محنة حماس واوهام المنقذ الاخير!بقلم عمران سلمان

ثلاثة احداث تزامنت مع بعضها في الايام الماضية, هي اعلان الاردن اغلاق مكاتب حركة حماس واعتقال عدد من ناشطيها, تلاه توقيع مذكرة تنفيذ اتفاق واي ريفر في شرم الشيخ بمصر, تلاه ايضا بأقل من اربع وعشرين ساعة انفجاران انتحاريان احدهم في حيفا والآخر في طبريا, نسبا الى فلسطينيين من سكان اسرائيل . بيد انه من بين الاحداث الثلاثة استأثر حدث واحد فقط بالاهتمام هو الذي جرى في شرم الشيخ بينما توارى الحدثان الآخران الى الخلف ضمن متابعات وسائل الاعلام, على نحو لم يكن ليحدث في الاعوام الماضية. فهل هو مؤشر على انقضاء مرحلة وبدء اخرى؟ هل نحن مقبلون على احداث اخرى تعزز المنحى السلمي وتحجب ما عداه من توجهات؟ هل يمكن القول بأن عملية التسوية التاريخية بين الفلسطينيين والاسرائيليين قد دخلت في طورها النهائي وما يجري هو فحسب ازالة آخر العقبات من طريقها؟ هذه اسئلة مهمة تطرح نفسها, ومن المؤسف ان المشهد السياسي والاعلامي العربي, يبدو خالياً من اي محاولة لتقديم اجابات معقولة عنها, كما لو ان هذه التطورات تجري في مكان آخر من العالم وكما لو ان العرب يتهربون اليوم من النظر الى وجوههم جيدا في المرآة. يمكننا ان نتفهم مثل هذه الوضعية, فثمة احباط كبير تعيشه الآن النخب العربية, خصوصا تلك التي راهنت بصورة مبالغ فيها على فشل عملية السلام, او تلك التي راهنت على قدرة المنظمات الفلسطينية المعارضة للعملية على تدميرها او تلك التي راهنت على رفض الشارع العربي لاتفاقات السلام الموقعة مع اسرائيل. او ايضا تلك التي راهنت على الكفاح المسلح وسيلة لتعديل موازين القوى المختلة في الصراع العربي الاسرائيلي. لكن من الواضح اليوم ان جميع هذه المراهنات قد فشلت فشلا ذريعا, ومن الشجاعة الاعتراف بهذه الحقيقة وتقبل نتائجها ايا كانت فليس ثمة سبيل آخر للخروج من هذه النكبة الذهنية والفكرية. ومن الخطأ الاصرار على المراوحة عند ذات النقطة, وايهام النفس بامكانية اعادة التجربة مرة تلو الاخرى على امل النجاح فيها, كما لو ان الزمن ثابت والحياة متوقفة. لاينفي ذلك القول بأي حال ان اتفاقات السلام الموقعة بين اسرائيل والفلسطينيين تحمل طابع الاجحاف وهي اقل كثيرا من طموحات الشعب الفلسطيني, ومن آمال الكثير من العرب. لكن ما لاينبغي نسيانه في الوقت نفسه, ان هذه الاتفاقيات هي نتاج موازين القوى المختلة بين العرب واسرائيل, وبين الفلسطينيين وهذه الاخيرة. ومن ثم فهي نتاج الممكن, سياسيا وعسكريا, في اللحظة الراهنة, سواء في المنطقة او على المستوى الدولي. ومن حق الفلسطينيين ان يرفضوا ما يعرض عليهم حاليا, ومن حق المعترضين العرب ان يتحدثوا عن الاستسلام والتنازلات! ولكن ما هو البديل الآخر الذي يملكونه, ومن يدفع الثمن الحقيقي في هذه الحالة؟ من المؤسف القول ان الفلسطينيين هم وحدهم في نهاية المطاف الذي دفعوا ويدفعون مثل هذا الثمن. وقد اتيح للعرب خمسون عاما كي يحسموا هذا الصراع, وفق رؤيتهم وامكانياتهم وشعاراتهم. لكنهم عادوا بعد خمسين عاما, اكثر ضعفا مما كانوا, واكثر تمزقا واختلافا, واذا كان من الممكن نظريا هزيمة اسرائيل قبل عقدين او ثلاثة من الزمن, فان هزيمتها اليوم تبدو صعبة بل مستحيلة. ومن الآن ولعقود قادمة وفي ظل الاوضاع الراهنة, سيبدو ذلك اكثر استحالة. والحال ان الوضع العربي والى مستقبل غير منظور لايبدو مهيئا او مؤسسا على خيار المواجهة مع اسرائيل. فهل ينبغي على الفلسطينيين, والعرب المتضررين من الوضع الحالي ان ينتظروا خمسين عاما اخرى, كي يتأهل من يتأهل؟ وكيف سيكون عليه الحال اذا كانت الخمسون عاما القادمة أسوأ من سابقها؟ ذلك عبث لاطائل من ورائه ويصدق عليه قول المثل العربي (من جرب المجرب فعقله مخرب) , وهو الى ذلك لايستقيم مع الحاضر وحاجات البشر الاحياء وتطلعهم الى الحياة والامن والاستقرار والتنمية. في المقابل فان هناك من يعتبر ان حركة المقاومة الاسلامية (حماس) هي (الامل الاخير) للعرب والمسلمين في مقاومة اسرائيل. او هي خط الدفاع الأخير كما يسميه بعض هؤلاء. لكن مع ذلك مر خبر اغلاق مكاتبها واعتقال ناشطيها, مرور الكرام, وباستثناء جماعة الاخوان المسلمين الاردنية, وهي التنظيم الام الذي انبثقت منه حماس, فانه لم تسجل أي احتجاجات تذكر في أي بلد عربي. بل ان جماعة الاخوان تحركت لاعتقادها بأن انهاء الوجود السياسي والاعلامي لحماس في الاردن هو مقدمة لتحجيم نفوذها هي لاحقا, اي انها تدافع هنا عن نفسها في واقع الامر اكثر مما تدافع عن حماس. وبرغم ذلك فان احتجاجاتها لم نجد لها اي صدى جدي داخل الاردن, اما خارجه فباستثناء بعض الكتابات الصحفية الغاضبة والمنددة هنا وهناك, فانه لم يكترث احد بالموضوع برمته. حتى في غزة حيث النفوذ الاساسي للحركة, لم تكن ردة الفعل متناسبة مع حجم الاجراءات التي اتخذها الاردن ضد حماس, وهو ما يجد تفسيره في فرضية الخلافات في صفوف الحركة بين قيادات الداخل والخارج, وفي رغبة الاولى في اعتماد اسلوب الحوار مع السلطة الفلسطينية والتزام جانب المعارضة السلمية, وبين رغبة الثانية في التصعيد والابقاء على خيار الكفاح المسلح. فكيف يمكن ان تكون حركة حماس, كما يزعم, الامل الاخير لمقاومة اسرائيل, وفي الوقت نفسه يتجاهل العرب ما يحدث لها؟ فاما ان ذلك الزعم غير صحيح من اساسه, او ان الشارع العربي نفسه لم يعد مزاجه معاديا لاسرائيل. وارجح شخصيا الاحتمال الاول, وهو ان حركة حماس لم يكن وليس في مقدورها ان تلعب هذا الدور. لكنها وشأنها في ذلك شأن أي حركة اصولية اخرى, تخلط ما بين العقائدي والسياسي. فتضع اهدافا ممكنة من الناحية العقائدية (النظرية) وربما كانت جذابة ايضا, لكنها غير ممكنة التحقق سياسيا. ينبغي ان نقول هنا بأن الحركات الفلسطينية القومية واليسارية جربت على مدى اكثر من عشرين عاما, العمل العسكري ومارست (النضال) بمختلف اشكاله. وهي ادركت في نهاية المطاف, ان طريق التسوية والخيار السلمي, اقل تكلفة واكثر قابلية لتحقيق المطالب الفلسطينية العادلة, من الخيار المسلح. والاهم انه اكثر قبولا من جانب الرأي العام الدولي, واكثر انسجاما مع حقائق الوضع العالمي المعاصر, بما في ذلك الوضع العربي نفسه. وما تفعله حماس, والحركات المشابهة لها في الوقت الراهن هو تكرار نفس الاخطاء السابقة ولكن بصيغة اخرى, صيغة دينية. مع الفارق ان هذه الحركة اليوم لا تملك اياً من الامكانيات والقوى المادية والسياسية التي تمتعت بها الحركات القومية واليسارية, ومع الفارق ايضا اختلاف الظرف التاريخي وموازين القوى الاقليمية والدولية, والتي هي حاليا تميل وبصورة حادة كما هو معروف ناحية اسرائيل, وضد حسم النزاع العربي الاسرائيلي بالوسائل العسكرية. وهذه الاخيرة اصبحت في مستوى القناعة, ليس فقط لدى الاسرائيليين وانما لدى العرب ايضا ولدى المجتمع الدولي. فما الذي تستطيع حركة حماس ان تفعله في مثل هذه الوضعية, وكيف سيتسنى لها ان تحقق ما تبشر به؟ انها اذن كما نرى مجرد مزايدات واوهام لا سبيل الى تحقيقها. وتظهر اللامبالاة التي قوبل بها حادثا انفجاري طبريا وحيفا, مدى العقم والعبثية التي اصبحت عليها هذه العمليات الانتحارية. فهي بالاضافة الى الضحايا الذين يسقطون بسببها, بما في ذلك المنفذون انفسهم, فانها ايضا وسيلة للتدمير الانساني والسياسي على كل المستويات وفي كل الاتجاهات. ونعود فنقول, بأن التسوية السلمية الراهنة ربما لم تعط الفلسطينيين او العرب كل ما يريدونه غير انها محطة يمكن البناء عليها مستقبلا. * كاتب بحريني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات