العلاقات الامريكية ـ الصينية في 50 عاماً ، بقلم: جمال المجايدة

لايخفي كبار المسؤولين السياسيين في بكين شعورهم بالمرارة إزاء ما يصفونه بالحملات المعادية التي تشنها واشنطن عبر وسائل الاعلام الامريكية, وعلى الرغم من لقاءات القمة الامريكية ـ الصينية واللقاءات الوزارية والندوات المشتركة لرجال الاعمال والمستثمرين بين الجانبين إلا ان هناك فتورا سياسيا يخيم على علاقات واشنطن وبكين . ففي احتفالات الذكرى الخمسين لتأسيس الصين الجديدة شن مسؤولون صينيون انتقادات قاسية لسياسة الهيمنة الامريكية ومساعي واشنطن الرامية للانتقاص من انجازات الصين الاقتصادية والاجتماعية, ورغم ان الخطاب الذي ألقاه الرئيس الصيني جيانج زيمين صباح الاول من اكتوبر 1999 من بوابة السلام السماوي في ميدان تيان آن مين قد خلا من أية اشارات مباشرة إلى الخلافات السياسية مع الادارة الامريكية, الا انه تضمن عبارات قوية تندد بمحاولات الانتقاص من السيادة الصينية والاستعداد التام لاستخدام القوة للدفاع عن اراضي الصين وحمايتها. أزمة عمرها نصف قرن للتعرف على اسباب الفتور في العلاقات الامريكية الصينية لابد من العودة الى الوراء قليلا أي الى العام 1949 حينما اعلن ماوتسي تونج قيام جمهورية الصين الشعبية يوم 1/10/1949 واسقاط حكومة الكومينتانج الموالية لامريكا بزعامة الماريشال تشيانج كاي شيك, فالولايات المتحدة الامريكية اتخذت موقفا معاديا ورافضا لانتصار ثورة ماو وهزيمة الوطنيين الليبراليين وهروبهم الى تايوان. فمع وصول النظام الاشتراكي اليساري الى السلطة في الصين تراجع النفوذ الامريكي في جنوب شرق آسيا بصورة خطيرة وبالتالي شهدت العلاقات الامريكية الصينية قطيعة كاملة لمدة 30 عاما (49 ـ 1979) ولم يدر في خلد ماوتسي تونج ان واشنطن ستتراجع في يوم من الايام عن موقفها غير ان حسابات المصالح السياسية والصراع الخطير بين واشنطن وموسكو في السبعينات دفعت بالرئيس الامريكي الاسبق ريتشارد نيكسون للقيام بزيارة تاريخية الى بكين في فبراير 1972 برفقة مستشاره للامن القومي انذاك هنري كيسنجر (مهندس التطبيع) ورائد دبلوماسية البينج بونج بين واشنطن وبكين, اللقاء التاريخي عقد في بكين بين ماو ونيكسون بحضور شواين لاي رئيس الوزراء الصيني الراحل وكيسنجر, وتوج بتوقيع (بيان شنغهاي) الشهير وبيان اقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وبيان 17 اغسطس وفي يناير 1979 اقيمت العلاقات الدبلوماسية بين امريكا والصين رسيما. ويقول بعض الخبراء انه لولا حالة العداء السوفييتي الصيني في السبعينات لما تجرأ الرئيس نيكسون على اتخاذ مثل هذه الخطورة تجاه بكين. اضافة لذلك لم تكن الصين في حالة عداء ايديولوجي مع واشنطن ولم تدخل في حروب سرية ضد الامريكان مثلما كان يفعل السوفييت فالماركسية اللينينية في موسكو كانت هي النقيض التاريخي للرأسمالية الامريكية اما المادية في بكين فقد كانت مرحلة ثورية في ظرف معين انتهت بعد الثورة الثقافية مباشرة. ودخلت الصين في عهد دينغ هسياو بنغ عام1978 مرحلة جديدة من الاصلاح السياسي والاقتصادي والانفتاح على العالم الخارجي, وتوجت تلك المرحلة بكلمة القاها دينغ يوم 18/8/1998 تحت عنوان (اصلاح نظام القيادة للحزب والدولة) طرح فيها انه من الضروري اصلاح مختلف المساوىء حول البيروقراطية وتمركز السلطات المفرط والنظام الابوي ونظام تولي الكوادر والقادة المناصب مدى الحياة. ويرى خبراء الشؤون الصينية ان تلك الكلمة كانت الشرارة الاولى للاصلاح اطلقها الحزب الشيوعي الصيني بهدف التخلص من رواسب الماضي التي حالت دون انطلاق الصين للتعامل مع الولايات المتحدة. قوبلت هذه المتغيرات المثيرة بنوع من الحذر في واشنطن واستغلها الامريكان لمواصلة الضغط على القيادة الصينية انطلاقا من بوابة تايوان باطلاق شعار جديد (دعم الحريات وحقوق الانسان في الصين) وراحت وسائل الاعلام الامريكية اليهودية تروج عبر آلتها الضخمة لهذا الشعار. جمود وتوتر شهدت العلاقات الامريكية ـ الصينية انتكاسة جديدة بعد احداث تيان آن مين حينما تظاهر الاف من طلبة الجامعات الصينية في هذا الميدان الضخم مطالبين بالحرية, والديمقراطية, وتصدت لهم قوى الامن الصينية بقوة وسحقت التظاهرات بلا تردد الامر الذي دفع واشنطن لمواصلة حملاتها الدعائية والدبلوماسية والسياسية ضد بكين واتهامها بانتهاك حقوق الانسان وتشجيع التمرد والعصيان المدني في الصين مما ادى الى تجميد العلاقات بين الجانبين وقيام واشنطن بفرض عقوبات اقتصادية وتجارية ضد الصين وحرمانها من لقب الدولة الاشمل بالرعاية, واستضافة عدد من المنشقين الصينيين في الولايات المتحدة وتعبئة حلفاء واشنطن ضد القيادة الصينية. غير ان القيادة الصينية لم تتراجع عن موقفها ولم يهتز لها جفن, وكانت تشعر انها تتصرف بمسؤولية وحزم ازاء قضاياها الداخلية والوطنية ولم تعبأ كثيرا بالحملات الامريكية الشرسة, ويقول دبلوماسي عربي في بكين رفض ذكر اسمه (لولا الحزم الذي مارسته القيادة الصينية والطريقة التي عالجت بها احداث (تيان آن مين) لوجدنا اليوم على الخارطة ولادة اكثرة من صين جديدة, فقد كان شبح التقسيم والانهيار واردا الى حد كبير. ويضيف لقد فهمت واشنطن فيما بعد, اي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفسخه الى دويلات ممزقة انها كانت على خطأ الامر الذي دفعها لتصحيح خطأها بعد رحيل الرئيس الامريكي جورج بوش من البيت الابيض في ديسمبر 1992 مباشرة. ويشعر القادة الصينيون بالفخر لنتائج ثباتهم على موقفهم وعدم رضوخهم للضغوط الامريكية, فالرئيس الامريكي بيل كلينتون بادر لعقد اجتماع مع الرئيس الصيني جيانج زيمين يوم 19/11/1993 خلال حضورها القمة غير الرسمية لمنظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي في مدينة سياتل الامريكية. ويقول مسؤول في وزارة الخارجية الصينية ان هذا اللقاء انهى وضع المستوى المنخفض المتردد للعلاقات الصينية ـ الامريكية وقدم لتحسينها وتطويرها فرصة سانحة. وتحت ضغط اللوبي الاقتصادي الذي يمثل كبريات الشركات الامريكية المتعاملة مع الصين تراجع الرئيس كلينتون عن قراره بفرض عقوبات اقتصادية ضد الصين فهذه الشركات كانت هي المتضرر الاكبر من جراء العقوبات فقد توقفت خطوط انتاجها الضخمة في الصين وتراجعت ارباحها نتيجة لوقف الصادرات الصينية الى الاسواق الامريكية. ونتيجة لذلك ازدادت التبادلات الصينية الامريكية بشكل ملحوظ منذ عام ,1997 وبالتالي ازداد نشاط تبادلات ولقاءات القمة بين الطرفين, فقد زار الصين نائب الرئيس الامريكي آل جور ووزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت وغيرهما من المسؤولين الامريكيين, كما زارها رئيس الكونجرس الامريكي جينجريتش وعشرات من اعضاء الكونجرس وشاهدوا على الطبيعة المتغيرات التي طرأت على الصين في السنوات الاخيرة ونتائج الاصلاحات الاقتصادية الكبيرة, مما مهد الطريق أمام الرئيس الصيني جيانج زيمين لزيارة واشنطن في اكتوبر 1997 رسميا وتوصل الرئيسان الامريكي والصيني الى ادراك مشترك مهم حول هيكل العلاقات الصينية ـ الامريكية واتجاه تطويرها في القرن الحادي والعشرين واتفق الجانبان بالاجماع على انه يجب العمل المشترك انطلاقا من وجهة نظر بعيدة المدى على اقامة علاقة شراكة استراتيجية امريكية صينية بناءة, وتقوية وتوسيع التبادلات التجارية والتعاون في مجالات حماية البيئة والطاقة والعلوم والتكنولوجيا والقانون والتعليم والثقافة. واستمرت علاقات البلدين في التطور الايجابي مما دفع الرئيس بيل كلينتون للقيام بزيارة رسمية الى الصين في يونيو 1998 لمدة اسبوع كامل دشنت مرحلة جديدة من العلاقات الامريكية ـ الصينية. فقد تغاضى الرئيس كلينتون خلال زيارته الى الصين عن توجيه اي انتقاد بشأن حقوق الانسان ولم يذكر بكلمة واحدة احداث (تيان ان مين) , بل اضطر للاعتراف خلال لقائه مع طلبة جامعة بكين يوم 29/6/1998 بأن الولايات المتحدة الامريكية تواجه مشاكل في مجال رعاية حقوق الانسان بقوله (لقد شهدت بلادنا مشاكل رهيبة في هذا المجال لقد كان الرق مشروعا لفترة طويلة في امريكا ولم نبلغ بعد مرحلة الكمال) . واضاف (مازالت هناك امثلة على التمييز في امريكا في السكن والوظيفة تستند الى افكار عنصرية) . واضطر الرئيس كلينتون للاعتراف امام 800 من طلبة جامعة بكين بأن الحرية تمر ايضا عبر احترام حرية الاخرين في تبني افكار مختلفة والقيام بخيارات مختلفة) . هذا التراجع في لغة الرئيس الامريكي اعتراف بأن واشنطن أخطأت بحق الصين وهاهي تصحح الخطأ ولو بعد حين, ولذلك فانه طمأن القادة الصينيين حينما قال في بكين (ان الولايات المتحدة لا تحاول احتواء الصين واعتقد انه من الافضل للشعب الامريكي ان يقيم شراكة مع الصين في القرن الحادي والعشرين على اساس الاحترام المتبادل بدلا من اضاعة الوقت وانفاق الأموال في محاولة لاحتواء الصين لاننا لسنا موافقين على ما يحدث فيها) حتى ازاء مشكلة تايوان التي عكرت صفو العلاقة الامريكية الصينية على مدى نصف قرن. قال كلينتون في بكين ان علاقات الولايات المتحدة مع تايوان لا تشكل عقبة في وجه توحيد الجزيرة مع الصين القارية, ونحن لا نحاول المساس بسياستنا الخاصة المتعلقة بصين واحدة) . من الازمة الى الشراكة هذا التحول في الموقف الامريكي ادى الى انفراج غير متوقع في العلاقات الامريكية الصينية غير ان الخبراء في بكين يرون ان الصين هي الطرف الرابح لان واشنطن تراجعت عن فرض العقوبات الامريكية ضد الصين لا سيما القيود على عمليات التمويل التي تقوم بها الوكالة الامريكية للتجارة والتنمية ونهاية القيود المفروضة على عقود التأمين التي تقوم بها شركة الاستثمارات الخاصة في الخارج وكذلك رفع معارضة واشنطن لانضمام الصين الى منظمة التجارة العالمية بعدما تقوم الصين بفتح اسواقها بما فيه الكفاية امام المنتجات الاجنبية عن طريق تخفيض الرسوم الجمركية مرات عدة وعن طريق مكافحة انتهاكات حقوق الملكية الفكرية. وكذلك بعد قيام الصين باتخاذ اجراءات لتقليص العجز التجاري الذي بلغ 49.7 مليار دولار عام 1997. بقي ان تواصل الدولتان مفاوضات عدم انتشار الاسلحة النووية فالولايات المتحدة تأمل في الحصول من الصين التي تشتبه في انها وفرت لباكستان التكنولوجيا الضرورية لاجراء تجاربها النووية الاخيرة على ضمانات لانهاء بيع التكنولوجيات الحساسة الى دول اخرى مثل ايران وبورما. لقد ادى الانفراج السياسي الى حدوث تطور اقتصادي سريع, ويقول مسؤولون في وزارة الخارجية في بكين ان المبادلات التجارية بين الصين والولايات المتحدة الامريكية ارتفعت من 2.4 مليار دولار عام 1979 الى 49 مليار دولار امريكي عام 1998 بزيادة 19 ضعفا وأكدوا ان الولايات المتحدة اصبحت ثاني اكبر الشركاء التجاريين للصين, فيما اصبحت الصين رابع اكبر شريك تجاري للولايات المتحدة وحتى اواخر عام 1997, بلغ مجمل المشروعات الاستثمارية الامريكية الخاصة في الصين 24.4 الف مشروع ووصلت القيمة التعاقدية الى 40 مليار دولار امريكي, وبلغت قيمة الاستثمارات الفعلية الامريكية في الصين 17.48 مليار دولار امريكي لتحتل الاستثمارات الامريكية في الصين المركز الثاني مباشرة ونتيجة لذلك بادر حلفاء الولايات المتحدة الامريكية الى تطوير علاقاتهم الاقتصادية والتجارية مع الصين واعلن الاتحاد الاوروبي في فبراير 1998 انه كمجموعة او دول منفردة لن يقدم ولن يشترك في تقديم اقتراحات ضد الصين الى مؤتمرات لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة وفي مارس 1998 اصدرت المفوضية الاوروبية وثيقة جديدة لسياستها مع الصين تحت عنوان (اقامة شراكة شاملة مع الصين) وفي ابريل 1998 قرر الاتحاد الاوروبي حذف اسم الصين من جدول اسماء الدول التي لاتطبق اقتصاد السوق) . وبلغ حجم التبادل التجاري بين الصين ودول الاتحاد الاوروبي في العام 1998 نحو 45 مليار دولار امريكي واستوردت الصين في العام المذكور 6864 تقنية من دول الاتحاد الاوروبي بقيمة 38 مليار دولار امريكي. كما شهدت العلاقات الصينية ـ اليابانية تطورا مماثلا فقد قام الرئيس الصيني جيانغ زيمين بزيارة رسمية الى طوكيو في نوفمبر 1998 وبلغت قيمة المبادلات التجارية بين البلدين في العام المذكور 60.8 مليار دولار امريكي بزيادة اكثر من 60 ضعفا عما كانت عليه عام 1972 وحتى عام 1997 بلغت المشروعات الاستثمارية اليابانية في الصين 16404 مشروعات قيمتها التعاقدية 29.8 مليار دولار وقيمتها المدفوعة فعليا 18.5 مليار دولار امريكي. لا للهيمنة نادرا ما يتم تحقيق تطابق في المصالح بين القوى العظمى, هذا هو وصف هنري كيسنجر للعلاقة الامريكية ـ الصينية, فالحكومة الصينية تعتبر ان الشروط التي وضعتها واشنطن لانضمام الصين الى منظمة التجارة العالمية مجحفة وتجعل الصين هي الطرف الخاسر وامريكا هي الطرف الرابح, كما ان الصين رفضت على لسان نائب وزير خارجيتها بينج خلال لقائه مع كاتب هذه السطور في بكين مؤخرا نظرية امريكية جديدة تقوم على اساس ان حقوق الانسان اهم من السيادة وتؤكد ان هذه السياسة خطيرة وتهدف لفرض الهيمنة الامريكية على العالم الامر الذي ترفضه بكين بشدة. وعلى الرغم من ان مثقفي شنغهاي اقنعوا الرئيس كلينتون خلال زيارته للمدينة في يونيو 1998 بان اطعام 1.2 مليار انسان يوميا اهم بكثير من التوسع بمنح الحقوق السياسية للافراد حتى هنري كيسنجر صاحب اطول تجربة سياسية في التعامل مع الصين ـ بدأها منذ العام 1970 ـ نصح الرئيس كلينتون بتغيير النظرية المذكورة او استثناء الصين منها وقال له صراحة ان مسلك الصين المسؤول في الازمة الآسيوية قد برهن على وجود مصلحة لها في ضمان الاستقرار السياسي والاقتصادي للمنطقة كما انها قاومت الضغوط التي مورست عليها لتخفيض عملتها (اليوان) وحافظت على وعدها بعدم قمع التعبير السياسي والتزمت بمعاهدة عدم الانتشار النووي وكذلك اتفاقيات الحظر على الاختبارات والاسلحة البيولوجية والكيماوية, وقال له ان الصين لاتساند اي حركة سياسية معادية للمصالح الامريكية ولاتتحدى النظام العالمي القائم والصين بالفعل تسعى للارتباط بالنظام العالمي عن طريق بوابة الاقتصاد وستحتفظ لنفسها بدور المعارض لنظام القطب الاوحد بصورة سلمية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات