قدرنا الذي لا مفر منه ، بقلم، صلاح عيسى

وقع رئيس الوزراء الفرنسي جوسبان في المصيدة, بعد ساعات قليلة من ادلائه بتصريحه الشهير, الذي وصف فيه المقاومة الوطنية للاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان بإنها ارهاب.. اذ لم يكد يدخل جامعة بير زيت الفلسطينية, حتى استقبله طلابها بوابل من الحجارة, اجبره على ان يغادر المكان, بالطريقة التي يغادر بها المطرب القبيح الصوت منصة الغناء امام قذائف البيض الفاسد والطماطم التي يمطره بها المعجبون بصوته الرخيم.. تابعت مشهده على شاشة التلفزيون, وهو يهرول مذعورا نحو سيارته, ويهرول خلفه اعضاء الوفد الذي كان يصحبه, يحيط به وبهم رجال الامن, لاحظت ان رؤوسهم جميعا كانت صلعاء يضوي جلدها في الشمس.. وبينما كان كل واحد منهم يبحث عن وسيلة لحماية صلعته, كان رجال الامن مشغولين بحماية صلعة (جوسبان) بحقائبهم. اما الغريب حقا, فهو ان قذائف الطوب التي كان يطلقها الطلاب الفلسطينيون في اتجاه الوفد الفرنسي كانت توجه باحكام ودقة بالغين.. ومع ان مسارها كان يوحي بأنها تتوجه نحو صلعة (جوسبان) أو صلعة واحد من بطانته, إلا انها في اللحظة الاخيرة كانت تنحرف عنها لتستقر في السيارة التي امتلأ هيكلها بالرضوض, وتشقق زجاج كل نوافذها, ولم تطش قذيفة واحدة لتصيب صلعة رئيس الوزراء الفرنسي, او صلعة احد مرافقيه.. وكأن الذي يوجهها هو عقل اليكتروني مبرمج طبقا لخطة سياسية ذكية, تدرك ان هدفها هو التعبير عن الغضب والاحتجاج وليس العدوان واسالة الدماء. يحميك يا ولدي: كبر اطفال الحجارة واصبحوا شبانا يافعين.. ومع ذلك لايزال في استطاعتهم, ان يبعثوا في قلوبنا نحن الشيوخ, رجفة الاحساس بأننا لا نزال على قيد الحياة وان الامة لم تمت بعد, فالاحياء ـ لا الموتى ـ هم الذين يغضبون. انبسطت تجعيدة في قليب.. واخرى على جبهتي! تذكرت وانا اقرأ تصريح (ياسر عرفات) الذي عبر فيه عن اسفه لما فعله طلاب جامعة (بيرزيت) اثناء زيارة (جوسبان) لهم, والقرارات التي اصدرتها الحكومة الفلسطينية بالقبض على عدد من طلاب الجامعة, ما حدث قبل اعوام قليلة, حين ادلى وزير الخارجية البريطاني (وليام كوك) اثناء زيارة كان يقوم بها لاسرائيل ولـ (جمهورية عرفات, بتصريح ايد فيه حق الفلسطينيين في ان تكون لهم دولة فغضب رئيس الوزراء الاسرائيلي نتيانياهو) والغى مأدبة عشاء, كان مقررا ان يقيمها على شرف كوك, وغادر وزير الخارجية البريطاني اسرائيل دون ان يتعشى, وقال متندرا: ان لدى بريطانيا طعام يكفي لكي اتعشى به, فلست في حاجة الى طعام (نتيانياهو) كنت على وشك ان ألوم عرفات لكن وجه المرحومة امي, الذي يطل علي من صورتها في اطار يواجهني قال لي: ما قلت لك من زمان.. ان المحتاجة غناجة.. ربنا ما يحوجك لحد.. عقدت لساني. تذكرت اول صورة رأيتها لـ (ياسر عرفات) في مثل هذه الايام منذ اكثر من ثلاثين عاما.. كانت تتصدر الصفحة الاولى من جريدة (الاهرام) وتحتها خبر يقول ان الرئيس عبدالناصر قد استقبل رئيس منظمة فتح في أول اعلان رسمي بأن مصر ما بعد هزيمة 1967, قررت ان تدعم المنظمة التي كانت اجهزة الامن المصرية قبل الهزيمة تطاردها وتعتقل النشطاء من افرادها في قطاع غزة, ظنا منها بأنها تنتمي الى جماعة الاخوان المسلمين, لان زعيمها ياسر عرفات كان قد انضم اثناء دراسته في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1951 الى احدى كتائب الفدائيين المصريين التي كونها طلابها الاخوان في الجامعة للمشاركة في الكفاح ضد القاعدة البريطانية في قناة السويس في اعقاب الغاء حكومة الوفد لمعاهدة 1936. ايامها عزاني وجه عرفات الذي كان يقطر شبابا وفتوة, وآنس وحشتي اذ كنت ـ لاسابيع طويلة سابقة محبوسا حبسا انفراديا شديدا في احدى زنازين معتقل القلعة, محروما من قراءة الصحف, لا اعلم انسيا ولا ارى إلا وجه حارسي الجامد, الذي كانت لديه تعليمات صارمة, بألا يكلمني, وان يرد علي كلامي بالاشارة, وكانت تهمتي انني تكلمت, وهتفت اثناء احدى المظاهرات الطلابية عام 1968: وديتوا فين فلوسنا واليهود بتدوسنا.. وهو سؤال لا يزال يتردد حتى اليوم بلا اجابة إلا التي تلقيتها حين شاركت ملايين العرب في طرحه قبل ثلاثين عاما, صحيح ان معتقل القلعة تحول الى متحف, لكن المعتقلات لاتزال تزحم خريطة الامة.. وكل الاسئلة يمكن طرحها إلا هذا السؤال الوقح الذي لا يحق لاحد ان يسأله وحكم الطوارىء قائم امس واليوم وغدا. لا تزال صورة عرفات الشاب مطبوعة في ذاكرتي كما رأيتهم في ذلك اليوم البعيد الذي كان سعيدا رغم القيد والسجان وصمت اللسان استدعيتها الى ذاكرتي كلما رأيت ما فعله به وبنا الزمن الوغد الذي هو ـ كما يقول نجيب محفوظ ـ عدو لدود للورود, شاخ الرجل واصبحت الكلمات تتعثر على شفتيه, كما شاخت الامة واصبحت الكلمات تتعثر على شفتيها.. لكنه لا يزال رغم شيخوخته قادرا على الحركة والتنقل, يقطعها من مشرقها الى مغربها, يفطر في عاصمة ويتغدى في اخرى ويتعشى في ثالثة وينام في الطائرات.. وليس في جسده شبر يخلو من طعنة إبن أو غدر شقيق او جرح حليف.. فلا نامت اعين الجبناء, والى متى يستطيع قلب الرجل (الختيار) وقلب جيلنا (الختيار) ان يتحمل ما جرى وما لا يزال يجري من دون ان ينفجر؟ طلب إلي الطبيب الشاب الذي كان يجري لي عملية قسطرة بالقلب ان انظر الى صورة قلبي على شاشة تلفزيونية امامنا, وهو يقول سدت خمسة من شرايينك التاجية, وسيرك على قدميك الى هنا معجزة! قلت: هو الله الرحمن الرحيم الذي يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير, قال: كيف حدث هذا كله لشرايينك؟ قلت: خذ عندك: النكبة والنكسة وكامب ديفيد ومدريد وأوسلو.. خمسة.. والبقية تأتي... قال: من حسن حظك ان قلبك قوي جدا.. فهل تعرف لذلك سببا؟ قلت: لانني طيب وابن نكتة.. وابن ايه.. ثم انني احلم كثيرا وهذا من رحمة الله. قال بأسى: يابختك.. قلت: ولكنك شاب لم تزل. قال: وهل تركتم لنا حلما لم تجهضوه. يستطيع وليام كوك, ان يجد في بريطانيا طعاما لعشائه, لذلك استغنى ببساطة عن مأدبة نتانياهو واصر على تصريحه بأن من حق الفلسطينيين ان تكون لهم دولة, اما عرفات الذي جاء جوسبان ليتفاوض معه حول معونة فرنسية قدرها 150 مليون فرنك لانشاء ميناء غزة, فضلا عن مائة مليون اخرى لدعم المشروعات الصحفية ومشروعات الخدمات في جمهوريته الفقيرة, فهو مضطر لان يتحمل وقاحة (جوسبان) ووقاحة باراك وليفي وان يستقبل الجميع بالاحضان والقبلات, بما في ذلك السيدة اولبرايت مما يدل على ان الختيار الذي اصبح اشهر بواس حضان في التاريخ لايزال قادرا على التضحية من اجل قضية بلاده. هتفت بلا صوت: وديتوا فين فلوسنا وجوسبان بيدوسنا؟ فلم يسمعني لحسن الحظ سيادة قانون الطوارىء الذي كان العمل قد تجدد به لمدة ثلاثة سنوات اخرى لنفتتح الالفية الثلاثة بما افتتحنا به الثانية, ونعيش نصف القرن العشرين, والسنوات الاولى من القرن الحادي والعشرين في ظل الاحكام العرفية, وهو مجد لم تفز به امة من امم العالم سوانا. قبل شهور قليلة من حرب 1973 ولم يكن جرح الهزيمة قد اندمل بعد, ظللت لشهور طويلة, اصعد الى مبنى دار الوثائق المصرية في قصر مملوكي قديم يجاور القلعة, لاتعزى بقراءة مخطوطة مذكرات الزعيم (احمد عرابي باشا) قائد لواء الجيش, الذي هزمه الولس ـ اي الخيانة ـ وكنت اذا تعبت من القراءة, اطل من نافذة القاعة على معتقل القلعة المواجهة له محاولا ان احدد مكان الزنزانة التي رأيت فيها صورة ياسر عرفات الفتى لأول مرة وان اتخيل ما الذي يفعله من سأل مثلي: وديتوا فين فلوسنا وحرياتنا واليهود بتدوسنا, فسيق اليها بعدي لكي لا يسأل عما لا يجوز له ان يسأل عنه. الآن فقط اتذكر ان عرابي قال في مذكراته انه قرأ كتابا عن الثورة الفرنسية مترجما الى العربية فاقسم من يومها ألا يغمض له جفن, إلا اذا نهضت الامة المصرية, كما نهضت الامة الفرنسية لتسترد حقها في الحرية والمساواة وتصون استقلال بلادها وتصد عنها الغزاة, وما اكثر الثورات الوطنية والتحررية العربية وغير العربية التي كانت الثورة الفرنسية مصدرا الهام لا ينضب لها وذات يوم من عام 1779 اراد الخديو اسماعيل ان يفض دورة اجتماعات مجلس شورى النواب قبل ان ينظر في الميزانية. وقال رئيس مجلس النظار, ان النظر في الميزانية ليس من اختصاصات المجلس, فأصر عبدالسلام المويلحي باشا كبير تجار القاهرة وزعيم نواب المعارضة على ان ينظر فيها المجلس لان المجالس الشورية انشئت خصيصا لكي تحول بين الحكام وبين فرض الضرائب والمكوس على الرعية, او مصادرة حرياتهم, ولم يجد ما يختم به خطبته إلا اقتباس عبارة نقلها بالنص عن (ميرابو) احد زعماء الثورة الفرنسية كان قد قالها في موقف مشابه فصرخ في وجه رئيس النظار: ان من حقنا ان ننظر في الميزانية, ولن نغادر هذه القاعة إلا على اسنة الرماح.. وبعد ذلك بعامين, وقف (عرابي) على رأس الجيش في ميدان عابدين, ليواجه الخديو توفيق الذي سأله عن سبب مجيئه فقال: جئنا يا مولاي نطلب اعادة مجلس النواب وزيادة عدد افراد الجيش الى 18 الف جندي ووقف تدخل الاجانب في شئون البلاد, فقال الخديو: هذه طلبات لا حق لكم فيها.. وانا ورثت حكم هذه البلاد عن اجدادي وانا خديوي البلد واعمل زي ما انا عاوز. ورد عرابي: واحنا مش تركه.. ولن نغادر هذا المكان حتى تجاب طلباتنا.. لان الله خلقنا احرارا ولم يخلقنا تراثا او عقارا. كان ذلك بعض ما قرأه عرابي في كتاب الثورة الفرنسية التي ظل معجبا بها, معتمدا على الدعم الفرنسي طوال سنوات الثورة التي لم تعش سوى عامين, في مواجهة الضغوط والاطماع البريطانية, وحين جاء الاوان الذي لابد وان تختار السياسة الفرنسية فيه, بين شعارات الثورة الفرنسية, وبين مصالحها, اختارت الثانية, وكان رئيس الوزراء الفرنسي (دي فرنسييه) من بين الذين والسوا على عرابي في اللحظات الحاسمة من الحرب وتخلوا عنه, وايدوا الغزو البريطاني لمصر. ذلك, ما فعله آخرون قبل دي فرنسييه وبعد جوسبان وذلك هو قدرنا نحن العرب مع هؤلاء الغربيين الذين بنوا حضارتهم على انقاض حضارتنا, وصاغوا افكارا اخذوها عنها, ولم يطبقوها علينا, واثبتوا دائما انهم مستعدون في كل وقت لكي يوالسوا عليها وعلينا اذا تطلبت ذلك مصالحهم. ومع انهم لم يكفوا يوما عن التفاخر علينا بأنهم أكثر منا تقدما وحضارة واستنارة إلا انهم لم يقصروا يوما في البرهنة على العكس, وحين جاء الجنرال بونابرت على رأس الحملة الفرنسية إلى مصر, بشر المصريين بأنهم أصبحوا جزءًا من الجمهورية الفرنسية القائمة على مبادئ الحرية والاخاء والمساواة وانهم سيحكمون أنفسهم بانفسهم, وبعد شهور ثار المصريون على الاحتلال فاجهض الثورة بقسوة بالغة, ودمر حي بولاق الذي بدأت منه, وحين توجه إلىه وفد من مشايخ الأزهر يتشفع لديه حتى يوقف المذبحة, رأفة بالأهالي, رفض طلبهم وقال لسكرتيره: ان الرحمة فضيلة تافهة. ذلك أيضا ما فعله السفاح الايطالي الفاشي جرازياني الذي كان يأمر بأن تحمل الطائرات الايطالية الأسرى الليبيين المسلمين من أنصار عمر المختار وتلقيهم على الأرض, بينما يقول لهم اتباعه ساخرين (خلي) محمد ينجيكم! وبالعبارة التي قالها (جوسبان) شطب رئيس الوزراء الفرنسي على مبادئ الثورة الفرنسية, وعلى تاريخ المقاومة السرية الباسلة للاحتلال النازي لفرنسا, وحول شارل ديجول زعيم حركة فرنسا الحرة أثناء الحرب العالمية الثانية, إلى ارهابي ووضع باقة من الزهور على قبر المارشال بيتان الذي استسلم للغزو وحكم في ظله وأفقد بلاده المركز الممتاز الذي تشغله في وجدان الشعوب العربية, بسبب موقفها العادل من الصراع في الشرق الأوسط منذ عدوان 1967. وليست هذه أول مرة نفاجأ فيها نحن العرب بمسئول ينتمي للعالم الغربي, الذي لا يكف عن التعالي علينا بحضارته, يصدر حكما يشكك في هذا الادعاء فما أكثر الذين فعلوا ذلك. وعلى العكس من ذلك لم نسمع أحدا من أهل الغرب المتحضرين الليبراليين الانسانيين يصف نسف الارهابي مناحيم بيجين لفندق الملك داود وتخطيطه لقتل الوزير البريطاني اللورد كوين في شوارع القاهرة بأنه ارهابي. مشكلتنا نحن العرب المتخلفون ان علينا ان نقاتل ونواصل القتال ليس فقط لتحرير أراضينا المحتلة, ولممارسة حقنا في تقرير مصيرنا, ولكن كذلك لايقاظ الضمير العربي الذي مات, ولشفاء الغرب من عنصريته ومن ازدواج معاييره, لكي يستعيد انسانيته وليبراليته وتحرره, ويتذكر مبادئه التي خانها ويخونها. وذلك هو قدرنا الذي لا مفر منه!

تعليقات

تعليقات