شكرا.. عناية السماء ، بقلم: عادل حمودة

يشغل بالي كثيرا هذا الانفصام الحاد بين العقل والواقع.. بين افكارنا على الورق وسلوكنا في الحياة.. بين ابحاثنا العلمية وحقيقتنا العملية. ان التطابق بين افكار المجتمع وسلوكه شيء في منتهى الاهمية.. اذ لا يمكن ان يكون المجتمع حمامة على الورق وذئبا في تصرفاته اليومية.. ولا يستطيع ان يلعب دور (دكتور جيكل) الطيب في الجامعة ومراكز الابحاث وفي الكتب والمقالات, ودور (مسترهايد) الشرير في معاملاته وعلاقاته وعلاجه لمشاكله الكبرى والصغرى. وانا لا افهم كيف يمكن ان ننفق كل هذه المليارات على الجامعات ونكون هذا العدد الضخم من حملة الدكتوراة وفي الوقت نفسه نترنح في حلقات (الزار) ونفتح (الفنجان) لنقرأ طالعنا العلمي.. وندور في دوائر (الدراويش) نستلهم الحلول لمشاكلنا.. ان ذلك كمن يتغنى بالجمال ونفسه مسكونة بالبشاعة.. ويكتب عن الروعة وهو يسكن في الطين. وحين يعجز المجتمع عن اقامة التوازن بين من يفكر ومن ينفذ.. بين ابحاثه العلمية وموقفه من العالم فان عليه ان ينسحب من الحياة فورا.. اذ لا مكان له فوق سطحها.. واذا لم ينسحب بمزاجه خرج منها مطرودا. كتاب انيق مطبوع على ورق مصقول, على غلافة لوحة تشكيلية ناعمة للفنانة ماجدة ابو الفتوح, فهل الكتاب ديوان شعر؟ لا... هو اول تقرير سنوي عن (الازمات والكوارث في مصر المحروسة) تصدره وحدة بحوث الازمات بكلية التجارة جامعة (عين شمس) وكأن الذين اعدوا التقرير وهما الدكتور محمد رشاد الحملاوي ومحمد علي شومان قد ارادا ان يخففا بشاعة التقرير بهذه الخطوط والالوان الفنية الجميلة. وهو سلوك حضاري يستحقان الشكر عليه.. لكنهما يستحقان شكرا اكبر على التقرير نفسه... فأنا اتصور انه اول تقرير جامعي او غير جامعي عن الكوارث اليومية التي لا نعرف كيف نواجهها والتي راحت تأكل لحم المصريين وكأنها في وليمة همجية. والتعريف العلمي للكارثة هو انها حدث يؤدي الى مقتل او اصابة 10 اشخاص على الاقل او ان ينتج عن الحدث خسائر مادية تقدر بحوالي 100 الف جنيه, او ان يترتب عليه اهتمام اعلامي اكثر من يومين او يطرح للنقاش في مجلس الشعب او يرتبط بوقائع وصدامات عنف وارهاب وشغب سواء لاسباب سياسية او دينية بغض النظر عن حجمه وخسائره. وهذا التعريف كون للكوارث في مصر سلطة مرئية, نراها في معظم الايام... ويكون لها ايضا سلطة غير مرئية بمعنى انها متغلغلة في ذاكرة الناس ووجدانهم وعقلهم الباطن وجذورهم الممتدة في الزمن والتاريخ.. لذلك فنحن نتعايش مع ما نتعرض له من كوارث, فانهيار عمارة وسقوط اتوبيس من فوق كوبري وتصادم قطارين وحوادث الطرق وتعرض البشر للمعاملة السيئة في اقسام الشرطة, كلها كوارث لم تعد تزعجنا فقد تعودنا عليها وأتلفنا معها, وهذا هو اخطر مافي الموضوع. ولعل المثير للدهشة ان الله حمانا من معظم الكوارث الطبيعية ولكننا على مايبدو لم نرض بذلك, فرحنا نعوض كوارث الطبيعة بكوارث البشر فلا جليد في مصر حتى ينهار ولاموجات باردة تستمر طويلا, والزوابع والعواصف دائما في فنجان والفيضانات سيطرنا عليها بعد السد العالي, والسيول لاتحدث بانتظام والزلازل تمر بسلام حتى انني قرأت هذا التقرير بينما كان زلزال يوم الاثنين الماضي يمر من تحت الارض, ولكن ذلك على مايبدو لم يعجبنا وان الامم الاخرى ستعايرنا لعدم وجود كوارث طبيعية في بلادنا, فرحنا نصنع الكوارث البشرية. ونحمد الله ان كابوس الارهاب قد فقد معظم انيابه ومخالبه, والحروب لم تعد تطلب ضحايا يقتلون على مذابحها على ان البديل كان اكبر, اكبر من ضحايا الحروب وضحايا الارهاب البديل كان حوادث المرور, والعنف والحرائق, وانهيار المباني, وغيرها مما يرصده التقرير الذي يتعرض لعام 1998. في عام 1998 وقعت 284 كارثة في مصر كانت حوادث المرور على رأسها بنسبة تصل الى 43% تقريبا وهي نسبة مرتفعة للغاية, ومع ذلك يمكن تفسيرها في ضوء احصاءات الادارة العامة للمرور عن حوادث الطرق في عام 1997 فقد سجلت 26721 حادثا مروريا بزيادة 100% عن عشر سنوات مضت, وقد نتج عن هذه الحوادث 5096 حالة وفاة و 18841 حالة اصابة.. شغلت اكثر من 10% من اسرة المستشفيات ومن ثم اصبحت حوادث الطرق هي السبب الثاني للوفاة في المراحل العمرية المنتجة من 20 ـ 45 سنة بالاضافة الى خسائر مادية وتلف 17223 سيارة. وحسب التقرير نفسه فإن حوادث المرور فاقت كل المعدلات العالمية, ففي الدول الصناعية الكبرى يتراوح معدل الوفيات مابين 1.5 الى 3 قتلى في كل 10 الاف سيارة, وهو ما يحدث في حادث مروري واحد على طرقنا, خسائر حادث واحد عندنا يساوي معدل الخسائر التي تتعرض لها 10 الاف سيارة عندهم. ويتحدث التقرير الجامعي الاكاديمي عن الاسباب فيذكر السرعة وانفجار الاطارات وبقع الزيت التي على الطرق وسوء الاحواء الجوية والمنحدرات والنوم اثناء القيادة وهي نفسها الاسباب التي يذكرها رجال المرور وقد كنت اتوقع من اساتذة على هذا المستوى العلمي ان ينظروا للمشكلة نظرة اخرى, فجزء من المشكلة الفساد في صناعة الطرق ومواصفاتها, وجزء من المشكلة التسيب في منح تراخيص القيادة بدون ان يعرف البعض كيف يدير السيارة, وجزء من المشكلة ان السيارة اصبحت وسيلة للتفاخر والغرور الاجتماعي, وجزء من المشكلة القدرة على تجاوز القانون دون عقاب. ان مشكلة المرور ليست مشكلة علاقة غير سوية بين طريق وسيارة, وانما هي مشكلة علاقة غير سوية بين قائد السيارة ومن حوله من البشر, ان هذا لم ينتبه اليه الاكاديميون في (وحدة بحوث الكوارث) فكتبوا تقريرهم بلغة ضبط المرور, لا بعقلية اساتذة الجامعة. بعد حوادث الطرق تأتي حوادث العنف في المرتبة الثانية في قائمة الكوارث المرصودة, وقد رصد التقرير 38 ازمة عنف بنسبة 13.3 من مجموع الكوارث التي وقعت في عام ,1998 وقد اسفر عنها مقتل واصابة 142 مواطنا بنسبة 12.4% من مجموع القتلى والجرحى في ذلك العام. ويضع التقرير حوادث الارهاب على قائمة حوادث العنف في عام 1998 وقد كان عددها 17 حادثا سقط فيها 43 قتيلا و39 جريحا ولكن هذه الارقام سرعان ما تراجعت فيما بعد, بعد حوادث تفجير السفارتين الامريكيتين في افريقيا والمطاردة الدولية لقيادات الارهاب التي كانت تعامل في الغرب معاملة اصحاب السمو, باعتبارهم امراء, ولعل غياب هذا التحليل السياسي جعل الذين وضعوا التقرير لا يملكون تفسيرا لتراجع العنف في سبتمبر 1998 بعد اقل من شهر على تفجير السفارتين الامريكيتين في نيروبي ودار السلام, ومرة اخرى يفتقد التقرير موهبة اختراق العمق الذي ترقد فيه الاسباب الحقيقية دائما. لكن يبقى للتقرير انه يرصد, والرصد هو عملية شديدة الاهمية في مصر, حيث لا معلومات تقدر على الحصول عليها من الجهات الرسمية, والرصد هو عملية هامة, فهو سنة اولى تحليل, وتفكير, وتدبير. ونقلا عن الصحف يرصد التقرير نوعا اخر من العنف هو العنف المعبر عن الاحتجاج الاجتماعي, مثل المشكلات التي تقع في محيط العمل, وقد حدثت 9 ازمات من هذا النوع في عام 1998 منها اضراب سلمي لعمال احدى شركات القطاع العام, واعتصام موظفي المراقبة الجوية في مطار القاهرة لتحسين رواتبهم, واعتصام سائقو (الميكروباص) بالجيزة احتجاجا على تعديل مسارهم, واضراب 150 ممرضا وممرضة في كفر الشيخ, ويقول التقرير: ان هذه الحوادث على الرغم من ضعفها تعكس (وجود ازمة في بيئة العمل والانتاج أو في مستوى الخدمات التي تقدم للمواطنين وتعبر ايضا عن أزمة في الحوار والتفاوض بين المواطنين في جانب والمسؤولين في جانب اخر. ثم يرصد التقرير في بند العنف ازمات الشرطة والمواطنين ويرصد في عام 1998 وقوع 8 ازمات ادت إلى متاعب بنسبة 21% من مجموع ازمات العنف, وقد اسفرت عن اصابة 23 ومقتل 6 مواطنين و25 شرطيا علاوة على خسائر مادية وتلفيات لم تستطع الصحف تقديرها, واللافت للنظر ان ما جرى كان بسبب اعتراض المواطنين على قيام الشرطة بتنفيذ قرار حكومي, وهو ما يعني ان كثيرا من القرارات تؤخذ من المكاتب بعيدا عن ما يعاني منه الناس ومن ثم يكون الصدام. لكن, تبقى المشكلة المزمنة التي وعد بحلها كل وزراء الداخلية بلا استثناء, مشكلة معاملة المواطنين في اقسام الشرطة, وبعيدا عن التجاوزات الفردية هنا يرصد التقرير 4 ازمات عنف من النوع الثقيل جرت في عام ,1998 ولقد اسفرت هذه الحوادث عن مصرع واصابة 6 مواطنين علاوة على الخسائر المادية والتلفيات, وبخلاف الصورة غير المريحة لرجل الشرطة في عيون الناس. ويقول التقرير: اننا على ما يبدو لا نتعلم من ازمات التعامل بين الشرطة والمواطنين: ان هذا التعلم هو فريضة غائبة أو مغيبة بدليل النمط التكراري لتلك الازمات, وهي رغم قلة عددها الا ان اثارها السلبية بالغة الخطورة على الاوضاع الامنية وحالة الاستقرار بصفة عامة وعلى صورة رجال الشرطة والثقة بينهم وبين المواطنين وفي سياق عدم التعلم نشير هنا إلى أن الحوادث الاربعة جاءت نتيجة موت أحد المواطنين, ثلاثة منهم في أقسام الشرطة والرابع اثناء القبض عليه في منزله.. وأن اثنين من المواطنين الاربعة صدرت ضدهم أحكام قضائية عديدة.. أي أنهم من محترفي الاجرام.. وهو ما قد يغري أفراد الشرطة باستخدام العنف ضدهم.. كذلك فان الحوادث وقعت في أقاليم وليس في مدن كبرى وهو ما يعني أن بعض رجال الشرطة في الأقاليم يشعرون بضعف الرقابة عليهم) . وينتقل التقرير لباقي الكوارث الاخرى التي صنعها الاهمال.. الحرائق.. وقد وقعت في ذلك العام 42 حريقة أدت كل منها الى كارثة.. فقد أسفرت عن تدمير 93 منزلا.. وقتل واصابة 167 شخصا.. وتدمير 35 مصنعا.. خسائرها 8.68 مليون جنيه.. وتمثل الحرائق في مصر 3.12% من مجموع الكوارث في الغالب.. وهي نسبة لامثيل لها في الدول الفقيرة والمتخلفة.. وأسبابها يمكن تلافيها.. عقب سيجارة.. ماس كهربائي.. شرر متطاير من نيران مشتعلة يتدفأ من أشعلها على ألسنتها أو يصنعون الشاي.. وتأتي القاهرة (العاصمة والمدينة الأولى) في المرتبة الاولى. ورغم الانفاق الكبير على الخدمات العامة ورغم التحسن الواضح فيها.. فان العنصر البشري غير المدرب على ادارتها أو صيانتها قد يؤدي بها الى كوارث تعاني منها.. وقد وقع في عام 1998.. العام الذي يتناوله التقرير 17 كارثة خدمة عامة بنسبة 9.5% من جملة الكوارث التي وقعت.. وفي القاهرة وحدها انفجرت مواسير المياه 4 مرات.. وتعطل مترو الانفاق بسبب انقطاع الكهرباء 3 مرات.. وتعطل المرور بسبب انسداد كوبري (أكتوبر) 3 مرات.. على الأقل. وفي العام نفسه وقعت 14 كارثة تسمم.. و14 حادث انفجار في انابيب البوتاجاز.. و8 كوارث بحرية.. وانهارت 6 عمارات ومصانع.. وهو ما أدى الى وجود 21 طلب احاطة و11 سؤالا واستجوابين في مجلس الشعب.. وهو ما يعني وهو الأخطر والأهم أن هذه الكوارث صناعة بشرية مصرية خالصة.. وليست من عند الله.. ولا هي كوارث طبيعية.. فالطبيعة على مايبدو قد ترفقت بحالنا فلم تضف على ما نصنعه بأنفسنا من كوارث كوارث من عندها.. فلا عواصف.. ولا أعاصير.. ولا فيضانات.. ولكن.. بشر يحترف الاهمال.. ولا يتعلم من ما تمر به من تجارب. شكرا للطبيعة على كل هذه الرحمة.. وشكرا لكل من ساهم في هذا التقرير.. فلعل وعسى ان نجد من يقرأ ما فيه.. ثم لا يلقى به في النار فيشعل حريقا.. يضاف الى تقرير العام التالي.. وهكذا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات