الوظيفة العامة في حياة الفرد والمجتمع 1ـ2

بقلم: د. عبدالله محمد محمود لم تكن الوظيفة العامة حديثة النشأة في تاريخ المجتمع البشري بل ترجع جذورها الى اعماق هذا التاريخ, كما ان مفهومها لم يكن ثابتا او جامدا خلال المراحل المختلفة التي مرت بها المجتمعات البشرية بل تطور هذا المفهوم حيث يؤدي الشخص المعنوي العام رسالته في الحياة القانونية عن طريق الشخص الآدمي الذي يعبر عن ارادته ويمثلها ويتصرف باسمها, وهذا الشخص الآدمي هو الموظف العام . ولذلك اهتم الفقه والقضاء بالموظف العام لان مستوى رقي الموظف العام في اي دولة هو المقياس الحقيقي لمستوى السلطة الادارية, حيث يتوقف نجاح هذه السلطة على مدى ما يتمتع به الموظف العام من كفاءة وامانة وحيدة في اداء الاعمال الادارية المنوطة به للقيام بها. ومن هنا من المفيد للقارىء ان يعرف ما هي واجبات وحقوق الموظف العام وطرق انهاء خدمته, فقطاع الموظفين خاصة بحاجة لمعرفتهم دورهم ومالهم وما عليهم, والمجتمع بشكل عام مضطر للتعامل شبه اليومي الوظيفة العامة ومن المهم بالتالي ان يعرف طبيعتها وحقوقها وواجباتها. الموظف العام: انه الشخص الذي يعهد اليه بعمل دائم في خدمة المرافق التي تدار بطريق مباشر بواسطة السلطات الادارية المركزية او المحلية او المرفقية, ويشغل وظيفة داخل النظام الاداري للمرفق الذي يعمل به. والعناصر التي ينبغي توافرها لتحقيق صفة الموظف العام هي: اولا: شغل الموظف لوظيفة دائمة: المقصود بهذا الشرط ان تكون الوظيفة التي يشغلها الموظف دائمة ومستقرة وليست عارضة تنتهي بانتهاء مدة محددة, دون فرق في ذلك بين الموظف او المستخدم او العامل, ومن ثم فان ثبوت صفة الدوام للوظيفة ليس بوجود درجة مالية لها دائما وانما العبرة بوجود نظام قانوني يحكمها سواء اكان هذا النظام يتضمن درجات لهؤلاء الموظفين ام يمنحهم مرتبات. ثانيا: ان يكون الشخص قد صدر قرار بتعيينه: يشترط لمنح الشخص صفة الموظف العام بجانب دوام الوظيفة التي يشغلها ان يكون تقلده لوظيفته بطريقة صحيحة ومشروعة بقرار من السلطة العامة المختصة بارادتها المنفردة, على ان يصادف هذا التعيين قبولا من جانب صاحب الشأن, حيث ان الموظف العام يساهم في المرفق العام دون اكراه او ارغام. ويختلف الامر في ذلك في ما يتعلق بالموظف الفعلي في ظل الظروف العادية والاستثنائية, حيث اعتبره مجلس الدولة في فرنسا ومصر في عداد الموظفين العموميين على الرغم من عدم صدور قرار بتعيينه من السلطة المختصة, ولو طبقت القواعد القانونية على تصرفاته الصادرة في شأن الوظيفة لادى منطقها الى عدم الاعتراف بأن له صفة قانونية, وبالتالي الى بطلان كافة تصرفاته ولكن حماية للاشخاص المتعاملين مع هذا الموظف الفعلي بحسن نية, وضمانا لاستمرار سير المرافق العامة بانتظام واضطراد ذهب مجلس الدولة في فرنسا ومصر الى تجاهل الاعتبارات القانونية المجردة وتصحيح تصرفات هذا الموظف الفعلي. ثالثا: مساهمة الموظف بعمل يدخل في نطاق مرفق عام تديره الدولة: ينبغي تمتع الشخص بصفة الموظف العام بالاضافة الى الشرطين السابقين, ان يساهم بعمل يدخل في نطاق مرفق عام تديره الدولة او احد الاشخاص ذو الصفة المعنوية, ولايشترط ان يكون هذا المرفق تابعا للسلطة الادارية في الدولة فالقضاء مثلا يعد مرفقا عاما من مرافق الدولة (ورجال القضاء موظفون عموميون) رغم خصوصيته واستقلاله في السلطة التنفيذية بحكم الدستور. وبناء على ذلك تضفى صفة الموظف العام على كل العاملين في الدولة ممثلة في سلطاتها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية وايضا على كل العاملين في مختلف الوزارات والمصالح والادارات التابعة لها والعاملين بالهيئات والمؤسسات العامة دون تميز بين المؤسسات العامة الادارية والمؤسسات العامة الاقتصادية. العلاقة مع الادارة اثار موضوع تحديد طبيعة العلاقة بين الموظف والادارة نقاشا وخلافا كبيرا في الماضي بين رجال الفقه والقضاء فهناك من رأى هذه العلاقة (عقدية) من عقود القانون الخاص, وهناك من رأى انها عقود القانون العام, وهناك من رأى انها علاقة تنظيمية. وسنتناول هذه الآراء الثلاثة موضحين اجدرها بالاتباع والتطبيق في الوقت الحاضر. اولا: تعاقدية في نطاق القانون الخاص. استقر الفقه والقضاء حتى نهاية القرن التاسع عشر على تكييف العلاقة بين الموظف والادارة على انها تعاقدية في نطاق القانون الخاص, وان العقد الذي يربط بينهما هو عقد اجازة اشخاص اذا كان الموظف يقوم بعمل مادي, او عقد وكالة اذا كان يقوم بعمل قانوني. وكان يبرر هذا الرأي طغيان القانون المدني على معظم موضوعات القانون الاداري باعتباره الشريعة العامة التي تطبق على الافراد والادارة على السواء وتعرض هذا التكييف الى النقد الشديد من الناحيتين الشكلية والموضوعية. 1ـ فمن الناحية الشكلية: لايوجد دور لعقد الاستخدام في ذاته حيث تتم العقود في القانون المدني بايجاب وقبول الطرفين عقب مفاوضات, ولا لمثل تلك المفاوضات بالنسبة للموظفين, لانهم يعينون في النهاية بقرار اداري من جانب جهة الادارة ويقتصر دور الموظف على قبول الوظيفة او رفضها. 2ـ اما من الناحية الموضوعية: فتخضع الرابطة التعاقدية وفقا لاحكام القانون الخاص لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين والذي يترتب عليه عدم امكانية تعديل شروط العقد الا بموافقة الطرفين, وعلى خلاف ذلك يجوز للادارة وفقا للقواعد العامة والخاصة في ادارة المرافق العامة تعديل احكام الوظيفة العامة بارادتها المنفردة وليس للموظف ان يحتج بحقه المكتسب, وذلك تغليبا للمصلحة العامة على المصلحة الفردية. ثانيا: تعاقدية في نطاق القانون العام لقد ترتب على النقد الذي وجه للرابطة العقدية التي تربط الموظف العام بالادارة اتجاه الفقه والقضاء الى محاولة تكييف العلاقة على انها علاقة تعاقدية في نطاق القانون العام. ويزود هذا العقد جهة الادارة بسلطات واسعة في مواجهة الموظف, مثل حق الرقابة والتوجيه وتوقيع الجزاءات على الموظف, وحق تعديل العقد وانهائه وذلك تحقيقا للصالح العام, بحيث لا تقيدها الاعتبارات المستمدة من قاعدة العقد شريعة المتعاقدين كما هو مطبق في القانون الخاص واستند انصار هذا التكييف الى حجج عديدة نلخصها في الآتي: 1 ـ التعيين لا يتم من جانب واحد, وانما من جانبين فصدور قرار الادارة بالتعيين يعد ايجابا منها وتسلم المرشح للوظيفة هو القبول, ولا ينتج القرار اثره إلا من تاريخ تسلم الموظف للعمل. 2 ـ تعيين الموظف في الوظيفة العامة لا يتم بإرادته واختياره. 3 ـ عدم قصر ميزة الادارة على وضع شروط الوظيفة, فوفقا للرابطة التنظيمية التي تربطها بالموظف العام والزامه بها لا يملك الاخير سوى قبول هذه الشروط أو رفعها كلية بناء على علاقة الموظف بالادارة. 4 ـ النصوص التي تحكمها الوظيفة لا تعدو ان تكون مجرد نصوص تنظيمية لا تفيد سوى الادارة فلا يتعدى اثرها الى المرشح إلا من تاريخ قبوله التعيين. 5 ـ اذا كان الموظف يخضع في تعيينه كقاعدة عامة لاجراءات المسابقة فإن العقود الادارية تخضع كذلك كقاعدة عامة لاجراءات المناقصة, ولا تختلف طبيعة هذين الاجراءين إلا في ان المسابقة ترمي الى اختيار افضل المرشحين من حيث الكفاية, بينما تهدف المناقصة الى اختيار افضل مقدمي العطاءات من حيث السعرالاقل. ثالثا: علاقة تنظيمية امام قصور وعيوب النظرية العقدية اتجه الفقه والقضاء الى تكييف العلاقة بين الادارة والموظف العام بأنها علاقة تنظيمية تحكمها القوانين واللوائح التي تنظم هذه العلاقة مسبقا من حيث حقوق وواجبات الموظفين, ومن ثم فإن قرار تعيين الموظف في وظيفة عامة هو قرار شرطي يتضمن اسناد الوظيفة الى شخص معين وسحب هذا المركز التنظيمي عليه. ومما لاشك فيه ان هذا التكييف افضل من التكييف التعاقدي لتمشيه مع متطلبات الحياة العملية واستقراره في الضمير القانوني لما له من فوائد كبيرة تتجاوب مع مقتضيات المرافق العامة واحتياجاتها وهي ترجيح السلطة العامة على مصالح الموظفين. ويرتب الفقه على تكييف علاقة الموظف بالادارة على انها علاقة تنظيمية ذات نتائج اهمها ما يمكن تلخيصه في الآتي: 1ـ اتمام التعيين في الوظيفة العامة وترتيب كافة الاثار القانونية عليه بمجرد صدور القرار به ودون التوقف على رضا الموظف او قبوله لهذا التعيين. ولا يعني ذلك ان تعيين الموظف يتم رغما عن ارداته بل يعني ان القرار الاداري الذي تصدره الادارة بارادتها المنفردة لا يجوز الغاؤه او سحبه إلا وفقا لقواعد الالغاء. 2 ـ عدم انقطاع صلة الموظف بجهة الادارة التي يعمل بها بمجرد تقديمه لاستقالته لها, وضرورة استمراره في عمله لحين قبولها صراحة او ضمنا بقرار صريح, وذلك ترتبا على فكرة سير المرافق العام بانتظام واضطراد. 3 ـ سريان كافة التعديلات المشروعة في احكام القوانين واللوائح التي تنظم الوظيفة العامة التي يشغلها الموظف العام ولو ترتب عليه تخصيص في مرتبه او زيادة في ساعات عمله, ودون ان يكون له حق في الاحتجاج بالحقوق المكتسبة. 4 ـ الزام الموظف العام المكلف به القيام بالوظيفة على خير وجه وعدم الامتناع عن القيام بها. التعيين المقصود بالتعيين (هو الاجراء القانوني الذي عن طريقه يصبح الشخص موظفا عاما) , ويشترط لصدور قرار التعيين توافر شروط معينة في الشخص على النحو التالي: شروط عامة: يعد التعيين في الوظائف العامة من الملائمات التقديرية التي تترخص فيها الجهة الادارية في حدود ما تراه متفقا مع الصالح العام وما يفرضه عليها المشرع من التزامات لاحترام حقوق الافراد تجاهها مثل حق المساواة امام الوظائف العامة, ويمكن تلخيصها فيما يلي: 1 ـ ان يكون متمتعا بجنسية دولة الامارات العربية المتحدة: ضرورة تمتع المرشح لتولي الوظيفة العامة بجنسية الامارات, وذلك لمعرفته بأعمال بلاده, وقدرته على تفهمها وكثرة اخلاصه وولائه لها, فضلا عن اهميته في الحصول على مزايا وظائف بلاده اقتضاء لحق العمل الذي اقره له الدستور تجاه الدولة. وتستثنى من شروط الجنسية للتعيين في الوظائف العامة طائفتان هما: أ ـ رعايا الدول العربية تطبيقا لفكرة القومية العربية وتمشيا مع الدور الطليعي والقيادي لدولة الامارات بالنسبة للوطن العربي باعتبارها القلب النابض للامة العربية. ب ـ الاجانب الذين تحتاج اليهم الدولة في تنفيذ برامجها المختلفة. 2 ـ ان يكون محمود السيرة حسن السمعة: يعد هذا الشرط من الشروط الاساسية لتولي الوظائف العامة والبقاء فيها, اذ بدونه لا تتوافر صفة الثقة والطمأنينة في شخص الموظف العام مما يكون له ابلغ الاثر على المصلحة العامة. 3 ـ ألا يكون قد سبق الحكم عليه بعقوبة جنائية: يعد هذا الشرط من الشروط الجوهرية لتولي المرشح للوظائف العامة في الحكومة, ومن ثم لم يترك لجهة الادارة اي حرية في اختيار المرشحين لتولي الوظائف العامة في هذا المجال, وذلك خشية ان يتولى اصحاب السوابق الجنائية الخطيرة او المشينة الوظائف العامة ويظلوا على ما كانوا عليه في انحراف مما قد يكون له ابلغ الاثر على المصلحة العامة, فتختل الاوضاع وتضطرب القيم في النشاط الاداري. وتستثنى من هذا الشرط الحالات الآتية: أ ـ اذا رد الى المحكوم عليه اعتباره حيث يترتب على رد الاعتبار زوال اثر العقوبة, واعتبار ذلك الدليل الظاهري على التوبة, ومن ثم فليس من العدل ان يحرم شخص من ان يتبوأ في الهيئة الاجتماعية المكان اللائق وان يكون مواطنا صالحا اذا بذل مجهودا جديا ليهتدي واقام الدليل على هذا بحسن سيرته مدة طويلة. ب ـ اذا كان الحكم مشمولا بوقف التنفيذ للعقوبة بشرط موافقة السلطة المختصة بالتعيين. ج ـ اذا كان الحكم قد صدر ضد المحكوم عليه والمرشح لشغل الوظيفة العامة لاول مرة, وذلك بشرط موافقة لجنة شئون العاملين التابعة لجهة التعيين, والدافع الانساني هو الذي دفع الى هذا الاستثناء لعدم غلق باب الوظيفة العامة في وجه العامل في هذه الحالة. 4 ـ ألا يكون قد سبق فصله من الخدمة تأديبيا: والحكمة من هذا الشرط هي التأكد من عدم ارتكاب الشخص المرشح لشغل الوظيفة العامة لمخالفة ادارية او مالية خطيرة ادت الى مجازاته بالفصل من الخدمة وعدم صلاحيته في الاستمرار فيها. 5 ـ ان يكون مستوفيا لشروط شغل الوظيفة العامة. ينبغي استيفاء راغب تولي الوظيفة العامة مواصفاتها التي تتضمنها بطاقة وصف الوظيفة والاشتراطات اللازم توافرها فيمن يرغب شغلها مثل الحصول على مؤهل عال او متوسط او خبرات فنية خاصة من حيث مدتها او نوعها التي تستلزمها اعباء الوظيفة ومهامها مما يكفل توفير القدرات اللازمة علميا وفنيا لدى الموظف. 6 ـ ان يثبت لياقته الصحية: بالاضافة الى الشروط السابقة لابد من المتقدم ان يكون صحيح الجسم قادرا على تحمل اعباء الوظيفة العامة بصورة منتظمة وخاليا من الامراض المعدية التي تشكل خطرا ممثلا في نقل العدوى الى المتعاملين معه من الجمهور, وان يثبت لياقته الصحية بمعرفة المجلس الطبي المختص والتي قد تختلف وفقا لنوعية الوظيفة او طبيعتها.

تعليقات

تعليقات