الجزائر بعد الاستفتاء على قانون الوئام المدني، بقلم الدكتور الحسان بوقنطار

تشير الارقام الاساسية التي افرزتها عملية الاستفتاء على قانون الوئام الوطني التي جرت في 16سبتمبر الحالي, ان الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة قد ربح الرهان الذي وضعه. فقد فاقت نسبة المشاركة85%من الناخبين. وهو أمر كان يشكل التحدي الاساسي بالنسبة للرئيس الجزائري, اعتبارا الى ان النتيجة لم تكن تسجل مفاجأة , فقد كان منتظرا ان تلقى مقترحات الرئيس موافقة من طرف الشعب الجزائري, لكن النسبة العالية التي ساند بها الشعب هذا القانون, والتي قاربت الاجماع (اكثر من 98%) زكت موقع الرئيس الجزائري الذي تم انتخابه في شهر ابريل في ظروف اتسمت بانسحاب باقي المرشحين احتجاجا على ما وصفوه بتدخل المؤسسة العسكرية في فرض مرشحها, الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة, فهي بلا شك تشكل شرعية جديدة تضع الرئيس الجزائري في وضعيه تؤهله للقيام بالاصلاحات التي ما فتئ ينادي بها. لم يكن الرئيس الجزائري في حاجة الى الاستفتاء فقانون الوئام الوطني تمت الموافقة عليه خلال الصيف الماضي بأغلبية واسعة من طرف مجلسي البرلمان. الا ان احالة القانون على الاستفتاء لم يكن فقط بهدف توسيع دائرة مساندة هذا النصر التشريعي, بل انه كان يرمي بالاساس الى تحويله الى استفتاء سياسي, وقد كان الرئيس الجزائري واضحا في هذا المجال حيث ربط بين بقائه, وبين ضرورة الموافقة الشعبية على هذا النص, وهي بادرة توخى من خلالها توسيع شرعيته في اتجاه المشككين وتدعيم موقعه في مواجهة الجمعيات والاحزاب التي مازالت ترفض كل تقارب او انفتاح على الاتجاهات الاسلامية, او تلك التي اعتبرت ان القانون لم يكن حاسما بما فيه الكفاية, وكذلك التعبير عن استقلاليته في مواجهة المؤسسة العسكرية وعلى الاخص التيار الاستئصالي داخلها. ولشرح مقتضيات وابعاد هذا القانون الذي يرتكز على التخلي عن متابعة اولئك الذين لم يرتكبوا جرائم دم, واعادة دمج (التائبين) في حركية المجتمع, فقد قاد الرئيس الجزائري حملة واسعة قادته الى مختلف ولايات البلاد, وقد استطاع ان يقدم صورة جديدة للرئاسة في الجزائر. فعلى خلاف الرؤساء السابقين, ولا سيما سلفه اليامين زروال الذي كان منطويا, فقد عبر الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة عن قدرات خطابية هائلة, خاصة باللغة العربية, ولا ريب في ان فترة العزلة التي قاربت العشرين سنة, والتي قضاها في بعض الدول العربية, قد مكنته من مراكمة طاقات تواصلية مهمة. لقد حاول عبر اللقاءات المباشرة المنقولة عبر وسائل الاعلام المختلفة خلق ديناميكية جديدة في البلاد من خلال التسلح بممارسة جديدة تتسم بالواقعية والشجاعة في التصدي للمشكلات العميقة التي تعاني منها البلاد. لقد تجلى ذلك من خلال تشخيصه لأحوال الجزائر, حيث رأى صورة قاتمة للاوضاع في كافة المجالات, ولا سيما الاقتصادية والاجتماعية, وكذلك على المستوى الدولي حيث تراجعت بشكل ملحوظ صورة الجزائر, ومن ثم موقعها في النظام الدولي, وتبعا لذلك لامناص من المصالحة الوطنية المرتكزة على التسامح لمواجهة مخلفات الحرب المدنية التي خلفت اكثر من مائة الف قتيل حسب المصادر الرسمية, دون احصاء الاضرار المختلفة الاخرى التي طالت المجتمع برمته. ويرتكز ذلك على معاينة الواقع السياسي الجزائري الذي بينت تطورات الاحداث خلال العقد الماضي, ان تجاوزه لا يمكن ان يلغي واقعا معقدا يتسم من بين مكوناته الاساسية بدور المؤسسة العسكرية, وبالتالي صعوبة استبعادها من الحقل السياسي, لا سيما في ظل انعدام الاستقرار الأمني, وفي نفس الاطار تندرج جبهة الانقاذ الاسلامية التي كانت قد فازت بأغلبية مقاعد البرلمان قبل اجهاض التجربة, والتي رغم التحولات التي اعتورتها, فانها تبقى مخاطبا لامناص منه في عملية اعادة الوفاق للبلاد. لقد مكنت هذه المبادرة من تقليص الهوة لاسياسية بين انصار الحوار, وما يسمى بالاستئصاليين, فقد استطاعت ان تستقطب مساندة من اطراف متناقضة, كما هو الامر بالنسبة لبعض شيوخ الجبهة, عباسي مدني وعبدالقادر حشاني, والتجمع من اجل الديمقراطية الذي يترأسه سعيد سعدي, والذي كانت معروفا برفضه لكل حوار مع التيار الاسلامي, وهو ما يؤشر لتفاعلات سياسية قد تفضي الى تحالفات جديدة. لا ريب في ان هذا القانون الذي كرسه استفتاء 16 سبتمبر الحالي لا يمكن لوحده ان يحل المعضلات التي تواجهها البلاد, بل انه يفتح امام الرئيس الجزائري امكانيات للتحرك من اجل اقرار السلم والوئام على اساس التسامح كشرط لازم لمواجهة التحديات التي تنتظر البلاد, وفي هذا الخضم ينتظر الكل الاجراءات اللاحقة لهذا القانون, والتي يمكن اختزالها في عدة مستويات المستوى الاول, وهو ذو طبيعة سياسية, حيث ينصرف الى معرفة ما هي المستجدات التي ستعرفها الساحة السياسية, ويتعلق الامر بمعرفة ما اذا كان الرئيس الجزائري سيقدم على تشكيل حكومة جديدة تدمج داخلها الاطراف التي ساندت مبادرته, وهو ما يعني ان حقل التحالف وراء الرئيس الجزائري قد يتوسع ليشمل قوى سياسية جديدة, وفي نفس السياق يثور التساؤل حول انعكاسات هذا القانون على قادة الجبهة الاسلامية للانقاذ, وعما اذا كان الرئيس الجزائري سيقدم على خطوات ترفع عنهم حالة الحصار وتسمح لهم بمعاودة دورهم في الحياة السياسية, ولو في ظل تشكيل حزب سياسي جديد, واكثر من ذلك, فان الكل يترقب الانعكاسات الامنية لهذا القانون, ومعرفة مدى مساعدته على تثبيت الامن والاستقرار من خلال استجابة المعنيين وتوسع دائرة المستفيدين من مقتضياته. لكن اكثر من ذلك, فان مشكلات الجزائر ليست فقط ذات طبيعة سياسية, فكل المؤشرات تبين ان جذور الازمة تكمن في الوضعية الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة وفي هذا الصدد فقد اكد الرئيس الجزائري على رغبته في تطهير الادارة من العناصر الفاسدة وقد اقدم سابقا على عزل عدد من الولاة, ومن المنتظر ان تستمر هذه الحملة لتشمل قطاعات اخرى, وعلاوة على ذلك, فان اخراج البلاد من الازمة يتطلب محاربة البطالة التي تعاني منها نسبة كبيرة من الشباب, ومن المعلوم ان هذه الافة التي تنخر الكثير من المجتمعات لا يمكن مواجهتها الا باصلاحات هيكلية عميقة تستهدف انعاش الاقتصاد من خلال جلب الاستثمارات, ولا سيما الخارجية منها, وقطعا, فان الامكانيات التي تتوفر عليها البلاد, ولا سيما الطاقوية, تجعل منها قطرا مغريا بالنسبة للاستثمارات الخارجية, وقد لاحظنا تقاطر وفود رجال الاعمال قصد استشراف امكانية الاستثمار في البلاد, لذلك فان اقرار الامن يبقى رهينا باحلال السلم الاجتماعي على اساس البحث عن الحلول للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المواطن, واخيرا, فان اعادة تنشيط دور الجزائر خارجيا يبقى من الاهتمامات الاساسية للفترة المقبلة, وبحكم تجربة الرئيس الجزائري كوزير للخارجية في عهد الرئيس الراحل بومدين, وترؤسه لمنظمة الوحدة الافريقية وانفتاحه على التحولات التي عرفها النظام الدولي, فان هناك نوعا من التفاؤل في اعادة تحريك الآلة الدبلوماسية في اتجاه اعادة تنشيط العلاقات مع محيط البلاد الخارجي, وفي هذا الصدد, فان اعادة تحريك المغرب العربي يبقى من أولى الاولويات, وتترقب شعوب المنطقة اعادة فتح الحدود بين المغرب والجزائر حتى يتم تجسير الفجوة, وفتح قنوات التواصل بين شعوب المنطقة, وقد لا يتم ذلك دون تفعيل مقاربة شمولية تدمج كافة التفاعلات بين اقطار المنطقة. بصفة عامة, اذا كان هذا الاستفتاء قد اعطى للرئيس الجزائري شرعية جديدة, فانه في نفس الوقت يوفر له شحنة اضافية لمواجهة المشكلات التي تواجهها البلاد, ولا ريب في ان تجاوز المحنة التي عاشتها البلاد يبقى بتضافر ارادة كافة الاطراف لبناء غد واعد بالسلام والنماء والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. * استاذ بجامعة محمد الخامس ـ الرباط

طباعة Email
تعليقات

تعليقات