تبدأ بالدراسة المتأنية وتنتهي بالاعتماد على النفس: بقلم خلف أحمد الحبتور

في ورقة البحث التي ألقاها أمام مؤتمر العلوم السنوي الأول انعقد مؤخرا في دبي, تناول الدكتور محمد بن فهد, مساعد قائد شرطة دبي للشئون الادارية, غياب التوازن بين السكان المواطنين والوافدين الذين يقيمون ويعملون في دولة الامارات العربية المتحدة , وحذر بأن استمرار هذا الخلل في التركيبة السكانية قد يولد ضغوطا اقتصادية واجتماعية من شأنها ان تضر بأمن البلاد, وخلص الى طرح عدد من المقترحات اعتبرها ناجعة للتغلب على هذه المشكلة. ومن بين الاقتراحات التي اوردها الدكتور فهد ان يمنح الوافدون المؤهلون جنسية دولة الامارات, وان توضع الخطط لضمان ان يشكل المواطنون ما لا يقل عن 50% من مجموع السكان, والا يزيد حجم أي من الجنسيات الوافدة عن سدس النسبة المتبقية, ومن الافكار الاخرى التي طرحها الدكتور فهد العمل على زيادة عدد السكان المواطنين عن طريق تشجيع تعدد الزوجات, واوصى بأن تدعم الحكومة هذا الحل من الناحية المالية وان تقدم الحوافز التي من شأنها ان تدفعهم لانجاب مزيد من الاطفال. دراسة التبعات ورغم ان هذه المقترحات تستحق الدراسة, يتبادر للذهن السؤال التالي: هل خضعت التبعات التي قد تسفر عنها هذه المقترحات للتمحيص والتحليل الكاملين؟ لا اعتقد ذلك, نظرا لان زيادة عدد السكان من خلال التجنيس ومنح الجنسية للوافدين بما يحملونه من قيم اجتماعية ومجتمعية مختلفة, من شأنه ان يؤثر سلبا على قيمنا ونظامنا الاجتماعي. اذ ان منح الجنسية لهذه الاعداد الكبيرة من شأنه لا محالة ان يؤدي الى اذابة شخصيتنا الوطنية وثقافتنا المميزة. اما بالنسبة للاقتراح الثاني المتمثل في زيادة عدد السكان بتشجيع تعدد الزوجات وبناء عائلات كبيرة, فيجب التفكير في هذا الامر مليا نظرا لأن 40% من عدد السكان المواطنين هم دون سن الخامسة عشرة, وان زيادة عدد الاطفال ضمن ما اقترحه الدكتور محمد بن فهد معناه ان على الحكومة تخصيص مزيد من الموارد في المستقبل لهذا القطاع غير المنتج من السكان, اذ يتطلب هذا توفير مزيد من المدارس والعناية الصحية وفرص العمل. وتجدر الاشارة هنا الى ان اكثر من 96% من القوة العاملة في القطاع الخاص هم من الوافدين العاملين بشكل رئيسي في المهن التي لا تحتاج الى مهارة او قسط قليل منها, كما ان الحكومة لن تستطيع ان تتحمل او توفر الكثير من الوظائف في القطاع العام. معنى هذا اننا بحاجة الى بذل جهود كبيرة لنشر الوعي بين الشباب المواطن ودفعهم الى خفض توقعاتهم للقبول بفرص عمل لا تعود عليهم بدخول عالية في سوق عمل يتميز بالمنافسة الشديدة, وهذا يعني في نهاية المطاف انخفاض المستويات المعيشية السائدة حاليا بالنسبة لافراد مجتمع الامارات كافة. تحديد المعايير ومع اتفاقنا مع الصيغة التي اقترحها الدكتور فهد حول النسب السكانية المقترحة, فانه في نظرنا يجب منح الجنسية للعرب بصرف النظر عن مكان ولادتهم او المنطقة الجغرافية التي ينتمون اليها, على ان يقتصر منح الجنسية على من تتوفر لديه الامكانيات والاستعداد لاستثمار أمواله في هذا البلد والاسهام في عملية التطور والنماء, ولا يخفى على احد ان قيام الحكومة والشخصيات البارزة في المجال التجاري بالاستثمار في البنية الاساسية وتطوير الخدمات, هو الذي جعل دولة الامارات العربية المتحدة نموذجا بارزا للتنمية في هذا القرن. وبناء عليه, فان المنطق يقتضي بأن يسهم الاشخاص الراغبون في الانتماء كمواطنين لدولة الامارات العربية المتحدة من العرب ذوي الامكانيات ويؤدوا الدور الذي يترتب عليهم مثلا في استثمار الاموال لصالح هذا الوطن وشعبه. لن يكون العامل المالي المعيار الوحيد الذي يؤهل الشخص لنيل جنسية دولة الامارات, بل هناك معايير اخرى منها ان يكون المتقدم حسن السيرة والسلوك وعدم انخراطه في اعمال اجرامية واخلاقية او نشاطات تجارية تتنافى مع مصالح الدولة, وعلاوة على ذلك, يجب ان يثبت هؤلاء الاشخاص قدرتهم على المساهمة في بناء اقتصاد هذا البلد. واعتقد ايضا ضرورة اعادة النظر في جميع الذين تقدموا بطلباتهم لنيل الجنسية وحصلوا عليها عبر السنين, على ضوء المعايير المذكورة اعلاه لكي نضمن بأنهم لا يشكلون عالة على موارد الدولة او يسيئون الى سمعتها من خلال النشاطات التي يمارسونها, وبالتالي وجوب حجب الجنسية عن الاشخاص الذين يخفقون في الوفاء بهذه المعايير. اننا مازلنا دول نامية يتمتع مواطنوها بانخفاض في نسبة الوفيات بين المواليد, وارتفاع معدل تعداد افراد العائلة بفضل تحسن الرعاية الصحية والازدهار الاقتصادي, حيث سيؤدي ذلك من خلال الجيلين القادمين الى (طفرة سكانية) اشبه بالطرفة التي شهدها العالم الغربي في اعقاب الحرب العالمية الثانية. معنى هذا انه رغم مشاعر القلق التي تساورنا الآن بسب الخلل الذي يعتري التركيبة السكانية وانعدام التوازن في اعداد المواطنين والوافدين المقيمين في دولة الامارات, أرى ان هذا الخلل لن يكون القضية الاساسية لمجتمعنا في السنوات المقبلة. ستتمحور القضية الاساسية حول التعليم والتدريب الواجب توفيره للجيل الشاب لكي يتكيف مع الاحوال الاقتصادية المتغيرة في العقدين المقبلين. ولا بد لنا من تغيير نظرتهم الى العمل ومفهوم المسئولية الشخصية وان نوقف اعتمادهم في الدخل على الحكومة وعلى عائلاتهم ودفعهم بدلا من ذلك للانخراط في سوق العمل سعيا لكسب الرزق. فإذا ما حققنا ذلك, سيتناقص مع الوقت اعتمادنا على الوافدين الاجانب في تسيير عجلة اقتصادنا الوطني ويتحقق بالتالي غرضنا المتمثل في زيادة نسبة السكان المواطنين من اجمالي عدد السكان بالدولة. الطريق الامثل هذا هو الطريق الذي اتبعته دول صغيرة اخرى مثل ليختنشاين ولكسمبورج وموناكو وبرمودا, والتي حافظت على مستويات المعيشة العالية لسكانها على كافة الأصعدة الاقتصادية ابتداء من الخباز وحتى رجل الاعمال, فالمواطن الحق كما تقتضيه نواميس الطبيعة وقواعد المنطق هو الذي يسهم في دعم ومساندة عائلته بالكد والعمل الجاد بدلا من طلب المساعدة من الحكومة. لابد لنا ان نتوخى الحيطة في معرض جهودنا لايجاد الفرص الوظيفية المناسبة لشبابنا المواطن, فلا يجدر بنا ان نعمد بكل بساطة الى فرض حصص محددة يتم بموجبها تخصيص نسبة من الوظائف للمواطنين, لان هذا من شأنه الحاق الضرر بالاقتصاد, ناهيك عن اننا لا نمتلك قوة العمل الوطنية الكافية ولا يخضع شبابنا للتدريب الكافي بما يكفل الحفاظ على مستوى النمو الاقتصادي او الحفاظ على مستوى الخدمات, كالعناية الصحية مثلا. ولا يعني هذا ان تحقيق ذلك مستحيلا, لهذه الغاية, يجب تكوين لجنة يناط بها دراسة السبل المؤدية الى ذلك, ولابد ان يدخل في تشكيلها اشخاص من كافة قطاعات المجتمع, كعلماء الاقتصاد والمسئولين الحكوميين ورجال الاعمال البارزين وغيرهم من الشخصيات المرموقة في المجتمع. يجب ان تمنح هذه اللجنة الصلاحية لدراسة كافة مناحي الاقتصاد, وان تتقدم بتوصيات تمكن الحكومة من وضعها موضع التنفيذ. هذا في رأيي هو انسب الطرق لايجاد حلول عملية لواحدة من القضايا الرئيسية التي تواجه البلاد هذه الايام. * رئيس مجموعة الحبتور

طباعة Email
تعليقات

تعليقات