الأموال (المطرودة) من يملك استردادها!، بقلم: عمران سلمان

استمعت في الاونة الاخيرة الى أكثر من ندوة ورأي حول الأموال العربية الموجودة في الخارج. والتي تتضارب التقديرات حول حجمها, بين ستمائة مليار دولار وألف مليار دولار.والموضوع كما يبدو ليس جديدا فقد سبق أن نوقش وبحث في أكثر من منبر اعلامي عربي. ومع ذلك فإنه يطرح اليوم كما لو انه موضوع الساعة . وهناك من يربط بينه وبين امكانية اصلاح الاوضاع الاقتصادية العربية المتردية, في حال أمكن اعادة هذه الأموال واسثتمارها. وهناك من يعتقد بأن مشاكله سوف تحل بمجرد أن يتم الامساك بهذه الاموال (الهاربة) وإعادتها الى الحظيرة العربية. ويشجع الطرح اللا مسئول هذا على اشاعة اجواء كاذبة ووهمية لدى البسطاء من الناس, حين يلجأ الى دغدغة مشاعرهم بقوله: ان حجم هذه الأموال يكفي لاشباع جميع البطون العربية الجائعة, وأن يوجد فرصة عمل لكل عاطل عربي, وان يحول الصحراء العربية الى جنات نعيم.. الخ. وهو قول صحيح لولا سبب (بسيط) وهو ان هذه الأموال هي من نوع العصفور الموجود في أعلى الشجرة. وان هذه الشجرة بعيدة جدا. ولا أمل في الوصول اليها تقريبا. ولهذا السبب أجدني للأسف مضطرا في احيان ليست قليلة, لأن أصف بعض الآراء في هذا المجال بأنها ساذجة على أقل تقدير. وبعضها الآخر هو مزيج من التفكير العقيم والمفروض. طبعا اذا توخينا المباشرة والواقعية والايجاز, سنقول بان على الحالمين من العرب أن يكفوا عن احلامهم حول هذه الأموال. عليهم ان ينسوا أمرها تماما. واذا كانت لديهم مشكلات اقتصادية, فعليهم أن يحلوها بالامكانيات المتاحة لديهم, وأن يتعلموا أبجدية العمل الاقتصادي الحديث. هذا اذا توخينا المباشرة والايجاز, أما غير ذلك فنستطيع القول: بان العرب ليسوا فقراء اذا قيست الامور بالبشر والموارد, وهم على الاقل ليسوا افقر من الدول الآسيوية أو دول أمريكا اللاتينية. لكن مشكلة الدول العربية هي مشكلة فساد, ومشكلة بيروقراطية ومشكلة جهل وأمية, ومشكلة أنظمة سياسية عقيمة, وعقليات اقتصادية من مخلفات القرون الماضية.. الخ. وهذه لاينفع معها علاج (الاموال العربية الهاربة) , بل لا تنفع معها جميع أموال الدنيا.. فما الذي يمكن ان تفعله الأموال في مثل هذه البيئة, وما الذي يدفعها للمجيء أصلا! ان معظم الدول العربية قادرة اليوم على استقطاب أية استثمارات حقيقة من الخارج, أو اغراء أحد بالتفكير في ذلك. لكنها بدلا من أن تبحث عن الأسباب الجدية الكامنة وراء ذلك, فانها تفضل الحديث في الوهم والخيالات, والتلهي بمواضيع مثل (الاموال العربية الهاربة) . وغني عن القول بءن أية استثمارات مالية, تخضع في نهاية المطاف للمنطق التجاري البسيط, فحيثما يوجد العائد المعقول والمخاطر المعقولة, فانها سوف تأتي بدون أن يدعوها احد, وستكافح من أجل ان تكون لها حصة في الأسواق العربية. والعكس صحيح كذلك. ومثلما ينطبق هذا على الاموال العربية, فإنه ينطبق على كل الأموال. لكن مشكلتنا دائما هي اننا لا نمسك بمواطن الخلل الحقيقية, ولا نعترف بأخطائنا ولا ننتقد ذواتنا, ولا نقوم باصلاح ما ينبغي اصلاحه, وانما نلوم الماء والهواء والشمس والتربة وجميع عوامل التعرية والتصحر. ومثل هذا المسلك, فوق أنه ضار وعقيم, فان لا احد يستطيع في عالم اليوم ان يفهمه أو يتقبله. فنحن لانتحدث مثلا عن التشريعات البالية في بعض البلدان العربية والتي لايستطيع حتى رأس المال المحلي أن يستثمر في ظلها أمواله, فيفضل ارسالها للخارج. ولا نتحدث عن البنى التحتية والخدماتية البائسة, والتي يتعذر في ظلها اجراء عملية مالية بسيطة, وليس استثمار, دون مكابدة واضاعة وقت وجهد الناس. ولا نتحدث عن العوائق والتدخلات الادارية والبيروقراطية والسياسية التي تنخر جسم بعض الاقتصاديات العربية فتحيلها الى مجرد هياكل, تتحكم فيها الاهواء والأمزجة والمصالح الضيقة. هذه كلها موانع طبيعية تعيق الاستثمار في البلدان العربية, كما تعيق ممارسة النشاط الاقتصادي والتجاري بصورة حديثة ومفيدة للاقتصاديات المحلية نفسها, وليس فقط كونها غير ملائمة للاستثمار. وازالتها بحاجة الى ما هو أكثر من مجرد قرارات تبقى في معظم الوقت حبرا على ورق, انها بحاجة الى ارادة سياسية ومجتمعية تتحرك لوقف هذا العبث وتعيد الاعتبار للقانون ولمصالح الناس ومصالح البلاد ككل. وما لم تتوفر مثل هذه الارادة, فإن كل حديث عن امكانية اصلاح اقتصادي أو نهضة اقتصادية, يبقى حديثا إعلامياً وسياسيا لا أثر له على أرض الواقع. قصاري القول إذن, انه ليس من الحكمة لأحد ان يستثمر ماله في مثل هذه البيئة ضمن أوضاعها الحالية, فرأس المال ليس جبانا كما يقال وإنما هو حذر وذكي, وهذا من ابسط حقوقه. وبهذا المعنى أيضا فاننا لانستطيع ان نسمي الأموال العربية الموجودة في الخارج, بأنها أموال هاربة, رغم كل ما تتعرض له من مخاطر واستنزاف هناك, وانما هي أموال (مطرودة) ليس بقرار وانما بحكم الأمر الواقع. ومن أسف أننا نطرد الأموال في الوقت الذي نحن فيه بأمس الحاجة اليها, وربما أكثر من أي وقت مضى, أو أي أحد آخر!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات