الموساد فوق الشجرة

بقلم عادل حمودة لا تفضل (بومي) .. أو (بولا محمد شفيق) وشهرتها (نادية لطفي) الجلوس على الكراسي الهزازة بعيدة عن مجرى الحياة وتفاعلاتها.. إنها تفضل الوسائد المصنوعة من الأعاصير.. والمحشوة بدبابيس المواجهة.. والمنقوشة بزخارف الأسلاك الشائكة. ولا أتصور أنها تتخيل أن تلبس السترات الواقية من الرصاص.. ولا أتصور أنها تعترف ببوالص التأمين.. ولا بطمأنينة الدراويش.. لذلك.. لم أخف عليها من محاولات التشهير الإسرائيلية التي لا تتوقف ضدها.. وآخرها ما قيل هناك في برنامج تلفزيوني عبري. . إنها كانت تعمل في خدمة الموساد. هكذا .. بهذه البساطة.. وبجرأة تتجاوز الوقاحة.. وكأن الذهاب إلى الموساد كالذهاب إلى مدينة الملاهي.. أو حديقة الحيوان.. لا يحتاج سوى تاكسي وتذكرة دخول وزجاجة مياه غازية وكيس من الفول السوداني للتسلية مع النسانيس.. إنها تهمة تؤدي إلى حجرة الإنعاش.. أو إلى نيابة أمن الدولة العليا وحبل المشنقة.. أو في أضعف الأحوال هي تهمة تؤدي إلى الإزدراء العام في وطن لايزال يصر على أن التطبيع مع العدو رجس من عمل الشيطان.. وربما كان خطيئة من الكبائر الوطنية. وقد قامت القيامة ولم تقعد.. وانفجر (الغضب) ولم يهدأ.. وسخنت الدماء في العروق ولم تبرد.. خاصة وأن التهمة شملت عددا آخر من نجمات تربعن على عرش السينما المصرية في الستينيات والسبعينيات.. في وقت كان الصراع ساخنا ملتهبا بيننا وبين إسرائيل.. مثل مريم فخر الدين وبرلنتي عبد الحميد .. وهند رستم. لقد ساعدت ملامح نادية لطفي الشقراء أن تلعب دور عميلة للموساد في فيلم (الجاسوسة) وفي فيلم (جريمة في الحي الهادئ) , ولكن .. التهمة ليست أنها مثلت دورا على الشاشة.. وإنما لعبت دورا في الحقيقية.. على أن لا أحد قال لنا كيف جرى تجنيدها.. وما هي المهام التي نفذتها؟. وما هو المقابل الذي تقاضته.. ولماذا سكتوا عليها كل هذه السنوات.. ولماذا قرروا فجأة أن يحرقوها .. وهل كانت بمفردها أو أنها كانت جزءا من شبكة.. وهل ضمت هذه الشبكة زميلاتها المتهمات بنفس التهمة.. ثم والأهم أين كانت المخابرات المصرية؟ ولماذا سكتت وتركتها تفعل ما تشاء.؟! إن مثل هذه الإتهامات لا تطلق بهذه السذاجة.. ويسهل على شعاع رفيع من الحقيقة أن يأتي ويقتلع ويحرق ويجرف أنقاض هذه التهمة.. يسهل على شعاع رفيع من الحقيقة أن يأتي ليقضي على الثعابين والدجالين ومرتزقة الشهرة.. ويلغي كل أنماط الأكاذيب التي تحولت مع الزمن إلى صناديق خشبية لا تحتوي على شيء .. ولا تقول شيئا. وقد خرج شعاع الضوء الرفيع الذي كشف الحقيقة من كلمات قليلة قالها رجل مخابرات مصري سابق هو وفيق دراز في اللقاء الذي دعت إليه اللجنة المصرية للتضامن لمواجهة الحملة الإسرائيلية ضد نجمتنا .. وصف الرجل هذه الحملة بأنها (تخاريف) معزولة عن العقل والواقع والمنطق.. وتتسم بالسذاجة .. وقال: (إن المخابرات المصرية لم تكن في يوم من الأيام نائمة على أذنها". والحقيقة أن السذاجة الأكبر هي أننا نأخذ كل ما يكتب وينشر ويذاع ويقال في إسرائيل ونسارع بنقله إلينا.. ثم نناقشه.. ونرفضه .. ونعدمه.. وهو ما تريده إسرائيل بالضبط.. فالعيار الذي لا يصيب يسبب الصداع.. وناقل الكفر في بعض الأحيان أشد خطرا من الكافر.. لا يكفي أن تنشر صحيفة عبرية مجهولة خبرا عن شخصية مصرية حتى ننتفض وننفعل.. ولا يكفي أن تدس تهمة لشخصية مصرية موثوق بها في برنامج تلفزيوني يبحث عن الإثارة حتى نهب ونرفض.. يجب وضع مثل هذه الأمور في حجمها الحقيقي منذ اللحظة الأولى .. وإلا حولت إسرائيل المثقفين والسياسيين والفنانين المصريين إلى (ديسكوتيك) صاخب.. وهو ما تريده بالضبط.. ان نكون مجرد رد فعل.. أن نتحاور مع أشياء كاذبة.. خادعة .. تلقيها إسرائيل في طريقنا كما تشاء.. في الوقت الذي تشاء. والحقيقة أيضا أن نادية لطفي تستحق كل هذه الحرب الإسرائيلية.. الخفية.. تستحق كل هذا الصراخ من المتوحشين.. الذين لا تفرق سكاكينهم بين لحم الفنان ولحم الدجاجة.. ولا بين مشهد على الشاشة وملحق فاقد النطق في معاهدة من معاهدات التطبيع .. فهي منذ أن نبت لها جناحان وحلقت بهما في سماء السينما وهي تؤمن أن الفنان ليس مجرد دمية ملونة مثل العروس ( باربي) يصنع الوهم في عقول الناس ويحقق الملايين في جيوب المنتجين.. منذ أن بدأت نادية لطفي مشوارها السينمائي في عام 1959 بفيلم (سلطانة) وحتى فيلمها الأخير (الأب الشرعي) في عام 1988 وهي تتصرف على أن الفنان هو تجسيد لوطنه.. يسافر في أيام وأحداث وضمير وأفراح وبكاء هذا الوطن. بغير الفن لا يوجد طموح.. لا يوجد انفلات من محدودية الغرائز والحواس.. لا يوجد ارتفاع عن قشرة الكرة الأرضية.. وشوارع الأسفلت التي تمشي عليها.. أو تمشي علينا.. ان نادية لطفي استوعبت ذلك وهي في بلاتوهات السينما تصور أشهر أفلامها .. (المومياء) .. (النظارة السوداء) .. (الناصر صلاح الدين) .. (الخطايا) .. (أبي فوق الشجرة) .. واستوعبته كذلك وهي في بلاتوهات الواقع .. فكانت مواقفها السياسية والوطنية والقومية هي الوجه الآخر لمواقفها الفنية. لقد سافرت إلى بيروت تحت القصف الجوي والاجتياح الأرضي في صيف 1982 وعاشت في الملاجئ والخيام تقتسم الخبز والماء والطمأنينة.. وتصرح وهي تحت الخطر وبين أنياب الموت: انها ترفض أن يولول العرب وهم بين أسنان الهمجية الإسرائيلية التي تمضغهم وتمصمصهم وتنكش بعد ذلك أسنانها. إنها لا تعفي العرب من مسئولية ما يجري لهم.. فالمضروب شريك بالضعف في مسئولية الضارب .. والمسروق شريك بالإهمال في مسئولية السارق والمقهور شريك بالسكوت في مسؤولية القاهر.. والمركوب شريك بالاستسلام في مسؤولية الراكب.. والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وقد أعجبني أنها قالت مؤخرا ببحة صوتها المميز: (أن حرق القماش) لم يعد كافيا في المواقف السياسية .. والمقصود بالقماش هنا (العلم الإسرائيلي) .. الذي اصبح حرقه مهدئا سياسيا مثل أقراص ( الفاليوم) .. يشعرنا بوهم أننا قد أدينا ما علينا.. صحيح أن حرق العلم الإسرائيلي هو حرق لرمز.. ولكن صحيح أيضا أن التمسك أكثر من اللازم بالرمز قد ينسينا الأصل.. خاصة وان إسرائيل تواصل تنفيذ ما تريد.. من تدمير بيروت إلى تهويد القدس.. ومن التوسع في ضم الأراضي إلى التوسع في طرد أصحابها. ولو سمعت نادية لطفي وهي تتكلم في السياسة فإنك لن تتردد في تصديقها.. إنها قبل أن تقول ما عندها تعتذر لأنها غير متخصصة في السياسية.. (ما أقوله هو وجهة نظري الخاصة ولا أفرضها على أحد .. القضية بالنسبة لي محسومة .. ليس فيها فصال.. وهي أن نكون أو لا نكون.. واحد شالك من بيتك .. هل تقبل ذلك أم ترفضه ( .. وتستطرد: ( هناك فأر يأكل خريطة المنطقة) .. ونحن نتركه يفعل ما يشاء .. وقد توحش الفأر .. لأننا نكتفي بالشجب والتنديد .. يجب أن يكون التحرك أكثر إيجابية .. كيف؟ .. أنا لا أملك سلطة التنفيذ .. لكن هذا هو تصوري". وربما كانت نادية لطفي من الفنانين القلائل الذين لا تختلف تصرفاتهم عن أفكارهم وآرائهم.. إنها لا تتاجر بمواقفها السياسية والوطنية.. ولا تتصرف في الفن على غير ما تؤمن به.. لقد كانت نجمة النجوم, والمخرج شادي عبد السلام يبحث عن حل يخرجه من مأزق التسويق التجاري لفيلمه (المومياء) .. إن سيناريو الفيلم لا يحتمل وجود أبطال شباك يجذبون الجمهور إليه.. وفي الوقت نفسه يرفض المنتجون والموزعون تمويله لغياب هؤلاء النجوم .. فكان أن قبلت نادية لطفي أن تقوم بدور لا يزيد على خمس دقائق في الفيلم ظهرت خلالها وهي تتشح بالسواد وتخفي ملامحها التي شدت الجمهور إليها .. بل أنها لم تقبل أجرا مقدما لدورها.. واعتذرت عن أدوار بطولة بأجرها المرتفع.. لقد آمنت أن الفنان لا يجوز أن يبيع كل ما لديه مقابل المال فقط .. ان مواقفها لم تكن مواقف مجانية .. بل دفعت فيها ثمنا.. مرة تنازلت عن أجرها وشهرتها.. ومرة وجدت نفسها في وجه مدفعية التشهير الإسرائيلية التي تطلقها الموساد. لقد قدمت نادية لطفي 68 فيلما على مدى 30 سنة من النجومية .. لكن الفيلم الذي تندمج فيه الآن وتتوج به مشوارها الفني الجميل .. هو فيلم كتب السيناريو له العدو الإسرائيلي.. بغطرسته ووحشيته وعنصريته ونازيته.. لقد راحت نادية لطفي تسجل في القرى والنجوع والحواري والأزقة شهادات الأسرى المصريين في حربي 1956 و1967 .. إنها شهادات حية (تزيد على 40 ساعة تسجيل بكاميرات الفيديو) عن الجرائم التي ارتكبتها العسكرية الإسرائيلية في حق أسرانا.. بعد التصريحات التي خرجت من هناك بأنهم كانوا يدفنون هؤلاء الأسرى أحياء. ان هذه الشهادات هي عريضة الدعوى أمام المحكمة الدولية للشعوب التي تحاكم مجرمي الحرب في كل مكان.. وفي كل زمان.. لقد حاكمت هذه المحكمة التي عقدت في أسبانيا مجرمي الحرب في البوسنة والهرسك .. وكان المفروض أن تحاكم مجرمي الحرب في إسرائيل.. وهو ما جعل نادية لطفي تجوب الدلتا في الصيف والحر والعرق لأسابيع طويلة لتقدم للمحكمة الأدلة بالصوت والصورة .. ولكن .. بدلا من محاكمة جنرالات إسرائيل على ما ارتكبوه من مجازر.. انقلبت الآية وراحت إسرائيل تشهر بنادية لطفي وغيرها.. أصبح المظلوم متهما .. والمناضل عميلا.. والمجرم قاضيا .. والباطل حقا .. والحق وهما.. واصبحت دماء الأسرى أوسمة على صدر النازيين الجدد. ولقد أسعدني أن تدعو اللجنة المصرية للتضامن لاجتماع عام مفتوح لمناصرة النجمة الصعيدية التي جاءت اسرتها من محافظة سوهاج, نادية لطفي التي هي عضو من اعضاء اللجنة .. وأسعدني أكثر أن رموز مصر الثقافية والسياسية والصحفية والفنية كانت هناك.. وأسعدني أكثر وأكثر أن كل هذه الرموز تدرك بوضوح وبلا ضباب أو غيوم أن حلم إسرائيل المزمن هو التطبيع مع المثقفين والفنانين.. وأنهم لن يحققوا لها هذا الحلم أبدا. وكان رأيي الذي قلته علنا: أن التطبيع اصبح مهمة الموساد بدلا من الخارجية الإسرائيلية.. وأن الموساد يمنح ضباطه علاوة دولارا إذا ما أغتالوا بدنيا أو معنويا شخصية معادية لإسرائيل.. ومن ثم فإن ما حدث لنادية لطفي ولغيرها هو أول اغتيال في وضح النهار .. والاغتيال المعنوي للفنان والمثقف ربما يكون أشد قسوة من اغتياله البدني.. فالاغتيال المعنوي يفقد المصداقية ويهز الثقة ويحطم الإيمان ويجرح الشهادة. وكان رأيي الذي قلته علنا: إن علينا أن نتعامل بحذر مع كل ما يأتي إلينا من إسرائيل.. فهو في غالبيته نوعا من الحرب النفسية والدعاية السوداء التي تستخدمها للوقيعة بين المثقفين بعضهم البعض.. تستخدمها لإشعال الحروب الأهلية بينهم.. وأتصور أنه بدلا من أن نهاجم بعضنا البعض .. ونتبادل الكلام عن الخيانة والوطنية علينا أن نقترب ونتفاهم ونتحاور.. حتى الذي يخطئ .. لماذا لا نعيده إلى الصف؟ بدلا من إطلاق الرصاص عليه. إن الوطنية ليست مجرد صراخ همجي نأكل فيه جثث (أهالينا) .. ليست ستارا من الدخان نداري به عيوبنا وعوراتنا.. فالذي يحارب إسرائيل عليه أن لا يقبل الفساد.. والذي يرفض التطبيع مع العدو عليه في الوقت نفسه أن يرفض الظلم ولا يناصر الخطأ.. إن الكاسيتات السياسية والصحفية لم تعد تطرب أحدا .. وعلى مطربي (السرفيس) الذين لمعوا في غياب الفن الجميل أن يدخلوا أقرب مدرسة لمحو الأمية الفنية والوطنية. لقد كانت فرصة لأن نقول لنادية لطفي ولجيلها من النجوم شكرا.. ولأن نقول أن الكلمة واللوحة والصورة والقصيدة ستظل - رغم مسامير إسرائيل وخوازيق الموساد والأسلاك المكهربة في سجون فلسطين والكلاب البوليسية في جنوب لبنان مثل طائر قوي يكسر بمنقاره الحاد الفولاذي كل العيون البارزة القاتلة الوقحة.. ستظل العقلة التي تقف في حلق كل من يحلم بالتطبيع مع عدو لا يعترف إلا بأفران الغاز.. أفران الغاز التي كانت نازية فأصبحت صناعة محلية إسرائيلية.

تعليقات

تعليقات