الصراعات في افريقيا: اسبابها الماضية والحاضرة، بقلم د. تيسير الناشف

تقوم حاجة الى بذل المجتمع الدولي لمزيد من الجهود لتعزيز السلام والامن في العالم وعلى وجه الخصوص في افريقيا. لقد بقي عدد الصراعات المسلحة الدائرة في القارة الافريقية وحدة تلك الصراعات مثارا للقلق البالغ ويتطلبان استجابة شاملة وسريعة, ولهذه الصراعات اسباب, وتوجد طرق لمعالجتها وتلافيها . ان التقدم السياسي والاقتصادي الذي احرزته افريقيا في مجموعها في السنوات الاخيرة بقي مهددا او معوقا بالصراع في اماكن عديدة من افريقيا, ويشكل هذا الصراع تهديدا لحقوق الانسان الاساسية, لقد اصبح الهدف الرئيسي في كثير من هذه الصراعات ليس اهلاك الجيوش فقط ولكن ايضا المدنيين وفئات عرقية برمتها. ومنذ سنة 1970 اندلعت في افريقيا اكثر من ثلاثين حربا, ودارت الاغلبية الكبرى من هذه الحروب داخل الدول, وفي سنة 1996 وحدها اصيبت 14 دولة من دول افريقيا الثلاث والخمسين بصراعات مسلحة ادت الى كثير من الوفيات الناجمة عن الحروب على النطاق العالمي واسفرت تلك الصراعات عن تشرد ولجوء اكثر من ثمانية ملايين شخص. وقوضت نتائج تلك الصراعات تقويضا خطيرا جهود افريقيا الرامية الى ضمان الرخاء والسلام والاستقرار على الامد الطويل لشعوبها. ولمعرفة مصادر الصراعات فيما يلى عرض لاسبابها: في افريقيا الشاسعة تختلف الدول في حالتها الاجتماعية والاقتصادية وفي تاريخها واوضاعها الجغرافية, ولكل منها مراحل مختلفة للتنمية الاقتصادية وانماط مختلفة من التفاعل الداخلي والاقليمي والدولي ومجموعة مختلفة من السياسات العامة, ويتجلى هذا التنوع والتعقد في مصادر الصراع التي بعضها داخلي ويعبر قسم منها عن المتغيرات في منطقة من المناطق داخل القارة ولقسم آخر ابعاد دولية, وعلى الرغم من هذه الاختلافات يربط بين مصادر الصراع عدد من التجارب والمواضيع المشتركة. تركات الماضي في مؤتمر برلين الذي عقد سنة 1885 قامت الدول الاستعمارية بتقسيم افريقيا وقسمت على نحو تعسفي دول وجماعات كثيرة, وبهذا التقسيم التعسفي ضمت شعوب ومناطق لا علاقة لبعضها ببعض, وفي سنوات الستين ورثت الدول حديثة العهد بالاستقلال في افريقيا هذه الحدود الاستعمارية وواجهت التحدي الذي تشكله هذه التركة لسلامتها الاقليمية وللمحاولات التي تبذل لتحقيق الوحدة الوطنية, ومما زاد من هذا التحدي ان المؤسسات والقوانين والانظمة التي وضعتها الدول الاستعمارية والتي ورثتها بعض الدول الافريقية قصد بها استغلال الانقسامات المحلية لا ازالتها, ولذلك فإن قدرا كبيرا من الجهود التي تبذلها الدول حديثة العهد بالاستقلال يعني ببناء الدولة وبناء الامة في الوقت نفسه, غير انه في احيان غير قليلة كثفت الهيئات الحكومية سلطاتها الاقتصادية والسياسية والادارية وقمعت التعددية السياسية, وفي احيان غير قليلة ادت الاحتكارات السياسية الى المحاباة والفساد واساءة استعمال السلطة. وقلت الصراعات على الحدود بين الدول, ومما اسهم في تعزيز ذلك الاتجاه القرار الذي اتخذته منظمة الوحدة الافريقية في سنة 1963 بقبول الحدود التي ورثتها الدول الافريقية من الدول الاستعمارية, غير ان ذلك لم يتغلب على مشكلة صوغ هوية وطنية حقيقية من بين المجتمعات المحلية المختلفة والمتنافسة. وادى طابع العلاقات التجارية التي اوجدتها الدول الاستعمارية تحريفات طويلة الاجل في اقتصاد افريقيا السياسي. وصممت البنى الاساسية المادية لشبكات النقل لتفي بالحاجات التجارية مع البلد الام الغربي وليس لدعم النمو المتوازن لاقتصاد محلي, وما زالت الدول الافريقية تعاني من شروط تجارية غير مؤاتية من الناحيتين الانمائية والاقتصادية وكانت الانشطة الاقتصادية خلال الحكم الاستعماري موجهة نحو توفير السلع الاولية ودعم الصناعات الاستخراجية الموجهة للتصدير, ولم تحفز هذه الظروف على طلب التحسين المستمر لمهارات القوى العاملة, وكان لهذا النمط من الانتاج والتبادل التجاري اثر قوي في اقتصادات الدول الافريقية في عهد الاستقلال السياسي, وفي دول كثيرة لم يرسخ التنافس السياسي في اقامة نظم اقتصادية وطنية صالحة للبقاء ولذلك استولى النظام السائد على البقايا المؤسسية للاقتصاد الاستعماري من اجل مصالح ضيقة النطاق. وخلال الحرب الباردة التي كانت دائرة بين الكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفييتي والكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة شجعت في احيان كثيرة المواجهة الايديولوجية بين هذين المعسكرين على الحفاظ على النظام والاستقرار فيما بين الدول الحليفة او الصديقة في افريقيا, غير ان التناحر بين هاتين الدولتين في اماكن مختلفة من افريقيا مثل انجولا طالت بعضا من اشد الصراعات ضراوة, ودعمت دول غربية نظما قمعية وباغية ومستبدة وابقت على تلك النظم التي كانت تخدم مصالح تلك الدول. العوامل الخارجية اتسمت المنافسة بين المعسكرين خلال الحرب الباردة ببذل جهود لاضعاف او تقويض حكومات افريقية, لقد قل التدخل الخارجي بعد الحرب الباردة ولكنه لم يختف. ويدور تنافس حاد بين شركات اجنبية على الموارد الطبيعية في افريقيا, وفي هذه المنافسة يكون لهذه الشركات دور قوي في اثارة الصراع او زيادة حدته او اطفاء فتيله. وفي احيان غير قليلة تتدخل الدول الافريقية نفسها بعضها في بعض بحكم اعتبارات اقليمية او تاريخية او عرقية غير ان من اللازم الاعتراف بأثر جهود حفظ السلام والوساطة الافريقية في تخفيف حدة الصراعات او نزع فتيلها. العوامل الداخلية بعد انقضاء ما يزيد على خمسة وثلاثين عاما على تحقيق بلدان افريقية لاستقلالها يتزايد ادراك سكان افريقيا لوجود اسباب للصراعات الدائرة غير الدور الاستعماري, من هذه الاسباب استبداد عدد من الحكام بالسلطة الحكومية, واحتفاظهم بها واستبعاد اشخاص آخرين عن المشاركة في توليها, ويشعر المتولون للسلطة في عدد من الدول بأن المنتصر يجوز له ان يأخذ كل شيء من الموارد المتاحة من المال والامتيازات والمكانة والاحترام. ويرتبط بهذه الظاهرة الاحساس الجماعي بالحرمان والاستبعاد او بالتمتع بالامكانات والموارد المتاحة وفي كثير من الحالات تكون ادارة الحكم شخصية ومركزية جدا, مما يزيد من قوة هذه الظاهرة, ولا يوجد قدر كاف من مساءلة المتولين للسلطة, ولذلك يفتقر الحكم الى الشفافية وسيادة القانون, على وجه الخصوص فيما يتعلق بممارسة السلطة الحكومية غير ملموسة ومن الصعوبة البالغة القيام بطرق سلمية بتغيير الحكام. وللسيطرة السياسية اهمية بالغة في تقرير مصير الاشخاص المناصرين للحكام والمعارضين لهم, والمعارضة السياسية تنطوي على مخاطرة كبيرة وخطر كبير, وترتكز الاحزاب او التجمعات السياسية اما على قاعدة عرقية او اقليمية, وتشكل دول كثيرة المصدر الرئيسي للعمالة. تعزز هذه الظروف الاهمية السياسية للذين يتولون السلطة. وتتعدد الاعراق في كل دولة من دول افريقيا, ويجعل هذا التعدد نشوب الصراع اكثر احتمالا, وفي حالات كثيرة تتخذ العرقية طابعا سياسيا وتصبح عاملا في المشهد السياسي ويصبح اضفاء الطابع السياسي على العرقية اشد عنفا, وفي حالات متطرفة قد تشعر الجماعات المتنافسة ان امنها او بقاءها لن يضمن إلا عن طريق الاستيلاء على سلطة الدولة في هذه الحالة يصبح الصراع حتميا. الدوافع الاقتصادية تؤدي الصراعات المسلحة الى التدمير الاقتصادي والعسكري, وعلى الرغم من ذلك يستفيد كثيرون من الاضطراب الذي تسببه الصراعات ولذلك قد تكون لديهم مصلحة في اطالة امد الصراع, ويتصدر تجار الاسلحة الدوليون ولاعبو الادوار الرئيسيون انفسهم قائمة الذين يستفيدون من الصراعات في افريقيا في ليبيريا كانت السيطرة على الاخشاب والماس ومواد خام اخرى واستغلالها من الاهداف الرئيسية للاطراف المتحاربة. حالات خاصة توجد مصادر اخرى للصراع ذات اهمية خاصة في حالات ومناطق دون اقليمية معينة, في افريقيا الوسطى, تشمل هذه العوامل التنافس على موارد الارض والمياه الشحيحة في مناطق كثيفة السكان, وفي رواندا, على سبيل المثال نشأت عن موجات التشريد العديدة حالات زعمت فيها اسر حقها في نفس قطعة الارض وفي البلدان الافريقية التي يستخرج منها النفط نشأت صراعات بسبب شكاوى محلية من ان الجماعة لا تجني ما يكفي من الفائدة من تلك الموارد او تعاني معاناة شديدة من تردي البيئة الطبيعية, وفي مناطق من افريقيا تشكل التوترات بين رؤيتي الدولة والمجتمع المتعارضتين مصادر خطيرة للصراع الفعلي او المحتمل. * استاذ دراسات الشرق الاوسط ـ الولايات المتحدة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات