أبجديات بقلم عائشة ابراهيم سلطان

في كل مكان في العالم, هناك ما نسميه بالحارة او الحي او الجيرة او الفريج, وكلها اسماء لشيء واحد, منظومة صغيرة او وحدة بسيطة تشكل جزءا من المجتمع الكبير تظهر فيه كل تفاصيل المجتمع, البشر واللغة والعادات والممارسات والطقوس الدينية واليومية والسلوكيات الانسانية الثابتة والمتغيرة, اضافة لكل الهوامش والاضافات المتعلقة بأماكن السكن والعبادة والعلم واللهو والتكسب, كالأسواق والحوانيت والمقاهي والمساجد و.. الخ. اليوم كل المدن تبني نفسها على طريقة الاسمنت والخرسانات المسلحة, والزجاج العاكس و (الانترلوك) الذي يزرع المدن والشوارع بشكل لافت, ويهدد ظاهرة الحي وتوجهات الحفاظ على العمارة العربية في الكثير من المدن العربية حديثة البناء, واعتقد بأننا احدى هذه المدن التي اختفت فيها رائحة الحي او الحارة او الفريج بتفاصيله المعروفة في الذاكرة. الحي القديم او الفريج تطوف تفاصيله بذاكرة اولئك الذين عايشوا (الفرجان) القديمة, والذين يتذكرون تماما البيوت الصغيرة المساحة والمتراصة, الطرقات القصيرة, والسكيك الضيقة, الدكان القديم, والمسجد الصغير, والساحة التي يلعب فيها الاولاد والبنات, وساحل البحر, والالعاب الشعبية, والضجيج والطرقات التي لاينقطع وقع الخطوات فيها, هذه التفاصيل لم يعد لها وجود, وهذه سنة الحياة وسنة التغيير وربما سنة العولمة واقتصاديات السوق. وللاحياء القديمة في الذاكرة رائحة خاصة, تذكرك بها او تعيدك اليها عطور معتقة مازالت جدتك تستخدمها الى اليوم, هذه الرائحة بمجرد ان يعبق بها المكان تسمرك في اللحظة, وتنقلك إلى عمر آخر مضى, لكنه بقي في داخلك برغم رحيله, بقي بضجيجه ووجوه أشخاصه, وقهقهات صغاره, ولون السماء والبحر وبوابات المنازل الصغيرة الحميمة, ولعب الصبية الصغار بطائراتهم الورقية على (سيف) البحر, وطيور النورس التي تملأ الفضاء, وبقايا العلب الفارغة وزجاجات غريبة كانت تقذفها سفن ترسو على مد البصر في الأفق البعيد. في عالمنا العربي تبقى الحارة أو الحي القديم, معلم المدينة الأكثر تلامسا مع حقيقة المجتمع, ومع وجدانه العام, حيث يختصر الحي تاريخا من السنين والعمر والعلاقات والتغيرات التي اجتاحت تفاصيل المدينة, وانهت هويتها وروحها وذائقة السكان فيها, وبرغم شراسة التغيير, وسقوطنا أمام سطوة التحولات الاقتصادية وتفكيرنا القاصر في تقليد النمط القادم من الخارج, إلا اننا نلحظ بقاء الحي أو تفاصيل الحارة في العديد من مدننا العربية, حيث لا يزال (الحسين) ـ مثلا ـ كأحد أشهر وأعتق أحياء مصر باقيا نابضا صارخا بالحياة وداعيا العالم للاستمتاع بمخزونه العميق المليء بالأسرار والحكمة والتجليات, ومثل (الحسين) و(السيدة) هناك أحياء أخرى في فلسطين وبيروت وتونس وسوريا والعراق و... والحق أقول فانني عبثا أبحث عن طفولتي وبيتنا القديم في فريج (عيال ناصر) وعن الأزقة التي خبأنا نحن وكل الأطفال الذين كانوا معنا عمرا من اللهو والصراخ والحماقات فيها, عبثا ابحث عن الفريج القديم, فلا أجد شيئا, سوى العمارات, ومطاعم الهنود وتجمعات الباكستانيين وكل الغرباء, وروائح المطاعم البنغالية والهندية. لقد صودر الماضي لحساب معادلة التركيبة السكانية, وقد ضاعت التركيبة ومعها ضاع كل شيء يمت للماضي الجميل رغم كل محاولات الترميم واعادة الصياغة.

تعليقات

تعليقات