خط مباشر أولويات في العيد بقلم احمد عمرابي

انقضت أيام العيد الأربعة كلها وهو مازال طريح الفراش بالمستشفى يكابد وحشات ثلاثا: وحشة الاغتراب.. ووحشة البقاء بالمستشفى ايام العيد.. وفوق هذه وتلك: وحشة المرض والاعتلال. قبل حلول عيد الاضحى بثلاثة ايام في ذلك الشتاء الثلجي عن أواخر عقد الستينيات الماضي شعر ببوادر الحمى وهو بين زملائه في المدرج أثناء المحاضرة. كان قد مضى عليه ما يقارب العامين في مدينة (سوانزي) مقر كلية ويلز الجامعية ينهمك في التحضير لرسالة ماجستير في العلاقات الدولية. ومع نهاية المحاضرة كان كل سنتمتر مكعب من جسمه يشتعل ناراً من شدة الحمى.. فسقط مغشياً عليه. عندما عاوده شيء من الوعي اكتشف انه يرقد في (مستشفى المناطق الحارة) . حتى هذه المدينة الصغيرة في جنوب غرب بريطانيا حرص البريطانيون ان يقيموا فيها مستشفى خاصاً للامراض التي تصيب من ينتشرون منهم في المستعمرات السابقة في افريقيا وآسيا. وحسنا فعلوا.. فلولا ذلك لما كان هناك اخصائيون استطاعوا بسرعة تشخيص حالته: ملاريا مستوطنة داخل جسمه تعاوده كلما أصابه إرهاق غير عادي. الحمى هبطت نسبيا.. لكن وعيه لايزال يغيب ويحضر. ومع ذلك لم يزايله هاجس العيد. فقد كان قد أعد العدة للسفر الى السودان لقضاء العيد مع الأهل في أم درمان بعد طول الغيبة. وبلا مقدمات داهمته الملاريا لتنسف خططه. وجاءت ليلة العيد. طافت بذهنه رغم الوعي المتقطع والغيبوبة. وبعد معركة بين الهواجس المتضاربة داخل دماغه راح في سنة من النوم كأنها خمود نهائي. وفي رؤيا فظيعة الوضوح رأى أن أمه ماتت. رآها أولا وعلى وجهها مزيج من الحزن وعدم الرضا.. كأنها تعاتبه على عدم حضوره.. وعندما يمد اليها يده ليطيب خاطرها تتباعد عنه كطيف نافر وكأنها تستنكره.. ثم تسقط وقد فارقتها الروح. فجأة يستيقظ بعيد الفجر ليكتشف انه يبكي وينتحب بصوت مرتفع. كان يبكي أثناء انتقالات الرؤيا, فقد كانت من التجسيم وكأنها حدث حقيقي.. فكان بكاؤه في اليقظة استطراداً لبكائه في الحلم. ومع انبلاج صباح العيد كانت نار الحمى قد انحسرت, لكن تباشير العافية سرعان ما انحسرت ايضا مفسحة المجال للوحشة. كان يريد التحدث الى أحد.. أي أحد سوى الطبيب أو الممرضة. لمدى ساعات طوال متصلة ظلت معنوياته في الحضيض.. ساعات طوال لم يقطع استمراريتها إلا دخول الممرضة وفي يدها الحقنة المعهودة.. ودخول الطبيب لفحص حالته. ولكن عند الاصيل حصلت نقلة نوعية: ـ السلام عليكم: وبمجرد أن صافحت هذه التحية باللهجة السودانية أذنية وجد نفسه ينهض من رقدته وكأن الحياة ردت اليه. من فرط اشتغالهم بالعيد والذبيح والشواء نسى اخوته السودانيون.. زملاؤه الثلاثة بالجامعة أن يزوروه.. عدا واحدا. ولمدى ساعة ونصف الساعة كان يتبادل الحديث مع زائره.. فقد انطلق لسانه وارتفعت المعنويات حتى نسي انه نزيل مستشفى. وبحلول اليوم التالي كان قد انتقل من حال الى حال .. وزايلته الوحشة حتى خرج من المستشفى بعد يومين. منذ ذلك الحين.. ولمدى أكثر من ثلاثين عاما حتى اليوم ظل ملتزما ببروتوكوله الخاص في الأعياد: الأولوية لزيارة المرض في المستشفى.

تعليقات

تعليقات