خط مباشر: جنوب السودان والمسيحية الغربية(1)، بقلم أحمد عمرابي

لا يكاد يمر اسبوع او أقل دون ان تحمل الاخبار بيانا او تصريحا او نبأ بشأن جمعية او منظمة مسيحية امريكية او اوروبية او كندية تتناول مجريات قضية جنوب السودان من منظور مسيحي كنسي . وأبرز هذه المنظمات (منظمة التضامن المسيحي) وهي كيان يضم في عضويته عدة جمعيات مسيحية غربية وتتزعمه سيدة تتمتع بعضوية مجلس اللوردات البريطاني. وتوحي بيانات وتصريحات هذه الجماعات المسيحية الغربية وكأن اهل جنوب السودان اقلية مسيحية مضطهدة على يد اغلبية مسلمة. وتحت شعار دعم المسيحيين في الجنوب السوداني تعقد مؤتمرات وتجمع تبرعات ويتواصل الضغط على حكومات غربية لحثها على اتخاذ مواقف او تطوير مواقف ضد حكومة الخرطوم. والسؤال الذي يجب ان يطرح من المنظور الموضوعي للتاريخ القريب هو: من المسئول حقا عن (تديين) مشكلة جنوب السودان؟ بكلمات اخرى: هل الاغلبية المسلمة في الشمال السوداني والحكومات المركزية المتعاقبة في الخرطوم بما فيها الحكومة الحالية هي التي بادرت الى تصوير المشكلة كحملة اسلامية موجهة ضد مسيحيين, ام ان المؤسسات المسيحية في الغرب هي التي عمدت اولا الى طرح القضية كحملة مسيحية لصد الاسلام في ذلك الجزء من القارة الافريقية؟ ان الاجابة على هذا السؤال الكبير تتطلب بالضرورة مراجعة التطور التاريخي لمشكلة الجنوب السوداني لان الحملة المسيحية الغربية التي تنشط الان بصورة خاصة ليست تطورا مستقلا ووليد الظروف الراهنة التي يجري فيها تصعيد تدويل القضية. انها في الحقيقة حلقة ـ احدث حلقة ـ في مسلسل طويل لسياق تاريخي ترجع بدايته الى نحو مئة سنة للوراء. ولمدى القرن العشرين بطوله الزمني هناك خيط مسيحي متصل على الدوام ينظم تطورات مشكلة جنوب السودان.. وهو خيط لم ينقطع على الاطلاق في اية مرحلة من مراحل القضية. مع مغرب شمس القرن التاسع عشر وطلوع شمس القرن العشرين بدأت حقبة الاستعمار البريطاني للسودان التي امتدت لخمسة وخمسين عاما. وفي اول وهلة بدأ الوجود المسيحي الغربي في جنوب السودان على هيئة جماعات كنسية (تبشيرية) . كان اهل الجنوب اجمعين في ذلك الحين غير مسلمين وغير مسيحيين.. كانوا وثنيين. وحتى اليوم لايزال المسلمون (17 في المئة) والمسيحيون (16 في المئة) مجتمعين في الجنوب السوداني يمثلون اقلية بالمقارنة مع الاغلبية الوثنية. ولمدى ربع قرن منذ بداية المرحلة الاستعمارية البريطانية لم تكن الادارة الاستعمارية قد بلورت سياسة محددة المعالم تجاه جنوب السودان وعلاقته المستقبلية مع الاغلبية الشمالية المسلمة ذات الاصول العربية. تبلورت السياسة المعتمدة عند منتصف عشرينات القرن على اساس قناعة رسمية تقضى بتطوير الجنوب وأهله في اتجاه انفصالي عن الشمال. وفي ذلك كان استراتيجيو الادارة البريطانية يرون ان الفوارق بين الجنوبيين والشماليين من حيث اختلافات اللغة والدين والعرق هي من الجسامة بحيث يتعذر دمج الجنوب مع الشمال. وهي رؤية ليست بغير اساس موضوعي. ولكن عوضا عن نشر العربية كلغة تواصل والاسلام كدين في الجنوب على طريق الانفصال (والعربية والاسلام اقرب الى الافارقة من غيرهما تاريخيا وواقعا) كان قوام السياسة البريطانية هو تطوير الجنوبيين على اساس الثقافة الانجليزية مع الديانة المسيحية. ومن هنا بدأت القصة الحقيقية التي نعيش تداعياتها المعقدة حتى اليوم. فقد سلمت الادارة البريطانية امر الجنوب من حيث ادارة التعليم ونشر الدين الى المنظمات الكنسية الاوروبية لتتولى خلق نخب جنوبية لا تدين بالمسيحية فحسب بل تتخذ ايضا من كراهية العرب والاسلام والمسلمين عقيدة راسخة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات