في ظل نوايا اسرائيل بابتلاع المدينة بكاملها، مطلوب تضافر الجهود العربية والاسلامية لمواجهة ذلك، بقلم محمد خالد الازعر

بعد توقيع اتفاق (واي 2) في شرم الشيخ يوم04/09/999لن يستطيع احد من المنغمسين في عملية التسوية السلمية للصراع الصهيوني العربي, الادعاء بان قضية القدس لم تدخل بعد مرحلة الحسم, او ان كل المشروعات التي حلقت بخصوص مستقبلها, تدخل في باب التكهنات لا اكثر, فقد نص الاتفاق المذكور على بدء استئناف ما سمي بمفاوضات الحل النهائي على المسار الفلسطيني , وتم العمل بهذا النص بعد ايام قليلة. نقول ذلك مستذكرين ان هذه القضية تعرضت لآلية الارجاء والتأجيل ومجالات الالتفاف عليها والقفز لاكثر من عقدين على اقل تقدير وبالتحديد منذ ابرام اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل. ففي غضون هذه الفترة الممتدة, انتهى المفاوضون المصريون والاسرائيليون بمداخلة امريكية قوية, الى حل (اللاتسوية) بالنسبة للقدس ولم يتم التعرض لها في اتفاقية الاطار الخاصة بالقضية الفلسطينية, واستعيض عن ذلك بالاتفاق على تبادل الرسائل بين الاطراف الثلاثة بشأنها وفي تلك الرسائل تكرر الحديث عن المواقف المبدئية لكل من مصر واسرائيل التي وردت في مفاوضات كامب ديفيد, وكانت القضية عموما بكل تعقيدات وتضارب تلك المواقف المسؤول الاول عن فشل مباحثات الاطراف بشأن صفة الحكم الذاتي الفلسطيني الواردة في كامب ديفيد. وفي وقت لاحق, ثبت ان صيغة الكامب اختطت سنة او تقليدا في نماذج التفاوض العربية الاسرائيلية, وهو امكانية تجاوز القضية بتأجيلها وازاحتها للخلف باستمرار. حدث ذلك فيما بعد على صعيد المسار الفلسطيني الاسرائيلي (اوسلو 1993/9/13) والمسار الاردني الاسرائيلي (وادى عربة 1994/10/26). لقد اعتبر المفاوضون العرب ـ دون استثناء الفلسطينيين انهم بهذا التقليد لم يفرطوا في القضية بل وذهب المفاوضون الفلسطينيون الى انهم حققوا انجازا في اوسلو بزعم ان النص الذي علق مستقبل القدس على المفاوضات النهائية يتصل بالمدينة بكاملها, اي بشطريها المحتلين عامي 1948 و1967. وكان هذا الطرح مبالغا في التقدير ولعله كان زائفا في تعامله مع تأثيرات صيغة التأجيل المعتمدة, وذلك لاسباب كثيرة, ابرزها في رأينا: 1ـ ان التأجيل لم يقترن بشرط تعليق او وقف السياسات الاسرائيلية تجاه المدينة المقدسة, كالتهويد ومصادرة الاراضي وهدم البيوت والمعالم العربية الاسلامية والاستيطان الصهيوني وافراغ المدينة من المؤسسات الفلسطينية.. وهكذا كانت اسرائيل هي الطرف المستفيد من هذه الصيغة واذا قيل بان اوسلو وتوابعها قيدت التعامل من طرف واحد مع قضايا الوضع النهائي عموما فان الرد هو انه كان من الادعى للاطمئنان ورود نص صريح بهذا المعنى فيما يخص القدس ومن المؤكد ان اسرائيل ما كانت لترتضي بمثل هذا النص وقد بيتت واعلنت نواياها لابتلاع المدينة بكاملها ولهذا بالضبط وصفنا صيغة التأجيل بالتحايلية والالتفافية. 2ـ لم تتضمن صيغة التأجيل المرجعية القانونية والسياسية التي تناولت مستقبل القدس بالتفصيل طيلة عشرات السنين, والتي يفترض ان يتم التفاوض على اساسها كحد ادنى, وبذلك تراضى الطرفان الفلسطيني والاسرائيلي ضمنيا على ان يكون التفاوض هو مرجعية التفاوض بلا سقف او قاع قانوني او تاريخي.. ومن المعلوم يقينا ان هذه القاعدة لاتعمل لصالح الطرف الفلسطيني. وبوجه عام, كان الطرف الاسرائيلي المستفيد الاول من ازاحة القدس عن جداول اعمال المفاوضات مع العرب, وهو فيما يبدو مازال يراهن على عنصر الوقت الذي تمنحه اياه هذه الازاحة حتى ان بعض ابرز المفاوضين الاسرائيليين (يوسى ييلين) ألح مؤخرا الى ان (هناك ضرورة لاجراء مفاوضات حول القدس دون تحديد وقت وبسبب الرمز الذي تمثله المدينة قد لايتم التوصل الى حل بشأنها في العقد الحالي) . وكان ايهود اولمرت رئيس البلدية الاسرائيلية للقدس اكثر مباشرة حين صرح انه ربما نبقى في المفاوضات حول القدس 25 عاما, بشرط ان لايتغير الوضع الحالي. كيف لا ترحب اسرائيل اذن بصيغة لترحيل القضية وتأجيل البت فيها زمنيا طالما انها المسيطر على التفاعلات الداخلية في المدينة؟ ولكن كما اشرنا لم يعد من المناسب تفاوضيا ان يمضي المفاوض الفلسطيني في هذه الصيغة وهذا يعيدنا الى استحضار حكمة هذا المفاوض ابان جولات واشنطن التفاوضية التي باغتتها اتفاقية اوسلو, بقيادة حيدر عبدالشافي (نوفمبر 1991 ـ اغسطس 19993), فقد استبسل الفريق الفلسطيني لتحديد مصير القدس (الآن وليس غدا) لعلمه بأن التأجيل وعنصر الزمن ليسا محايدين في المسألة بل يعملا لصالح اسرائيل وتوجهها لفرض سياسة الامر الواقع الصهيوني ـ اليهودي في المدينة. سوف تكون نتائج هذه السياسة التي لم يردعها رادع منذ 1948 بعامة ومنذ 1967 بخاصة, اول محددات التفاوض حول مستقبل القدس, ولهذا السبب فان ادراج القدس على جدول المفاوضات النهائية, جريا على تقليد التأجيل كان عيبا كبيرا بين عيوب كثيرة في صيغة اوسلو. وفي سياق بقية المحددات المتوقعة, يمكن التطرق الى: أولا: تأثير الاطر القانونية ذات الصلة, فهناك ميراث معتبر في الشرعية الدولية من شأنه تقوية الموقف التفاوضي الفلسطيني بدءا من قرار تقسيم فلسطين ذاته ـ وقد اشار المتحدث باسم الامين العام للامم المتحدة في 15/11/1988 ان القرار 181 لايزال ساريا ـ وصولا الى عدم الاعتراف الاممي ـ تنظيمات ودولا ـ بالاجراءات الاسرائيلية تجاه القدس. ووفقا لهذه الاطر تعد القدس بشطريها أرضا محتلة من جانب اسرائيل. على انه تجدر الاشارة الى ان التعامل الفلسطيني مع هذه الاطر افصح خلال مسيرة التسوية عن قصور واضح, فكثيرا ما عبر المفاوضون الفلسطينيون ـ مثلا ـ عن انهم يقصدون بعاصمة دولتهم المأمولة القدس الشرقية فقط وهي لا تعدو في الحقيقة اكثر من 11% من مساحة القدس الكلية لعام ,1967 وهم بذلك يخفضون سقف مطالبهم بلا مبرر قانوني مفهوم, كذلك فان هجران الابعاد القانونية الخاصة بقضايا التفاوض الاخرى, سوف ينعكس سلبا على قضية القدس. اذ لماذا نفترض ان هذه القضية ستمثل استثناء من النكوص العام على صعيد الشرعية الدولية الفلسطينية؟ ثانيا: تأثير الابعاد الروحية الدينية الايديولوجية, فثمة تعلق فلسطيني عربي اسلامي, بالمعنى الحضاري الذي يشمل مسيحيي الحضارة الاسلامية, بالمدنية, تعلق يصل الى مستوى الدولة والقداسة المستندة الى ميراث تاريخي ديني حقيقي تدعمه شواهد التاريخ والجغرافيا وأصل المدينة العمراني, وعلى الجانب الآخر, لا يمكن التقليل من شأن الشحنات الدينية العاطفية التي ولدتها الصهيونية اليهودية (والمسيحية الغربية) تجاه المدينة وان استندت الى مقومات اسطورية يمكن دحضها بسهولة (ففي أمر كهذا, ليس المهم فقط هو البحث عن الحقيقة, ولكن عما تتصوره الجموع المتعلقة بالمدينة). وتقديرنا ان هذه المضامين ـ الحقيقية بشهادات دولية كشهادة لجنة البراق 1929 بالنسبة للجانبين العربي والاسلامي, والزائفة على الجانب الاخر, ستكون حاضرة في خلفية مسرح التفاوض, وسيكون على المفاوض الفلسطيني بالذات اثبات جدارة الدفاع عن ما تعتبره الافة العربية الاسلامية ـ حقا مقدسا لها لا يمكن التفريط فيه. ومع قناعتنا بصدقية هذا المفاوض, الا ان السوابق لا توحي بالتفاؤل, فهناك مؤشرات على جنوحه لارضاء الديني في القضية على حساب السياسي ـ السيادي فيها, وقد يفضي هذا الجنوح الى الاكتفاء برفع الاعلام الفلسطينية (العربية ـ الاسلامية بالتداعي) على المقدسات الاسلامية, مع التهاون في حقوق السيادة السياسية على المدينة. وهذا حل يخالف القناعة العربية الاسلامية الحضارية الراسخة بأن قضية القدس هي ايضا قضية سيادة لا عبادة فقط. ثالثا: تأثير موازين القوى الفعلية, وهو محدد يتصل بالقدرات الحقيقية لطرفي التفاوض. فاسرائيل تعمل وتفاوض بحق القوة ولديها السيطرة, والفلسطينيون يفاوضون بقوة الحق وفي غير قضية القدس, كانت الغلبة ومازالت للقوة حتى الآن. واستمرار هذه المعادلة, يعني جدلا ان فرصة اسرائىل اوقع من فرصة الشريك الفلسطيني في تحقيق النتائج والاهداف. ومن هنا, ثمة مدرسة تنادي ـ عن حق ـ بأن جلال هذه القضية وثقلها التاريخي والديني والروحي, لا ينبغي ان يترك نهبا للمعادلة نفسها التي تخضع لها قضايا اخرى. وانه لذلك, لا يعيب المفاوض الفلسطيني ان يعمد الى تشكيل او استدعاء كتلة تفاوضية ظهيرة له بخصوص القدس, فتضافر فيها الجهود العربية والاسلامية والمسيحية المشرقية, لمواجهة التحالف الصهيوني متعدد المصادر. مثل هذه النظرية لا تجرم بالضرورة المفاوض الفلسطيني, لكنها تخشى عليه من الوقوع تحت طائلة ضغوط لا قبل له موضوعيا بدفعها وحده. والحد الادنى لتطبيق هذه النظرية هو تحديد خطوط حمر من النظامين العربي والاسلامي بشأن ما ينبغي الا يتعداه هذا المفاوض في تحديده لمستقبل المدينة اثناء التفاوض. رابعا: تأثير العوامل الدولية: فاسرائيل عمدت وما تزال الى عزل كل الاطراف التي تتخوف من موافقتها المبدئية عن قاعات التفاوض. وهي في هذا السياق, مطمئنة نسبيا في سياسة الراعي الامريكي من دون مختلف المعنيين والرعاة, وعلة ذلك, هو التآكل المستمر في الموقف الامريكي من الحقوق الفلسطينية وصولا الى الاعتراف المعلق مؤقتا بالقدس كعاصمة ابدية لاسرائيل, والواقع ان القوى الدولية ليست سواء في سياساتها تجاه مستقبل القدس. لكن اي تساهل فلسطيني في قاعات التفاوض, لن يواجه بمقاومة عن هذه القوى عموما, كما ان العكس صحيح, فالصلابة التفاوضية الفلسطينية, يمكنها المساعدة في القضاء على الميوعة الملحوظة والمواقف الغامضة من كثير من الاطراف المراقبة الدولية. ومن ذلك, ان الاوروبيين يبدون مواقف وسلوكيات مقبولة في عرف الشرعية الدولية للقدس. لكنهم لن يكترثوا بهذه الشرعية اذا ما اختار المفاوض الفلسطيني العزوف عنها اثناء التفاوض. والعبرة هنا, ان الموقف التفاوضي الفلسطيني هو الاصل في تحدىد مدى المساندة الدولية للحقوق الفلسطينية. والذي لا شك فيه حتى هذه اللحظة ان احياء الميراث القانوني والتاريخي لهذه الحقوق, والاستعصام به, سيلهب الحماس الدولي الى جانب المفاوض الفلسطيني. ويستطيع هذا المفاوض استدعاء تاريخ التعامل الحضاري الاسلامي مع الاخرين, حين كانت القدس تحت السيادة الاسلامية. كما يمكنه الاشارة الى ان القدس اضحت بعيدة عن تقاليد التسامح والتلاقي الديني بمجرد ان وضعتها الصهيونية على جدول اعمالها العنصري. وبالطبع ستكون هذه المحددات ونحوها غير ذات بال, ان كان المفاوض الفلسطيني قد توصل سرا الى اتفاق بشأن مستقبل القدس, وهو امر لا يستبعده البعض.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات