كرملين جيت وصندوق النقد، بقلم محمد الخولي

والأمريكان لا يخشون, على رفاه المواطن الروسي ولكنهم يخشون ان يرتبط سوء الأحوال وخراب الذمم وانتشار الفساد في موسكو في ذهن المواطن الروسي المعاصر مع مرحلة التحول الراهنة الى اقتصاد السوق والانفتاح والتحولات الديمقراطية على عادة الصحفيين الأمريكان فقد بادروا الى تسمية طريفة بالغة الدلالة خلعوها على الملابسات التي ترددت, بل فاحت أخبارها في الأسابيع القليلة الماضية حول مبلغ عشرة مليارات من الدولارات تعرضت لعملية غسيل أموال على يد المافيا الروسية عن طريق بنوك ومؤسسات مالية بين سويسرا والولايات المتحدة.. وانتشرت ذيول الفضيحة حتى طالت أوساط الكرملين الحاكمة في روسيا. ولأن ووتر جيت منذ أيام الرئيس الأمريكي الأسبق رتشارد نيكسون كانت (أم الفضائح) كما قد نسميها, فقد اتبع الكتاب والعاملون الأمريكيون أسلوب القياس وبدأوا يتحدثون عن (كرملين جيت) لكي يدللوا ـ كما كتب ويليام سافاير مؤخرا في (نيويورك تايمز) على ان الفساد قد زاد وغطى وتفشى واستشرى في جنبات المؤسسة الحاكمة في روسيا. لا يخافون على روسيا ولقد نقول أيضا ان المحللين الأمريكان ليسوا في وجل شديد خوفا على مصير روسيا ولا إشفاقا على معاناة شعبها وربما كانت مثل هذه الأمور هي آخر ما يفكرون فيه, ولكن محور اهتمامهم هو ان تستمر روسيا في الصيغة التي اصطنعوها لها في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي السابق: كيانا كبيرا (147 مليون نسمة) ورأسا متضخما يقود الكومنولث الشرق ـ أوروبي الذي يحمل اسم (رابطة الدول المستقلة) , وخزانة يطعمونها بالمزيد والمزيد وخاصة من أموال صندوق النقد الدولي.. وآلة سياسية معطوبة بفعل التغيرات والتبدلات التي يسمع عنها العالم بين فترة وأخرى تبعا لأهواء القيادة الحاكمة في موسكو وخاصة في ظل هواية تلك القيادة في مجال تغيير رؤساء الوزارات. كل هذا, لأن روسيا لها دور محوري تؤديه لمصلحة الغرب.. وأهم مهام هذا الدور هو ان تقي المحالفة الغربية أي نتائج قد تترتب على استشراء ساعد الكيانات الاسلامية وخاصة في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة, حيث ظلت الشعوب في حالة كبت أو تأجيل لشعورها بهويتها القومية والعقائدية على مدى عمر التجربة السوفييتية (نحو 70 عاما) ثم كان من الطبيعي ان يعود الوعي الى تلك الشعوب وان تترجم هذه العودة في حركات استقلالية وعنف قومي وتيارات دينية راديكالية, والمشكلة كما يحددها مراقبون موضوعيون ان الاموال الطائلة التي ظلت الولايات المتحدة تضخها في شرايين الخزانة الروسية لم تجد طريقها المرسوم أو المنشود للنهوض بحياة الملايين التي ظلوا يمنّونها بالحياة اللذيذة وبشطائر الماكدونالد ومشروبات الكولا وأفلام هوليوود الساخنة وملبوسات الجينز التي يتصورها لابسوها علامة على التكلم بلغة العصر.. وبلغ الأمر كما يضيف هؤلاء المراقبون المحايدون, الى ان باتت قطاعات كبيرة من الشعب الروسي تعود بذاكرة النوستالجيا الى أيام السوفييت التي كانت, على جهامتها وقسوة الحكم فيها تحرص على تأمين الحد الادنى من تلبية وإشباع الاحتياجات الأساسية للمواطن الانسان. شخصيات وشبهات والحاصل ان المليارات الطائلة وجدت طريقها الى خزائن رجال المافيا, وإلى جيوب عدد محدود ومحظوظ من كبار المتنفذين وفي هذا الصدد تقول جريدة (يو.اس.توداي) (عدد 1/9/999): ـ من بين الشخصيات الروسية التي حامت حولها الشكوك (في هذا التربّح) في غمار الوصول الى أموال صندوق النقد الدولي كريمة الرئيس الروسي بوريس يلتسين ومستشارته تاتيانا فضلا عن وزير المالية الروسي السابق اناتولي شوبايسي الذي لم تنس الصحيفة الامريكية ـ نقلا عن مصادر بريطانية ـ ان تصف معاليه بأنه المصلح الروسي الاقرب الى قلب واشنطن والاثير لديها. لم يكن صدفة اذن ان يسمح المصرف المركزي في روسيا لعملة الروبل بأن تهبط قيمتها ولن تأتي الايام الاخيرة من شهر اغسطس الماضي لتشهد موسكو وقد ابدت عجزها عن سداد مديونيتها في مواعيدها بل ان (يو. اس. توداي) تشير صراحة الى انه قبل خطوة البنك المركزي بخفض سعر صرف الروبل.. تلقت مصارف نيويورك مبالغ طائلة من التحويلات بسعر الروبل القديم ازاء الدولار, عن طريق حسابات مصرفية باسم واحد من رؤوس اكبر عصابة للجريمة المنظمة في روسيا وهي عصابة (صولنت سيفو) ومن الاسماء التي ترددت الشبهات حول ذمتها المالية ايضا وزير مالية سابق ونائب رئيس وزراء سابق ونائب سابق لرئيس الاتحاد الروسي وكلهم كانوا من اقرب معاوني الرئيس يلتسين ومن الطريف ان الأمريكيين لا يخشون بالذات لا على رفاه المواطن الروسي ولكنهم يخشون من ان يرتبط سوء الاحوال وخراب الذمم وانتشار الفساد في موسكو, في ذهن المواطن الروسي المعاصر مع مرحلة التحول الراهنة الى اقتصاد السوق والانفتاح والتحولات الديمقراطية وهي الشعارات التي نجحت امريكا ـ والشهادة لله ـ في رفعها على الروابي الروسية وكان لها فعل السحر في كتابة شهادة وفاة النظام السوفييتي وتمهيد ارضية النجاح لنظام الرئيس يلتسين الحالي.. وهي نفس الشعارات التي لم تفلح حتى الآن في ان تجلب الى الحياة الروسية الراهنة المن والسلوى الموعود. سمعة النظام الرأسمالي ومرة اخرى تعبر (يو. اس. توداي) عن هذه الخشية بايجاز بليغ حين تقول: ـ ان هذه السرقات الجماعية من شأنها ان تترك الفقير الروسي وهو يفكر في تشاؤم, لا في اسياده المتجبرين والخطافين في موسكو وحسب, ولكن سيفكر ايضا وبنفس الشكوك في الشبهات في احوال النظام الرأسمالي في امريكا. من ناحية اخرى يخف الى الدفاع عن الكرملين اصوات مقابلة تطالب بالصبر وبالتريث وباعطاء التجربة الروسية مداها كيما تنضج وتكتمل وتنزاح من امام طريقها ما يعتورها من عقبات. ومن هذه الاصوات يكتب (جون اود لنج سمى) وهو من كبار موظفي صندوق النقد الدولي قائلا ان اقتصاد روسيا يحرز بعض التقدم وتبدو عليه بعض امارات الصحة خاصة وان التحول من اقتصاد السوفييت المركزي الى اقتصاديات السوق الرأسمالية ليس بالامر السهل ولا بالمهمة الميسورة بل انها تستغرق وقتا وعلى العالم ـ في رأي مسؤول الصندوق الدولي ـ ان يتوقع ظواهر سلبية تشوبها, ومن ذلك مثلا هروب رؤوس الاموال الى خارج روسيا. وفي هذا السياق بالذات يورد الموظف المالي الكبير تبريرا او تخريجا لحكاية الاموال التي وجدت طريقها الى الحسابات الخارجية في مصارف سويسرا او انجلترا او نيويورك فيقول: معظم الخبراء بشؤون روسيا يعتقدون ان هذا التصدير المتواصل والمستفيض من رأس المال الى خارج روسيا وقد بدأ قبل نهاية الحقبة السوفييتية لا يرتبط مبدئيا بالجريمة (المافيا) ولكنها عبارة عن اموال تهرب الى الخارج بسبب زعزعة الاستقرار اقتصاديا وسياسيا. وبالمناسبة فقد نشر الموظف المالي الدولي المذكور هذا الدفاع في نفس الصفحة وفي نفس الزاوية التي نشرت فيها جريدة (يو. اس. توداي) مقالها الذي تندد فيه باحوال روسيا وتربط فيه بين تسرب اموالها وانخفاض روبلها وبين انشطة الفساد عند رأس الدولة وبين صفوف عصابات الجريمة المنظمة. سُنة صحفية حميدة وبالمناسبة ايضا, وتلك عبارات نهديها الى الصحافة العربية التي ينبغي ان تسهر على حرية الكلمة وحق التعبير فتلك عادة جرت عليها الجريدة الامريكية المذكورة ولعلها اوسع الصحف اليومية انتشارا في الولايات المتحدة, تنشر على يسار الصفحة العاشرة افتتاحية تعبر فيها عما تراه هيئة التحرير تحت زاوية (هذا رأينا) ثم يتلوها مباشرة زاوية مضادة بعنوان (الرأي المعارض) وتحوي تفنيدا لما جاء في الافتتاحية او ردا عليه فيما تحمل الزاويتين عند اعلى الصفحة عنوانا رئيسيا يقول: حوار اليوم ولك ان تترجم كلمة حوار (ريبيت) كما تشاء الى جدال او مناظرة او محاجاة او مقارعة الى آخر ما تجود به لغتنا الثرية الشريفة من معاني الرأي والرأي الآخر.. وللقارىء ان يحكم.. وهكذا يكون دور الصحافة المنشورة بالذات.. وهو دور يقوم على محور تقديم المعلومة وشرح الاتجاه في كل حال. والمعروف ان صندوق النقد الدولي بضغوط من امريكا بالذات وتشجيع طبيعي من غرب اوروبا قدم الى نظام السيد يلتسين مبلغ 22 مليار دولار منذ انضمام موسكو الى الصندوق الدولي في عام 1992. فتش عن ميزانيات التسلح وكم كان السيد سمرز, وزير مالية الرئيس يلتسين سعيدا جدا حين كان يحمل الصندوق الدولي على تقديم هذه الاموال لكي تقف روسيا على قدميها وتكفر عن آثام الماضي ـ شيوعية الاتجاه وماركسية التنظير ومركزية التخطيط.. وكثافة التسلح والتسابق داخل النادي النووي, وكل ذلك كان يكلف الخزانة القومية الامريكية بدورها طائل المليارات من الدولارات كي تبقى متساوية, متناظرة, ان لم تكن متفوقة في ميزان الرعب النووي وفي سباق التسلح التقليدي وغير التقليدي على السواء. ولقد جاء السيد يلتسين في دور المنقذ من هذا كله.. اجهز على ما تبقى من الماموث ـ الديناصور السوفييتي وقد تجاوز عمره الافتراضي بسنوات بعد ان اصيب ـ الماموث بتصلب الشرايين, واعلن خطة التحول الانفتاحي الى قوانين العرض والطلب, وتخلى عن الامبراطورية السوفييتية التي كانت في آسيا الوسطى فيما اجبر عن التخلى عن دائرة النفوذ الروسية في شرق اوروبا.. ثم اقدم السيد يلتسين وهذا هو الاهم على خفض موازنات التسلح, وتحجيم ترسانات الاسلحة.. واغلاق مراكز بحوث السلاح ومعامل التصنيع ومع ذلك كانت فترة التحول المحمومة تصب لصالح عصابات الجريمة المنظمة وتتم على حساب الاحتياجات الاساسية للمواطن الروسي العادي هو المواطن الذي ينتمى الى روسيا المقدسة ذات التاريخ الطويل العريق وهو لا يعرف غيرها وطنا ومثوى.. لا يعرف مثلا سبيل الهجرة الى اسرائيل كما فعل يهود روسيا في سنوات العقد الاخير ولا سبيل الهجرة الى امريكا او دول غرب اوروبا التي استطاعت شراء الكفاءات والمهارات العلمية والتكنولوجية التي وجدت نفسها في السوق مطروحة لمن يدفع بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. الموعد سنة 2000 وفي كل حال فثمة حالة من التربص تسود العاصمتين.. واشنطن وموسكو والموعد الحاسم هو عام 2000 (باق عليه 14 اسبوعا او اقل قليلا) ففي عام 2000 يتلحظ الجمهوريون لهفة على الدخول برئيسهم المرتقب بوش الابن الى البيت الابيض وايضا يترقب خلفاء يلتسين موعد انتخابهم برلمانهم (الدوما) في ديسمبر المقبل ومع فاتحة عام 2000 وبقراءة نتائجها يمكن استشراف الاتجاهات المفضية الى معرفة السيد المرتقب في قمة الكرملين.. وسيكون ذلك في شهر يونيه من العام المقبل.. ويومها.. كما يقولون يكون لكل حادث حديث. * كاتب سياسي من مصر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات