البرازيل .. بين منطق (الواقع الخاص) ومنطق الواقع العالمي، بقلم الدكتور طلعت شاهين

هناك أحداث ووقائع تحدث في أمريكا اللاتينية تهرب من بين يدي المنطق الذي يحكم تطور الأوضاع العادية في أي مكان آخر من العالم, فيرى من يتابع تطورات تلك المنطقة أن تلك الأحداث غير طبيعية في تطورها باعتبارها غير متسقة مع التفكير العلمي الذي يجب أن يضع لكل أزمة سببا واضحا ومقبولا , حتى يمكن الوصول إلى الجذور الحقيقية للازمة, لذلك فإن التعامل مع تلك الأحداث بمنطق الوقائع العادية لا يؤدي إلى إمكانية فهمها فهما جيدا, مما يكاد يخرج بها دائما عن أي مفاهيم واقعية, فقد أصبحت السياسة والاقتصاد هناك تماما كالواقعية السحرية في الأدب, تلك الواقعية (الفنية) التي كانت سببا في تفرد جيل كامل من الكُتاب في عالم الرواية, والتي انتهت بأحدهم إلى جائزة نوبل. هناك أزمات في عالم الاقتصاد في تلك المنطقة غير مفهومة بالنظر إليها من خلال منظار منطقي, لذلك لابد من التعامل معها بمنطقها, خاصة عندما نتحدث عن أوضاع دولة ضخمة الحجم والمكانة مثل البرازيل, التي تعتبر أ كبر سوق في منطقة أمريكا اللاتينية من حيث حجم التبادل التجاري الذي يتم فيها, ولذلك يمثل اقتصادها الركن الرئيسي في (مجموعة سوق الجنوب) أو (ميركوسور) , التي تضم الأرجنتين والأوروجواي والباراجواي, ثم التشيلي كعضو مشارك لا يزال على حافة الانضمام الكامل في هذه الكتلة الاقتصادية, التي تمثل حلما لإقامة تجمع اقتصادي قادر على التعامل مع تلك المنطقة كسوق واحدة. على الرغم من هذا الحجم الكبير في التبادل والقدرة على امتصاص فائض الإنتاج في العديد من دول العالم, وبشكل خاص فائض الشركاء في ميركوسور, إلا أن البرازيل تعرضت لهزة ضخمة لم تعصف بها وحدها فقط, بل كادت أن تعصف بكل مجموعة ميركوسور, خاصة بعد أزمة (النمور الآسيوية) , التي اهتزت لها الأسواق الاقتصادية العالمية, فقد كانت التعاسة الأكبر من نصيب الدول التي تكون مجموعة ميركوسور, بل كان السوق البرازيلي هو الحائط الذي احتمل الضربة الأقوى في تلك الأزمة, وكادت تطيح بكل المكتسبات التي حققتها خلال سنوات التسعينات, فكان منقذها من الانهيار النهائي هو (صندوق النقد الدولي) , الذي هب كالعادة فارضا شروطه التي لا تُناقش ولا تُرد, والتي قبلتها البرازيل مرغمة لإنقاذ عملتها من الانهيار الكامل على أمل أن تجد في شريكاتها من مجموعة ميركوسور عونا يقيها السقوط الكامل في مستنقع صندوق النقد. لكن وكما في الواقعية السحرية في الأدب الأمريكي اللاتيني, فان الأرجنتين التي تعتبر الشريكة الكبرى في تلك المجموعة لم تجد في إنقاذ البرازيل إنقاذا لنفسها أيضا من شبح أزمة اقتصادية يمكن أن تزحف على أسواقها باعتبارها جزءا من تلك المنظومة, بل لم تكن على استعداد للمساعدة في هذه اللحظة الحرجة, على العكس تماما من ذلك, كانت على استعداد لأن تكون أحد المخالب التي استخدمها صندوق النقد الدولي ومن يقف من ورائه لمنع تلك المعونة عن البرازيل, بل وتهديد استمرار التعاون الاقتصادي بين الدول التي تشكل هذه الكتلة الاقتصادية الناشئة التي تتزعمها البرازيل. الأرجنتين كدولة في عهد الرئيس كارلوس منعم لم تعد لها سياسة وطنية تقف على استراتيجية بعيدة المدى تحافظ على مصالحها الوطنية, بل تعيش موزعة ما بين تحقيق أحلام رئيسها, وصراع (الدلافين) الذي يشهده حزبه الحاكم لإبعاده عن اللعب بالدستور للمرة الثالثة على التوالي, بحثا عن تفسير مشوه يسمح له من تحقيق أحلامه في الترشيح للانتخاب للرئاسة للمرة الثالثة, بعد أن كان أول رئيس أرجنتيني يمارس هذه الهواية كمرشح لفترتين متتاليتين. لهذه الأسباب, بدلا من التعاون لمواجهة الأزمة التي حاقت بالعملة البرازيلية وتركت تأثيراتها السلبية على الاقتصاد, بدأت حرب غريبة بين الشريكتين الأكبر والأكثر ثقلا في تلك المجموعة, في شكل تنافس على النكوص عن تنفيذ الاتفاقيات الثنائية والجماعية التي تفتح الأبواب أمام منتجات كل دولة في أسواق الدولة الأخرى, وتنامى الصراع ليصل إلى ما يشبه الحرب التجارية بين البلدين. كانت البداية ناتجة عن محاولات البرازيل التخفيف من حدة أزمة عملتها المنهارة, قرارها فرض قيود على التبادلات التجارية بين الأرجنتين والبرازيل, فتم وضع قيود على استيراد منتجات أرجنتينية شملت المصنوعات الجلدية والحليب والأرز, مما أدى إلى أن تقف حكومة الرئيس كارلوس منعم موقفا مشابها, وبدلا من تفهم الأوضاع الداخلية للسوق البرازيلية ومحاولة التوصل إلى تفاهم من خلال الحوار بين الشركاء, قررت حكومة كارلوس منعم فرض قيود على منتجات أساسية للتبادل بين الجانبين مثل المصنوعات الجلدية والمنسوجات والسكر واللحوم. الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم كان يعلن عن هذه الممارسات باعتبارها ردا على الخطوات التي اتخذتها البرازيل, لكنه في الواقع كان يتخذها كجزء من حربه الداخلية للعودة إلى كرسي السلطة في فترة رئاسية مقبلة, بعد أن أطبقت عليه المعارضة وحرمته من لوي عنق الدستور مرة أخرى, فقرر اللعب على الوتر الأمريكي, وبدأ في حملة غريبة يحاول من خلالها ربط اقتصاد بلاده وعملته بالدولار الأمريكي, دون أن يلقي بالا إلى الأصوات التي أعلنت عن مدى خطورة ربط العملة الوطنية بعملة أجنبية, بل ولم يقدر خطورة ذلك على عملات الدول الشريكة في مجموعة ميركوسور, التي يمكن أ ن تجد نفسها فجأة ضحية لازمة اقتصادية أجنبية عنها. بل وصلت هذه الحرب إلى مجالات أخرى, عندما أعلن الرئيس كارلوس منعم أنه بصدد منح الولايات المتحدة قاعدة عسكرية في منطقة تقع على الحدود ما بين الأرجنتين والبرازيل لتكون قاعدة انطلاق للقوات العسكرية للولايات المتحدة, التي فقدت قاعدتها الأساسية في بنما, والتي بدأت في الجلاء عنها بالفعل, ويجب أن تقوم بتسليمها نهائيا في آخر يوم من هذا العام ,1999 تنفيذا لاتفاقيات (كارتر- تورخيوس) التي تم توقيعها بين الولايات المتحدة وبنما عام 1975. هذا القرار أدى إلى زيادة حدة الخلاف بين الأرجنتين والبرازيل, والتي كادت أن تؤدي إلى قطيعة كاملة تهدد استمرارية تجمع سوق الجنوب (ميركوسور) , لا يخفف من حدتها سوى أن الرئيس كارلوس منعم اصبح على وشك أن يغادر كرسي السلطة في بلاده, ولم يعد ممكنا له الاستمرار إلى أن يتم الاتفاق النهائي حول القاعد ة الأمريكية في الأرجنتين الذي لا يزال في طور الوعود والتمني, لأن فترته الرئاسية الحالية تنتهي في أكتوبر المقبل, وأي من المرشحين لرئاسة الأرجنتين من بعده, سواء من حزب كارلوس منعم الحاكم أو من الحزب الراديكالي المعارض, ليست لديه النية في السير على طريق الرئيس منعم باتجاه الارتماء الكامل في أحضان الولايات المتحدة, وأي من المرشحين ليس على استعداد لربط العملة الوطنية الأرجنتينية بالعملة الأمريكية, وبالتالي تصبح دعوات الرئيس منعم حبرا على ورق أو مجرد تصريحات. لكن خروج منعم من رئاسة الأرجنتين لن يعني انتهاء الخطورة على الاقتصاد البرازيلي, لأن الأوضاع الداخلية ليست مستقرة بالشكل الذي يمكن معه للسلطات البرازيلية أن تجد فيها سندا لمواجهة المؤسسات المالية الدولية, لأن تلك المواجهة تتطلب خفضا للانفاق الاجتماعي الداخلي في الوقت الذي يطالب فيه عمال الدولة بزيادة في الرواتب والمخصصات لمواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة, والناتجة عن تطبيق (روشتة) صندوق النقد الدولي, فيما يتهرب رجال الأعمال الكبار من الضرائب, كل هذا يخلق القلاقل وعدم استقرار مما يدفع برؤوس الأموال الأجنبية إلى الهروب بعيدا عن مواطن الخطر في دولة اقتصادها مهدد بالانهيار, والبحث عن مناطق لممارسة (المضاربة) أكثر أمنا من البرازيل, لذلك لا يمكن القول ان الأزمة الاقتصادية في البرازيل انتهت أو على وشك الانتهاء, حتى لو اختفى الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم من على خارطة السياسة في أمريكا اللاتينية, لأن أسباب الأزمة موجودة في السياسات المالية التي تتبعها السلطات البرازيلية نفسها, لذلك لا يمكن أن يتوقع أن تعود البرازيل إلى وضعها الاقتصادي السابق على انهيار (أسواق النمور الآسيوية) ما لم يتم التخلص من (شراك) صندوق النقد الدولي, وتطبيق برامج داخلية لإصلاح الوضع حتى يمكن استعادة العافية الاقتصادية. (*)- كاتب مصري مقيم في اسبانيا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات