مع تزايد التحديات والتيارات المتصارعة، هل فقد الكتاب دوره في المواجهة؟بقلم د. تيسير الناشف

تتكالب على الأمة العربية الرزايا وتعصف بها الأزمات, وتداهمها التحديات والاخطار الداخلية والخارجية ويطمع بأراضيها الطامعون, ويمزق نسيجها الاجتماعي والثقافي الذين يريدون ان تكون هذه الامة ضغيفة ومفسخة وممزقة الجسد ومنهكة القوى ومنتهكة الحقوق. وتعيش هذه الامة واقع الضعف والهوان وواقع التبعية والتعرض للهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية الاجنبية. ولا تحشد الموارد الفكرية والتنظيمية والمادية والسياسية الكافية للدفاع عن القضية العربية ودعمها. لقد اثارت وتثير هذه الحالة البائسة همم عدد من الكتاب الذين انبروا لتحديد مواطن الضعف في هذه الأمة, ومصادر التهديد والخطر الداخلية والخارجية, وهبوا للمنافحة عن حقوقها بأفكارهم وأقلامهم. وانني اعترض اعتراضا شديدا على رأي عدد من الكتاب العرب في أنه لا فائدة من هذه الكتابات في تجنيب هذه الامة للمحن التي تصيبها, وفي تخليصها من الواقع الذي تجد نفسها فيه. ومن العلل التي يعلل أولئكم الكتاب رأيهم هذا بها أن القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية الاجنبية ووسائل الاتصال الاجنبية وحجم الغزو الثقافي الغربي, تبلغ من الشدة ما يستحيل تقريبا عنده التصدي للتحديات الاجنبية التي تواجه أمتنا. غير ان تلك القوى ووسائل الاتصال والغزو الثقافي مهما بلغت قوتها, ينبغي ألا تثني الكتاب ـ وأفراد الشعب كافة ـ عن التصدي لها, وألا تجعلهم يستكينون لها, وذلك لعدة أسباب. تقوم علاقة بين التصدي للتحديات والحفاظ على هوية الشعوب. لكل شعب تميزه, وصفاته المميزة. وتسهم تلك القوى ووسائل الاتصال الاجنبية والغزو الثقافي في اضعاف الصفات المميزة للشعوب. وعن طريق التصدي لتلك القوى والوسائل والغزو تمكن المحافظة على هذا التميز أو على الاقل يمكن تقليل النيل منه. دور ومسئولية ومن الخطأ الجسيم ايضا ان يقبل اي كاتب بالرأي في انه لا فائدة من هذه الكتابات. فللكتابة رسالة خالدة اجتماعية وطنية وانسانية, وهي رسالة النقل الصحيح للمعاني حتى يعرف من تنقل هذه المعاني اليهم الحقائق القائمة, واحتمالات التطورات التي تهم مستقبل الشعب ومصيره, والطرق البديلة للتخلص من براثن الاوضاع المزرية السائدة. وبهذا المعنى تكون الكتابة نبراسا يهتدي به الناس وهم في لجة المآزق الحالكة. وللكتابة في العصر الحاضر دور مقارعة الافكار الاخرى الصادرة عن مصادر اجنبية, ودور التصدي للخطط الاجنبية الرامية الى ترويج هدف من الاهداف غير الودية ودور تبيان الاهداف الحقيقية لتلك الافكار والخطط وتبيان طبيعتها, ودور الاشارة الى البدائل المختلفة المتاحة لأمتنا في المجالات الفكرية. ولبعض الافكار والخطط مظاهرها الجذابة المغرية. وحتى لا يستسلم لها الذين لا يدرون منا بحقيقتها ومراميها ونتائجها المحتملة, تقع على الكتاب مسئولية الكشف عن خبايا تلك الافكار واغراضها واستصواب او استهجان تقبلها او احتضانها. ومن شأن عدم اضطلاع الكتاب بهذه المسئولية ان يكون بمثابة من (يخلى الميدان لحميدان) . ومن المنطلق الوطني والانساني يجب الا نخلي الميدان ولا الحلبة التي يقرر فيها مستقبلنا ومصيرنا لحميدان. وعلى الساحة الفكرية العربية تتصارع تيارات اقتصادية وعقائدية وسياسية مختلفة, لها مضامين ورسائل. ومن حق الشعب ان يشجع على معرفة مضامين هذه التيارات, وان يطلع عليها بقراءة الدراسات التي تتسم بقدر اكبر من الصحة والموضوعية والتحليل والتفسير. وتحمل الكتابات مضامين هذه التيارات الاجتماعية. واذا اخذ كتاب ينتمون الى تيار اجتماعي معين بالرأي الذي مفاده انه لا جدوى من الكتابات في تجنيب الامة مصائبها, وبالتالي كفوا عن الكتابة, اتيحت لتيارات اجتماعية اخرى فرصة التأثير الاكبر في الشعب, وهي تيارات قد لا تكون مفضلة لديه. وبذلك يحرم الشعب من الاطلاع على كامل الصورة الفكرية التي من اللازم ان تتوفر لديه حتى يكون في مقدوره دراسة شتى التيارات القائمة في المجتمع والقيام باختيار ما يراه مناسبا للوفاء بحاجاته المادية والروحية والنفسية صناديق للدعم وكما اسلفنا يتعرض الشعب العربي في الوقت الحاضر لغزو ثقافي مستمر ومكثف, تؤازره قوى غربية لها أهدافها الخاصة بها, وقدر كبير من القيم والافكار التي يحملها هذا الغزو مستهجنة وغير سليمة من المنظور القومي العربي. وبسبب قوة هذا الغزو والصفات المغرية التي تتصف بها بعض القيم والافكار التي يحملها, تسللت قيم وافكار كثيرة في نسيجنا الثقافي العربي وحلت محل قيم عربية كثيرة, مما أدى الى اضعاف شخصيتنا الثقافية الاصيلة والى افقادنا لتوازننا الثقافي, والى حرماننا من القدرة على معرفة شخصيتنا الثقافية الحقيقية. ولهذه الاسباب من الضروري ان تسخر اقلام الكتاب المفكرين منا في تبيان هذه المشكلة وتبيان الاخطار المترتبة عليها وتبيان الطرق التي تعالج بها. تسخير اقلام المفكرين منا من شأنه أن يكون خدمة جليلة لازمة يقدمها هؤلاء المفكرون للشعب العربي. ولذلك من اللازم تشجيع وصول المنشورات العربية التي تتضمن تبيانا وتحليلا للتحديات التي تواجه الامة العربية, الى مختلف بقاع الوطن العربي. وان عددا كبيرا من الكتاب العرب في حاجة مالية, فالكتابة لا تدر الدخل الوافي بمتطلبات العيش في الوقت الحاضر. وبالنظر الى ما للكاتب الموضوعي المستنير الحي الضمير من أهمية في الاشارة الى التحديات التي تواجه الامة وفي تحليل التحديات وفي وصف الدواء لها فان افقار الكاتب, مما يؤدي الى النيل من فعالية ممارسته لحرفته الكتابية, خسارة تتكبدها الامة ومساس بمصالحها الحيوية. ومن العوامل المؤلمة للكاتب والمؤثرة فيه ان يحتاج الى رغيف الخبز ليقيم به أوده, وأن يعرف ان هذه الحاجة تنال من قدرته وحافزه على الكتابة وتسهم احيانا في تشتيت الفكر. وبالتالي على الدولة والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية التي تقدر اهمية الدور التثقيفي التنويري الذي يؤديه الكاتب, ان تعمل من اجل اقامة صناديق مالية خاصة للدعم المالي للكتاب الذين يستحقون هذا الدعم استحقاقا ماليا او مهنيا. واذا فعلت هذه الدولة والمؤسسات ذلك أدت للشعب العربي خدمة جليلة * أستاذ دراسات الشرق الاوسط ـ الولايات المتحدة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات