ابجديات: بقلم عئشة إبراهيم سلطان

ذات مرة كتب احد الصحفيين العرب عن تجربته في السفر, ولكن الذي بقي عالقا في ذاكرتي من كل ما كتب هو حديثه عن الريف فهو يقول: لم أر اجمل ولا أنظف ولا أكثر نظاما ورونقا من الريف الاوروبي, فعندما تنقلت بين مناطقه انبسطت امام عيني صورة الريف المصري, فكل شيء في الريف صورة مقابلة للبؤس والسوء والقبح, الريف في العالم العربي مواز لمنظومة التخلف في ابرز صوره , فهناك يقبع انسان يصارع المرض والجهل والفقر وقلة الامكانيات وبدائية الآلات والادوات.. الخ. لقد تذكرت حديث محمود السعدني عن الريف عندما استقر بي المقام في واحدة من قرى الريف الاوروبي, وهناك ايقنت ان الجمال عقيدة لا تقودك سوى لغوايات اشد جمالا, وان تشعر بأنك ضائع في دنيا من الجمال والعذوبة, فتلك حالة لا تستوعبها للوهلة الاولى لكنك تظل أسيرها زمنا. لا شيء في ريف تلك الدولة يمكن ان يدفعك للضيق أو التبرم أو الشعور بالوحشة, انه الاحساس بأنك تسكن قلب النعيم أو عمق الطمأنينة, وما يعزز لديك هذا الشعور هو حديث سيدة عجوز تقول لك بهدوء ان اخر جريمة حدثت هنا عندما اقبل احد الغرباء (تقصد غير اوروبي) على سرقة دراجة هوائية منذ 25 سنة, ما يزيدك احساسا بأنك واقع في هوى المكان هو محاولتك الدائمة كل الوقت ان تعبّ تفاصيل ما حولك وان تجعلها تستوطنك, تملؤك, فتشعر ان المكان يسكنك مثلما تسكنه تماما وتتذكر احيانا وتنسى في الوقت ذلك السؤال الذي يلخص اشكالية عالم بأكمله: لماذا يتحرك انسان في كل هذا المحيط من النظام والجمال والرفاهية والهدوء في الريف, بينما لا يجد الانسان في ريفنا العربي شيئا من ملامح الرفاهية, فهو يسكن بيوتا قذرة, وتصله خدمات صحية في غاية البدائية, وهو لايزال يخطو في ابجديات الحضارة مسكنا وملبسا ومركبا, لماذا؟ خرجت من باب المنزل الذي اقطنه لليوم الاول تقودني خطاي إلى حيث تشاء, فكل تفاصيل الامكنة تغريك بالتوغل إلى ما لا نهاية, صبي صغير لا يكاد يتجاوز الخامسة, يلهو بدراجته في ساحة القرية يبادرك بعذوبة: طاب يومك, لماذا لا نعلم أطفالنا كيف يبادرون من يمرون بهم بتحية جميلة بدل الصراخ وقذف الاحجار, والعبث بالمرافق العامة في شوارع الاحياء والخربشة على جدران المنازل بالاصباغ وغيرها؟ السفر شكل آخر للغياب عمن نحب وعما نحب في مواطننا التي اعتدناها, لكنه الغياب الجميل الممعن في المفاجأة والكشف, حيث يفاجئك السفر احيانا ومن حيث لا تتوقع بما لا تتوقع, ولذلك تعود منه عابقا بالمفاجآت والرؤى والخيالات, وبالكثير من عشق الجمال خاصة حين يأخذك السفر والترحال بعيدا عن المدن المسلحة بالحديد والاسمنت والزجاج العاكس وصراخ الزحام في الشوارع والمقاهي ومحطات القطارات الارضية, فلا شيء كالمدن الحديدية يمكن ان يعتدي على روحك ويهاجمها بشراسة, ولا شيء كالزحام يمكن ان يبعثرك على كل الارصفة ومداخل المحلات التجارية الضخمة, لا شيء مثل المدن الكبيرة الضاجة يمكن ان يجمد عقلك ويحولك إلى نسخة مكررة. انها (المداجن الكبيرة) هكذا يسمي عبدالرحمن منيف المدن الصارخة حيث يتشابه الناس فيها مثل تشابه الدجاج في الاقنان! اما الطبيعة فانها تعيد بعث انسانيتك من جديد .. انها قيامة اخرى لكنها صنو اخر للعذوبة والجمال, ومع ذلك فللمدن حديث اخر قد نأتي على ذكره في مقال مقبل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات