت انتباه اللاجئين بشكل خاص, الى جدية المخاطر المحدقة بقضيتهم, وحجم المساومات التي تجري عليها, فانطلقت في المخيمات, وفي الاوساط الفلسطينية عامة, حملات واسعة تهدف الى التنبيه الى هذه المخاطر, والتأكيد على حق العودة, والتعبئة الشعبية للدفاع عن هذا الحق, وتشكلت اللجان لهذا الغرض في العديد من الامكنة, داخل الوطن وخارجه, وبات موضوع اللاجئين قضية يومية مطروحة في كل بيت. ربما لم يأخذ هذا العمل الشعبي مداه, وربما لم تكتمل صورته, او لم يأت على احسن وجه, ولكنه بالتأكيد كان عملا ملفتا للنظر, وفاعلا ومؤثرا لدى مختلف الاوساط, سواء الاوساط المعادية التي تتآمر على القضية وتسعى لتصفيتها ـ وقد اشارت الى خطورته اكثر من جهة رسمية او صحيفة اسرائيلية ـ او الاوساط العربية والفلسطينية الرسمية التي تتعاطى مع قضية اللاجئين, ولا نبالغ اذا قلنا ان هذه الحركة الشعبية نبهت كل هذه الاطراف الى الخطأ الذي يقع فيه بعضهم او كلهم اذ تصور ان قضية اللاجئين يمكن تسويتها او تصفيتها بالقفز عن حقهم في العودة او التنازل عنه, وقد يكون من النتائج الاولية التي حققتها ان رفعت من سقف الخطاب السياسي الفلسطيني في هذا المجال, ورفعت من سقف مطالبة التفاوضية المعلنة, وحذرت اصحاب التصريحات المتهاونة حتى خفتت اصواتهم ويمكن لهذه الحركة اذا ما اتيح لها ان تأخذ مداها, ان تغدو جبهة عريضة ومنيعة تضم الشعب الفلسطيني كله, ويحتمي بها المفاوض الفلسطيني ويستند اليها اذا قرر الصمود في وجه الغطرسة الاسرائيلية والامريكية. في هذه الاجواء التي عمقت الوعي بقضية اللاجئين, وربما بنتيجتها, طالعتنا بعض الصحف الفلسطينية والعربية قبل ايام بإعلان وثيقة تحمل عنوان (تأكيد حق الشعب الفلسطيني بالعودة والتعويض) والدعوة الى توقيع هذه الوثيقة وتشكيل لجنة من بعض الشخصيات الوطنية الفلسطينية, سميت اللجنة الراعية لهذا الاعلان. ومن منطلق الحرص على قضية اللاجئين التي تشكل مع الأرض جوهر القضية الفلسطينية, وعنوانها الرئيسي, وكمواطن عربي فلسطيني, عُرف عنه في أوساط شعبه بأنه معني ـ ولو قليلا ـ بقضية اللاجئين, أشير إلى ان الوثيقة أو الاعلان تعبر ـ بصدق ـ وبشمولية عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين وتطلعاتهم وفهم عميق لها, لكني أتوقف عند اللجنة التي سميت راعية لهذه الوثيقة, فمع كل التقدير والاحترام للشخصيات الوطنية التي تشكلت منها اللجنة, وهي أسماء لها مكانتها ودورها في الحياة الفلسطينية, إلا انني لم أصل إلى القصد من صفة الرعاية التي أطلقت عليها, من أطلقها, ولا مصدر التفويض بهذه الرعاية, وفي حدود معرفتي المتواضعة, ومتابعتي شبه اليومية لهذه القضية, وانشغالي بها, لاحظت غيابا كليا لممثلي الحركة الشعبية في المخيمات ولجانها عن هذه اللجنة الراعية, في الوقت الذي ضمت العديد من الشخصيات التي لم يلحظ لها نشاط فعال في هذا المجال, حيث ان نشاطها مكرس في جوانب وطنية أخرى من القضية الفلسطينية, سياسية وثقافية, وهذا يعني انها ليست على تماس مباشر, أو في تواصل يومي مع الحياة الاجتماعية, والأنشطة الثقافية والسياسية التي تدور في أوساط المخيمات واللاجئين عموما, مما يضعف من قدرتها على اعطاء الوثيقة زخمها الشعبي الذي تستحقه وتحتاجه. كما ان ضعف صلتها بحركة المخيمات والناشطين فيها يفقدها الآلية المطلوبة لتبني الوثيقة, والتفاعل الشعبي معها والاستقطاب الجماهيري حولها, وجمع ملايين التوقيعات عليها كما يراد لها, ويؤثر بالتالي في الهدف الذي صيغت من أجله, وهو التأثير في البعدين المحلي والدولي. فقضية اللاجئين لا يمكن التعاطي معها بالمراسلة, ولا عبر الاعلان, أو توجيه النداءات فقط, وهي أخطر كثيرا من ان يتم التعامل معها بجهد ثانوي أو في الوقت الاضافي, انها قضية مواجهة, وغوص في أعماق الحياة اليومية للاجئين, ومعايشة متواصلة لمعاناتهم وهمومهم الحياتية والسياسية, ومن هذا الواقع تُستنبط الأفكار وتصاغ المواقف وتتصلب. وحين أعطي الأولوية للحركة الجماهيرية, وأركز علىها فلأن قضية اللاجئين تحيا أو تموت في المخيمات أولا, بل ان القضية الفلسطينية كلها تحيا أو تموت في هذه المخيمات, وتاريخ القضية, منذ التظاهرات الشعبية التي أسقطت مشاريع التوطين في أواسط الخمسينيات, إلى انطلاقة الثورة الفلسطينية في الخارج أواسط الستينيات, إلى انتفاضة الداخل في النصف الثاني من الثمانينيات, يشهد ان جماهير اللاجئين كانت في مقدمة صفوف شعبها العربي الفلسطيني تضحية وعطاء, وشعلة حالت دون تحول القضية الفلسطينية إلى رماد. وطالما ان مصير القضية يقرره الجهد المبذول على أرضها, وبين جماهيرها بالدرجة الأولى, وهو الذي يعطي أي توجه نحو الساحة الدولية بعده وقيمته, فإن أي زرع يراد له ان يثمر يجب ان يغرس في التربية المناسبة له, وتختار له البذور الأكثر حيوية وقدرة على النماء, وتتولى رعايته سقاية, وجهدا, أياد لا تعرف الكلل, وأشخاص يمارسون عملهم تحديا ومواجهة يومية.

تعليقات

تعليقات