بوتفليقة والمستقبل الجزائري

الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة زعيم ذو درجة عالية من المسئولية الوطنية, ولانه كذلك فإنه يتوخى تفادي وقوع اي نوع من الصدام المكشوف بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية. لكنه قطعا لا يرغب ان يكون هذا الحذر الحكيم محسوبا على تضحية بأجندته السياسية في تحقيق(وئام وطني)عام بين قطاعات الشعب الجزائري . فهل يتمكن بوتفليقة من خلق المعادلة المتوازنة المنشودة؟ ان الاخبار المتواترة مؤخرا عن المشهد السياسي الجزائري يغلب عليها طابع التضارب مما يجعل تحليل الموقف صعبا. وأولى المسائل الكبرى التي يتركز عليها هذا التضارب تشكيل حكومة جديدة مما افرز سؤالا يظل حتى هذه اللحظة بلا اجابة شافية.. وهو: لماذا يؤجل الرئيس مرة تلو اخرى الوفاء بوعده باعلان تشكيل وزاري جديد تنسجم عناصره مع مشروع الوئام الوطني الذي يمثل حجر الزاوية في البرنامج السياسي للرئيس؟ منذ شهور عديدة ظل الجزائريون يتطلعون بتفاؤل الى اعلان التشكيل الجديد, وجاء التأجيل الاول, كما اعلن بوتفليقة, بسبب انشغال الدولة بمؤتمر القمة الافريقي الذي استضافته العاصمة الجزائرية. وانتهى المؤتمر دون صدور اعلان من الرئاسة بشأن المسألة الوزارية. وبعد ان صارت الايام اسابيع والاسابيع شهورا خرجت صحف جزائرية بأنباء هي أقرب الى شائعات بأن تأجيل التشكيل الوزاري المرتقب يعود الى خلاف بين الرئيس وقادة المؤسسة العسكرية. ووفقا لهذه التقارير فان الجنرالات يرفضون قائمة وزارية اعدها الرئيس بوتفليقة تتضمن اسماء لشخصيات مقربة فكريا من الرئيس لكنها مرفوضة من العسكريين. وتمضى التقارير الى القول ان ما يريده الجنرالات هو ان يكون الوزراء الجدد من بين الشخصيات المنتمية الى تنظيمات حزبية معترف بها بواسطة الجيش. واذ اصدر الرئيس بوتفليقة نفيا قويا شديد اللهجة لهذه التقارير والاخبار قائلا انه ليس هناك خلاف بين مؤسسة الرئاسة والجيش فانه اتى على ذكر عبارة تشى بأن الخلاف قائم فعلا. فقد اورد تهديدا تلميحيا بالاستقالة اذا وجد انه لم يتمكن من تنفيذ مشروعه بحلول شهر يناير. ان التفسير الوحيد لهذه العبارة هو ان الرئيس ما كان بحاجة اصلا الى التهديد بالاستقالة لو لا انه يكابد من عرقلة لبرنامجه من جهة ما. وهذه الجهة لا يمكن الا ان تكون المؤسسة العسكرية. والحقيقة ان الرئيس الجزائري يواجه معضلتين اساسيتين: فهو من ناحية يقف بازاء مؤسسة عسكرية راسخة القدم في السلطة السياسية منذ استقلال البلاد قبل 37 عاما, وتمارس سياسة انتقائية ايديولوجية تجاه القوى السياسية الداخلية بتقريب بعض هذه القوى وإقصاء قوى اخرى. ومن ناحية اخرى فان الرئيس اذ يتمتع بثقة القطاعات الجماهيرية للشعب الجزائري بأسره فانه ليس لديه حزب سياسي خاص به.. وهو لا ينتمي الى حزب بعينه. تأسيسا على ذلك يكون التناقض في الرؤية السياسية حتميا بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية. فالرئيس ـ على عكس الجيش ـ يريد ان تكون الجزائر لكل الجزائريين بغض النظر عن الاختلافات في توجهات القوى السياسية. وهذا بالضبط ما يعنيه مشروع (الوئام الوطني) .. بينما تريد المؤسسة العسكرية اقصاء التيار الاسلامي السلمي المتمثل في (جبهة الانقاذ الاسلامية) (مع مواصلة تأييد الجنرالات لجماعات مسلمة تنشط باسم الاسلام وتعتمد العنف الوحشي كمنهج). وكون ان الرئيس بوتفليقة ليس ذا انتماء حزبي معين فان هذا لا ينتقص من مكانته الوطنية والقومية.. على العكس.. فان رئيسا كهذا يعتبر زعيما نموذجيا. لكن هذا قد يكون محسوبا على فاعليته السياسية تجاه الجنرالات. ان ما يتمناه كل عربي مخلص هو ان يوفق الرئيس بوتفليقة في تحقيق مشروع (الوئام الوطني) بصورة كاملة.. وبالتالي الا يأتي اليوم الذي يضطر فيه الى تنفيذ تهديده بالاستقالة. أحمد عمرابي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات