انحرافا اليمين واليسار في حزب اليسار ، بقلم ، عبد القادر ياسين

ثمة خلط ملحوظ في الأوراق والمصطلحات.. فلطالما خرجت أصوات من داخل حزب اليسار تتهم جناحا في الحزب بالانحراف اليساري.. وجناحا آخر بالانحراف اليميني.. فمن أين أتوا بهذين المصطلحين؟ وما المقصود بكل منهما؟ وهل ثمة يمين ويسار داخل اليسار؟ والأهم من هذا كله.. ما معايير الإدانة بأي من الانحرافين ؟ حتى لا تضيع الطاسة.. ويتهم أي كان.. من يشاء.. بالتهم التي ينتقي ويختار فانه يصبح من الملح تغطية هذا الأمر.. والإجابة عن هذه الأسئلة. جذر الاسم حين جلس المعارضون في مقاعد يسار البرلمان الفرنسي.. غداة الثورة الفرنسية (1789).. اكتسبوا صفة (اليسار) منذئذ.. بل منحوا الصفة نفسها لكل دعاة التغيير والتقدم في أي مكان في العالم.. منذئذ وإلى ما شاء الله.. حتى أن أديب فرنسا الكبير.. الذي عادا الثورة الفرنسية.. فيكتور هوجو.. قال : (اليسار هو المعارضة) ! على ما في تعريفه هذا من تسطيح؟ ذلك أن اليسار أوسع وأعمق من مجرد المعارضة.. إذ قد تأتي المعارضة من على يمين السلطة. إلى ذلك ثمة النسبية في التسمية؟ فإذا وقفت في دمشق.. ووجهت وجهك نحو حلب في الشمال.. كانت بغداد إلى يمينك.. وبيروت إلى يسارك. لكنك إذا ما انتقلت إلى طهران.. واتجهت بناظريك إلى البحر الأسود.. شمالا.. فإن بغداد تغدو إلى يسارك.. وبيروت إلى أقصى يسارك.. بينما كراتشي وكابول إلى يمينك. أما إذا انتقلت إلى بيروت.. ووقفت على أطلال صبرا وشاتيلا.. وأعطيت ظهرك للسعودية.. ووجهت وجهك شطر تركيا.. فإن برج البراجنة.. وبير العبد سيكونان إلى يسارك.. وفرن الشباك.. وبيروت الشرقية إلى يمينك. يمين ويسار في اليسار لعل من المتفق عليه أن حزب الطبقة العاملة الأجدر بصبغة (اليسار) .. ومع ذلك فلطالما توالدت تيارات في هذا الحزب.. يوصف بعضها بالانحراف اليساري.. أو بالاتجاه فوق اليساري.. أو بالانتهازية اليسارية.. أو بالطفولة اليسارية.. أو بالاتجاه المغامر.. مقابل الانحراف اليميني أو الانتهازية اليمينية.. أو الطفولة اليمينية. فيما يبقى الاتجاه الثوري متمسكا بالخط الصحيح.. فلا يفقد الاتجاه.. ولا يسقط أسير الشطط في التحليل.. أو المواقف. من أين تأتي الانحرافات؟ من المصادر التي تمد الحزب بالدماء الجديدة. وهذه المصادر متضاربة في أفكارها.. وقيمها.. فيحدث التضارب داخل الحزب.. ويتجمع المتقاربون في الأفكار والقيم داخل تيارات. بيد أن خطر الانحراف.. يمينا ويسارا.. ينحصر في علاقة طردية مع اتساع الديمقراطية داخل الحزب.. وتكثيف التربية السياسية والنظرية للأعضاء. لكن كيف يعبر كل انحراف عن نفسه؟ خشية الوقوع في الأسلوب المدرسي.. فسنتجنب توزيع مجالات التعارض بين (فوق اليسار) وبين (الانحراف اليميني) وبين (الاتجاه الثوري) في جداول.. مكتفين بتوزيعها على الشأن السياسي.. والشأن التنظيمي.. والعمل الجماهيري. في السياسة تغتني السياسة.. وتتعدد وجوهها.. وتعبيراتها.. وفي كل هذه الوجوه والتعبيرات يتجلى التمايز ـ وأحيانا التعارض ـ بين التيارات الثلاثة داخل الحزب اليساري الواحد. ففي التخطيط السياسي.. يحدد الثوري الهدف الاستراتيجي.. تحديدا دقيقا.. دون ما مبالغة.. أو تسطيح.. وبما يتفق وطبيعة المرحلة الثورية. أما فوق اليساري فيشطح إلى ما هو أبعد من المرحلة الثورية الراهنة.. والأمر نفسه بالنسبة للهدف الاستراتيجي. فيما يهبط اليميني بالمرحلة الثورية.. درجة أو أكثر.. ومعها الهدف الاستراتيجي. على سبيل المثال.. إذا كانت البلاد تمر بمرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية, فإن الثوري يلتقطها.. أما فوق اليساري فيصر أنها الثورة الاشتراكية.. فيما يقزمها اليميني إلى مجرد ثورة وطنية. في السلوك السياسي.. نجد الثوري متوازنا.. بينما اليساري أرعن متخبطا.. أما اليميني فمتهالكا.. في مجال مواجهة الأعداء يتمتع الثوري بالجسارة.. بينما يتهور فوق اليساري.. ويجبن اليميني.. وعند تقدير الموقف.. فأن الثوري يصدر عن دراسة علمية للواقع.. فيما يصدر فوق اليساري عن تغيير ذاتي.. ويقع اليميني أسير الأوهام. في التكتيك والاستراتيجية.. يضع الثوري التكتيك في خدمة الاستراتيجية.. ونراه مرنا في الأول.. حاسما في الاستراتيجية.. في حين يكتفي فوق اليساري بالاستراتيجية.. وينبذ التكتيك.. فيما يتصلب في الاثنين معا.. وربما بالدرجة نفسها.. فيما يمارس اليميني التكتيك على حساب الاستراتيجية.. ويصل بالمرونة إلى المجال الاستراتيجي.. ماسحا الحدود الضرورية بين الاستراتيجية والتكتيك. إذا كانت الأهداف المرحلية مجرد محطات عند الثوري.. تقربه إلى الهدف الاستراتيجي.. فإن فوق اليساري يستصغر شأن هذه الأهداف المرحلية ويزدري الكفاح المطلبى.. متمترسا خلف شعار: (كل شئ أو لا شئ) .. مستمرئا أهداف المراحل.. فيما يكتفي اليمين مع الإصلاح دون الثورة. التسوية والحلول الوسطى مقبولة لدى الثوري.. مادامت مرادفة للهزيمة.. ولا تقطع الطريق على مواصلة الكفاح من أجل استرداد ما تبقى من الحقوق و مادامت هذه التسوية.. أو الحلول الوسطى.. مجرد هدنة.. غدت الثورة (أو الحزب) في أمس الحاجة إليها.. أما فوق اليساري فيرفض التسوية دوما..في حين يسعى إليها اليميني.. ويسعد بها.. ويركن إليها.. (على البارد والحامي) . أما أشكال الكفاح فينسق الثوري بينها.. تقديما وتأخيرا.. بما يستجيب للتبدل المستمر في الوضع الثوري.. وبما يتفق وموازين القوى مع الأعداء.. فضلا عن المزاج الجماهيري.. أساسا. أما فوق اليساري.. فيقسم أشكال الكفاح إلى (ثورية) و(غير ثورية) . ومن البديهي أن ينبذ الأخير لحساب الأول. فيما يعتمد اليميني كل ما هو متواضع.. ومشروع.. وآمن من أشكال الكفاح هذه. عند وصول الصراع الطبقي إلى نهاية فاصلة.. تطل الأزمة الثورية برأسها.. معبرة عن نفسها بعجز الطبقة السائدة عن الاحتفاظ بالسلطة.. ووصول سخط الجماهير عليها إلى ذروته.. فترفض الاستمرار تحت حكم الطبقة السائدة.. وتستبد بالجماهير رغبة جامحة في إسقاط هذه الطبقة.. وتهز هذه الأزمة المجتمع من جذوره.. وفيما ينسد الطريق.. مفسحا للمجال الجديد على أنقاض القديم .. هنا يتحتم على حزب الطليعة اللجوء إلى قرارات.. وشعارات بسيطة.. مكثفة.. مع قيادة النضال. هنا يسود الحسم.. ويلتحم الاستراتيجي بالتكتيكي.. ويترادفان وتتم رؤية القريب من خلال المنظور البعيد.. ويلعب الفكر والوعي السياسيين دورا حاسما في هذه الأزمة.. التي يفضي نضوجها إلى تسريع التأثير المتبادل بين الموضوعي والذاتي. في الأزمة الثورية ثمة ظرف زمان.. وظرف مكان.. ووضع مناسب.. وهي أمور اصطلح على تسميتها مجتمعة (اللحظة الثورية) التي يتحتم على الحزب أن يسارع إلى التقاطها.. ليتحرك سريعا. رغم أن اللحظة الثورية هي أزمة ثورية.. إلا أن الأخيرة ليست دائما.. لحظة ثورية.. إذ يفتقر ظرف الأزمة إلى العامل الذاتي المؤهل (الحزب والجماهير المهيأة للثورة). كما يحدث في الأزمة الثورية أن تجد الطبقة الحاكمة منفذا للإفلات من المصير الأسود الذي ينتظرها.. الأمر الذي يستحيل مع اللحظة الثورية. حين تحل اللحظة الثورية.. من فوره.. بينما كل اللحظات عند فوق اليساري ثورية.. أما اليميني فرأيه تفويت اللحظة الثورية.. حتى لو حدث والتقطها! ويوازن ( الثوري بين العوامل الذاتية والعوامل الموضوعية.. بينما يعطي فوق اليساري الأولوية للذاتي.. ويهمل الموضوعي.. إلى حد بعيد.. إما اليميني فيركن إلى العامل الخارجي.. ويعلق عليه الأمل. يحدد الثوري أطراف معسكر الثورة.. تحديدا دقيقا.. مع موقع كل طرف داخل هذا المعسكر. فيما يضيق فوق اليساري هذا المعسكر بما يعتبره (الطبقات الجذرية) أو (الأشد ثورية) لأنها (الأكثر استعدادا للتضحية) . بينما يعمد اليميني إلى توسيع هذا المعسكر.. فيحشر فيه بعض الأطراف المحايدة.. بل أحيانا المعادية.. محاولا مسح الحدود بين يمين هذا المعسكر.. ووسطه.. ويساره.. يرتب الثوري أطراف معسكر الأعداء في نسق موزون.. فيما يوسع فوق اليساري هذا المعسكر.. كلما استطاع إلى ذلك سبيلا.. بإقتحام محايدين فيه.. وربما بعض أصدقاء الثورة المترددين.. أما اليميني فيضيق هذا المعسكر.. بإخراج بعض أطرافه منه وإقحامهم معهم في معسكر الثورة وأصدقاؤها. داخل التحالف.. يثمن الثوري إيجابيات (العدد الطبقي) الحليف. ويندد لسلبياته.. معتمدا صيغة (وجدة / صراع / وحدة) مع كل الحلفاء.. أما فوق اليساري فيعمد إلى تفخيم سلبيات العدو الطبقي الحليف.. وتجاهل إيجابياته.. لذا فالتحالف عند فوق اليساري منقوض.. من أساسه.. لأن الأمر عنده محصور في معادلة (صراع / صراع) . وفي الضفة الأخرى فإن اليميني يعمد إلى تضخيم إيجابيات (العدو الطبقي) الحليف.. مع إسدال الستار على سلبياته. أو تلميعها.. وتبديدها.. فهذا اليميني يسلم مقوده مختارا.. إلى يمين معسكر الثورة.. معتمدا الوحدة دون صراع.. أي أنه مع الذيلية الكاملة ليمين الثورة. في التنظيم تنعكس الانحرافات السياسية على المجال التنظيمي.. في حين لا يرى الثوري السياسية منفصلة.. فإن فوق اليساري يبالغ في دور السياسة في التنظيم.. فيما يجرد اليميني الشأن التنظيمي في أي طابع سياسي.. في مجال التنظيم الحزبي.. يعتمد الثوري صيغة التنظيم الحديدي المحكم.. بينما يجعل منه فوق اليساري تنظيما مغلقا.. ماسونيا.. وعلى العكس منه اليميني الذي إلى تنظيم حزبي فضفاض.. ضعيف الانضباط. أما الصراع الداخلي في الحزب فيعالجه الثوري بفتح الحوار حول مختلف القضايا ولا يلجأ إلى قهر الأقلية.. ويلوذ ـ دوما ـ بالديمقراطية الداخلية. فيما يفضل فوق اليساري قمع الرأي الآخر داخل الحزب.. والتعامل مع الصراع الداخلي بالعنف. فيما يتمتع اليميني هنا بليبرالية زائدة.. جاهدا لتحويل الحزب إلى سياسي.. أو سوق عكاظ.. دون أن يمنعه هذا من العنف بالرأي الآخر.. من حين إلى آخر. في ظل ميزان قوي مختل لصالح العدو الطبقي (في الحكم).. فإن الثوري يعمد إلى التنظيم السري.. مكتفيا بالقليل من التغيرات العلنية.. الضرورية لاستمرار العمل.. مع التنسيق بين السري والعلني.. دفق التغيرات.. بينما يلوذ فوق اليساري بالسرية. ويزدري التعبيرات العلنية.. ويهملها.. ويرفض توظيفها.. عندما تتاح له.. أما اليميني فدأبه العلنية الاستعراضية على حساب السرية. مع الجماهير يمتد خط الانحراف من التنظيم إلى العمل الجماهيري ففي حين يحرص الثوري على الارتباط بالجماهير.. وترشيد عفويتها.. وتعليمها.. والتعليم منها.. يشكك فوق اليساري في الجماهير.. يستصغر شأنها.. ويتعالى عليها. أما اليميني فيقدس عفوية الجماهير.. ما دامت تسند أخطاءه.. وخطاياه. ولا يستشهد هذا اليميني إلا بالمواقف الخاطئة للجماهير على أنها الصح بعينه. علما بأنه يزدري الجماهير في قراءة نفسه. في الوقت الذي يركز فيه الثوري على العمل في النقابات.. بما في ذلك النقابات الصفراء.. فإن فوق اليساري يأبى العمل في مثل هذه النقابات.. ويميل إلى تشكيل نقابات سرية.. سعيا وراء (نقاء) يساريتها. أما اليميني فيستسلم للعمل النقابي.. ويرخي قلوعه لرياح ذاك العمل.. دون أن يحاول اليميني النضال داخل تلك النقابات.. وصولا إلى تعديل ميزان القوى داخلها لصالح حزبه.. وطبقته. في السياق نفسه.. يقف الثوري مع المشاركة في انتخابات البرلمان البرجوازي.. باعتبارها فرصة ثمينة لطرح برنامج الحزب.. على أوسع نطاق.. وتدريب أعضاء الحزب على العمل الانتخابي.. وحثهم على استيعاب أسراره وآلياته.. ناهيك عن أن مشاركة الحزب المعارض في الانتخابات.. تغدو إختبارا لمحاولة الحكم تزوير تلك الانتخابات.. وإذا حدث ووصل عضو أو أكثر من أعضاء الحزب إلى البرلمان.. فإن فرصة ذهبية تتاح لاستخدام منبر البرلمان من أجل تبني مصالح الشعب ومطالبه.. ولإحراج السلطة الحاكمة .. وكشف ممارساتها. على أنه ما أن تفقد غالبية الشعب ثقتها في البرلمان المعني ويشتد ساعد المعارضة.. حتى يصبح في إمكانيتها الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات.. لكشف مدى عزلة السلطة.. تمهيدا لإسقاطها. أما فوق اليساري.. فمع مقاطعة كل انتخاباتها البرلمانية.. بشكل مطلق.. بينما يخطط اليميني في كل انتخابات برلمانية.. مهللا لمجرد عضو من حزبه. ويسقط هذا اليميني واجب استخدام البرلمان مثيرا لتبني مصالح الشعب.. وكأن وصول العضو إلى مقعد البرلمان هو الهدف.. وكفى الله المؤمنين القتال. في المجال الفكري لأننا لا يجب أن نهمل العامل الفكري.. فستلاحظ بأن الثوري يعتمد مقولة إن (النظرية رمادية.. أما شجرة الحياة فخضراء) .. فيما يخضع فوق اليساري الواقع.. قسرا للنظرية.. والأخذ هنا نصي, دوجمائي, أما اليميني فيلجأ إلى استخدام الأيديولوجية لتبرير ذيلته للعدو الطبقي.. في الفكر والممارسة.. على حد سواء. تبقى ملاحظتان رئيسيتان.. أولهما التيارات الثلاثة (الثوري.. اليميني.. وفوق اليساري) ليست ثابتة في حجمها.. أو موقعها.. أو حتى موقفها.. إذ لطالما حدث أن التقى فوق اليساري مع انحراف اليميني في غير موقف.. ذلك أن نقطة أقصى اليمين تتطابق مع أقصى اليسار.. فالمواقف السياسية.. في مجموعها.. تكون دائرة.. وليست خطا مستقيما. أما الملاحظة الثانية.. فمفادها أن المنحرف اليميني يرى في الثوري فوق يساري فيما يرى فوق اليساري في هذا الثوري منحرفا يمينا.. وتظل الأمور نسبية.. كما يقول المناطقة. وبعد, فلا ندري لماذا تغفل جميع مدارس الكادر تدريس مثل هذه المادة.. على أهميتها.. ولا ضير في أن يفرغ القارئ المعلومات السالفة في بطاقة صغيرة.. يودعها جيبه.. مرشدا في هذا المجال.. بالذات.. حيث أخذت ترتفع. باطراد.. معدلات الاتهام بهذا الانحراف أو ذاك.. مما يهدد الميدان للمتلاعبين بالكلمات.. والمصطلحات.. والحرص واجب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات