سؤال تقفز فوقه القوى والتيارات الفكرية والسياسية العربية، هل الديمقراطية تحقق وحدة الأمة وتطورها؟بقلم عبدالكريم محمد

قد لا يخفى على احد منا, واقع المجتمع العربي الآخذ بالتراجع والاضمحلال والانكفاء عن دوره الحضاري والقيمي, بسبب جملة كبيرة من الحواجز والمعوقات المصطنعة, التي تتمثل بشكل واضح وبين بصراع التيارات السياسية, والاجتماعية المكونة للفكر العربي بشكل عام, وعدم اعتراف اي من هذه التيارات للاخذ بحقوقية العيش والبقاء او حتى الشراكة السليمة والتصالح فيما بينها . دون الاغفال او التقليل من دور بعض السياسات التي مازالت ترفض كل اشكال الحرية حتى الفردية منها, والتي تتكئ في ذلك على ادعاء المعرفة الكلية للاشياء, وانها الاقدر على انجاز ما يعجز المجتمع برمته على انجازه, كصاحب لراية الشرعية التاريخية دون غيرها. وان هذه الشرعية بحد ذاتها صالحة لكل زمان ومكان, واي نقد قد يوجه لهذه الشرعية يعتبر ضربا للقيم وانقلابا على المفاهيم والاخلاقيات السائدة لهذا المجتمع. بل اكثر من ذلك هو خروج على المألوف والذي بالضرورة يملي اجتثاث هذه الظاهرة الغريبة التي تؤسس لتدمير المجتمع من الداخل, لدرجة يصل فيها البعض لقناعة كاذبة وهمية مؤداها, ان وجود الخصوصية والهوية الثقافية التي حافظت عليها الامة قد تبلورت بعيدا عن الشعوب المكونة لهذه الامة, وان سر استمرارها رهن ببقاء الانظمة الشمولية بكل مسمياتها واوصافها. الوقوع المشترك ولعله من المؤسف حقا ان السلطة السياسية والتيارات الفكرية بكل تلاوينها وما يقع على تخومها, تعيش بذات الشرك رغم اختلاف حجمها وذرائعها وتحفظاتها على مفهوم الديمقراطية التي يجب ان تسود المجتمع. علما ان الديمقراطية واشاعتها اصبحت اليوم في عالمنا العربي مطلبا عاما اكثر من اي وقت مضى للغالبية, ان لم يكن لكافة الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية المعبر عنها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا, لما تتحلى به من مزايا واقعية تسعى الى عقلنة كل القضايا الاجرائية التي من شأنها الحفاظ على الواقع القائم وتحصنه. وتبديد الكثير من الخلافات والمخاوف الكامنة كالنار تحت الرماد, وفي ظل التعدد الاثني والطائفي الذي يحظى به المجتمع العربي بشكل عام, خاصة بعد ان اثبتت التجارب الماضية على مدار سنوات مديدة عجز الايديولوجيات الشمولية (التوليتارية) والشخصيات الكارزمية عن ايجاد حلول للمشكلات المستعصية, بداية من قضية الوحدة التي اصبحت هدفا يتوق اليه كل ابناء الامة العربية, وانتهاء بالضعف والوهن والتراجع لدور هذه الامة على المستوى الحضاري والانساني التي كانت تتمتع به في وقت مضى. وليس من الغرابة اذا ما اعتبرنا ان التمترس خلف اشكال الحكم أحادية التمثيل, مدعاة لشرعنة العنف بكل اشكاله عند اصحاب الايديولوجيات الشمولية القابعة خارج مؤسسات السلطة, والتي تلجأ الى رفع شعار الديمقراطية كذريعة للوصول الى غاياتها في القبض على زمام الحكم او السلطة, وبعد ذلك تعيد الحياة الى ما كانت عليه ان لم يكن اسوأ من ذلك بكثير. وقد لا اختلف كثيرا مع اصحاب الاعتقاد القائل بأن الديمقراطية ليست حلا سحريا لكل المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية, لكنها بموازاة ذلك قد تكون احد العوامل الاساسية الموحدة التي توصلت لها المجتمعات البشرية بعد تجارب مريرة من العداوة والفرقة والتسابق نحو حالة التماثل المشوهة. ومن المؤسف حقا ان كل النظريات العربية التي تجاهلت موضوعة الديمقراطية, قد باءت بالفشل الذريع والمفجع, بسبب تغيب ارادة ابناء الامة, مما ابقى حالة الفرقة والصراع الداخلي على المستوى القطري, فلم تذوب هذه القطرية الفاقدة للديمقراطية الانتماءات العشائرية والقبلية والمذهبية, بقدر ما اكدتها من جديد واعطتها كل عوالم الديمومة والبقاء, بل وفسحت لها المجال رحبا لصراعات ثانوية قد تهدد اجلا ام عاجلا بتدمير بنى المجتمع المدني برمته واصبح الولاء بظل غياب الديمقراطية بدلا من ان يكون للأمة ومصالحها القومية العليا, للطائفة والعشيرة والاسرة والحزب والسلطة المحلية وللعرق.. الخ. حتى اصبح المواطن العادي ومن خلال تربيته المريضة الفاقدة للديمقراطية يتشدق بل ويتغنى بانتمائه القطري على انه مكرمة يثاب عليها, ويدافع عن هذا المرض اكثر مما يدافع عن معتقداته العامة والشخصية دون الالتفات ولو للحظة واحدة لان هذه الامة مختلفة عن كل أمم الارض في صلاتها او اصولها التاريخية الواحدة المتجاوزة للطائفة والعشيرة والقطر, ودون ان يكترث الى ايجاد رؤية سياسية موحدة تسعى الى تأصيل وتعزيز المساعي الديمقراطية في كل الاقطار العربية خاصة وان الديمقراطية ابعد من ان تكون عقيدة شاملة, وهي اقل من ان تكون نظاما اقتصاديا اجتماعيا له مضمون عقائدي ثابت, وانها منهج يقتضيه التعايش السلمي بين افراد المجتمع وجماعاته, ويقوم على مبادئ ومؤسسات تمكن الجماعة السياسية من ادارة اوجه الاختلاف في الاراء وتباين المصالح بشكل سلمي تصالحي مراجعة الحسابات وعليه اذا ما اشيعت الديمقراطية على الصعيد القطري, فلن تكون فيما بعد مقيدة بقيم النظم القطرية العربية, والتي ستؤدي بالضرورة الى تحقيق نتائج ذات بعد اجتماعي واقتصادي وسياسي لا تتعارض مع اساس فكرة الوحدة العربية, خاصة وانها تكون قد حققت رقعا محمية للاقليات المذهبية والطائفية والعرقية وحققت الذات الانسانية لكل ابناء الامة دون استثناء, لانها بالاساس تدعي بأنها شريعة بديلة عن غيرها من الشرائع, ولا تطمع لان تكون عقيدة منافسة لغيرها من العقائد السياسية الشمولية. فالديمقراطية تقوم على مبدأ المساواة السياسية بين الناس باعتبارهم بشرا وتعيد هيكلة المجتمع وتنمي قواه المستقلة عن الدولة وتضع اسس العمل المشترك من اجل فاعليته, وموازنة قواه المجتمعية, التي تسعى بالضرورة بعد ذلك الى اقامة الصرح القومي وتصبح هذه الاقطار معبرة سياسيا عن اهداف المواطنين الذين بغالبيتهم يؤمنون بالوحدة والتكتل كهدف استراتيجي لكي تعيد للامة توازنها وهيبتها بين الامم. خاصة وان المشهد الامريكي والاوروبي ماثل امام المواطن العربي, فالديمقراطية في الغرب هي السر الوحيد لتماسك هذه المجتمعات الهجينة التي لا يربطها ببعضها الاخر سوى المصالح المادية المشتركة, فعندما كانت الديمقراطية غائبة في العصور الوسطى, كانت اوروبا, اسرا واقطاعيات لا يجمعها جامع ولا يربطها رابط سوى بعض العلاقات التي تقوم على المنفعة والربح والخسارة فقط بين طبقات السادة والنبلاء والاقطاعيين على حساب العبيد والاقنان. اما اليوم بعدما تخطت اوروبا مرحلة الديمقراطية, بدأت تفكر بشكل جدي باتخاذ خطوات جادة على الارض لتوحيد دول اوروبا ذات القوميات والمذاهب المختلفة. وكانت اولى هذه الخطوات توحيد الاقتصاد ورفع القيود الجمركية والتجارة البينية, بما يؤسس بالضرورة للوحدة السياسية الفعلية على صعيد القارة. ولعلي اجزم بالقول ان الديمقراطية اذا ما تحققت على مساحة الوطن العربي, فلن تكون هناك أية عوائق باتجاه الوحدة العربية, وستفرض حالة من التحقق الاداري الواعي الذي لا يحتاج الى استنباط اوبحث عن الآليات لان المجتمع العربي وهذه حقيقة لا يوجد فيه, فواصل او موانع او حواجز تحول دون تحقق الوحدة سوى النظام القطري المفروض قسرا على ابناء الامة. وبالضرورة اذا ما تحققت الديمقراطية داخل الاقطار العربية فستكون هذه الاقطار بطبيعة الحال قادرة على الخروج على املاءات وشروط الخارج الذي يستنزفها, وسيصل الغرب الى قناعة مخالفة للقناعة التي ارساها مونتسكيو وغيره من علماء الاجتماع الغربيين في نظرتهم للامة العربية, عندما كتب كتابه (روح القوانين) ان: (شعوب اسيا تحكم بالعصا, لان روح العبودية لم تغادرها مطلقا, لا نجد في كل تواريخ هذه القارة فردا واحدا يحمل علامة من علامات البطولة باستثناء بطولات العبيد) ! وسيعيد الغرب حساباته جيدا امام هذه التحولات الديمقراطية, وستفرض عليه التعامل مع العرب بشكل متوازن قائم على الاحترام وتبادل المنافع المشتركة وسيقلع عن حالة التماهي التي يشيعها بين الشرق والعبودية. والسؤال الذي لابد منه: هل يقتنع العرب بكل تياراتهم الفكرية والسياسية والسلطوية باشاعة نوع ما من الديمقراطية في ظل التغييرات المذهلة الجارية, والتكتلات الدولية الآخذة بالتشكل, وصولا الى اقامة الحد الادنى للوحدة العربية, حتى ولو كانت فيدرالية او كونفيدرالية تعيد لهم خصائصهم الحضارية.. وتحفظ لهم مكانتهم بين الشعوب والامم المتحضرة في القرن المقبل؟ كل هذا يبقى رهن الاعتراف الصادق من قبل كل منا بالاخر, كمخرج حقيقي للابتعاد عن الازمات والاخطار المحدقة بالامة. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات