خط مباشر : عفوا أنا خارج القانون! بقلم أحمد عمرابي

لماذا تعارض الولايات المتحدة مشروع اقامة محكمة عدل جزائية دولية؟ هذا السؤال طرحته مجلة (ايكونوميست) اللندنية هذا الاسبوع من خلال حادثة وقعت في منتصف هذا القرن, تقول الرواية : أخرج الجنود مئات من الرجال والنساء والأطفال من قراهم ودفعوا بهم إلى طريق وعندما كان الجمع يتوقفون عن السير لأخذ قسط من الراحة كانت طائرات تنقض لقصفهم بالقنابل, الناجون اختبأوا وهم في حالة ذعر تحت جسر, وعبر الأيام الثلاثة التالية كان الجنود يطلقون عليهم المدافع الرشاشة مما أدى إلى مقتل ثلاثمائة. الجنود والطيارون أمريكيون والضحايا كوريون, والحادثة وقعت عام 1950 أثناء الحرب الكورية, ما الجديد إذن بعد ما يقارب نصف قرن؟ الجديد هو انه بينما ظلت الولايات المتحدة طوال هذه العقود تنكر وقوع الحادثة فإن تحقيقا قامت به وكالة (أسوشيتدبرس) الاعلامية استجوبت فيه من لا يزالون على قيد الحياة من الناجين الكوريين أثبت وقوع المذبحة بأدلة قاطعة موثقة, وعلى هذا الأساس فإن مجموعة الناجين الأحياء قدموا مطالبات بالتعويض لهم ولذويهم من الأموات, لكن الحكومة الأمريكية تماطل وربما تمضي في المماطلة كما هو دأبها في مثل هذه الحالات. هذا هو نوع القضايا الذي تخشى واشنطن ان يكون من اختصاص محكمة جزائية دولية إذا قامت فعلا, وليس معنى هذا ان واشنطن تعارض المبدأ, وإنما معناه انها تقليديا ضد أية هيئة دولية لا تكون خاضعة للسيطرة الرسمية الأمريكية, فواشنطن لا تمانع ان يحاسب آخرون ـ دولا أو جماعات أو أفرادا ـ على أسس العدالة الدولية.. لكن ليس الولايات المتحدة بحال من الأحوال. وهذا يفسر لنا لماذا ظلت الولايات المتحدة مؤخرا تبذل جهودا متصلة لمنع قيام مشروع المحكمة الجزائية الدولية رغم ان عشرات من الدول بما في ذلك دول حليفة صادقت على المعاهدة الخاصة بانشاء المحكمة, وضمن هذا السعي اقترحت واشنطن ربط المحكمة بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي وعندما سقط الاقتراح رفضت المشروع جملة وتفصيلا. ومن المفارقات ان أعضاء الكونجرس الأمريكي بنوا رفضهم لمشروع المحكمة على أساس ان حرية المحكمة واستقلاليتها الدولية في توجيه اتهامات إلى أي دولة ربما يؤدي لخرق السيادة الأمريكية في بعض الحالات بينما في الوقت نفسه ينادي هؤلاء الأعضاء ومعهم مسؤولو الادارة الأمريكية بمن في ذلك الرئيس الأمريكي كلينتون نفسه بأن يكون للأمم المتحدة سلطة التدخل في أية دولة عسكريا تتعرض فيها أقلية للاضطهاد دون ان تقف مسألة السيادة الوطنية لتلك الدولة عائقا أمام تدخل المنظمة العالمية. وهذه ذروة النفاق الأمريكي, والواقع الدولي ينبؤنا بالكثير, فالولايات المتحدة تدعم هيئة الأمم المتحدة والشرعية الدولية بقدر ما تتصدى المنظمة لمن تعتبرهم واشنطن خصوما وأعداء لها في اطار توجهات سياستها الخارجية العالمية, وفي الوقت نفسه تعزل الأمم المتحدة عندما ترى ان من الملائم ان تتولى ـ أي واشنطن ـ الأمر بنفسها, وعلى هذين القياسين يجب ان يخضع العراق للشرعية الدولية ولكن قصف صربيا اليوغسلافية يكون شأن أمريكا والحلف الأطلسي وحدهما, ومن ناحية أخرى تقصف الولايات المتحدة (ومعها بريطانيا) العراق يوميا بالطائرات على أساس تنفيذ اجراء فرض الحظر الجوي على العراق وهو اجراء لم يصدر عن الأمم المتحدة. وعلى خط مواز ترفض الولايات المتحدة المصادقة على المعاهدة الدولية لحظر التجارب النووية لأن المعاهدة قد تعوق تطوير البرنامج النووي الاسرائيلي, ولكن في الوقت نفسه تواصل واشنطن الضغط على باكستان (وإلى حد أقل الهند) لحملها على المصادقة على المعاهدة. هذه الازدواجية الأمريكية تلخص في الحقيقة القاعدة السائدة في ساحة التعامل الدولي: المصالح الحيوية هي الهدف.. والدبلوماسية هي الوسيلة, والقوة هي سند الدبلوماسية, أما المبادئ المثالية فهي مجرد غطاء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات