الوئام المدني في الجزائر بين التشريع القانوني والمصالحة السياسية(1 ـ 2) بقلم: خالد عمر بن ققة

منذ صيف 1990 كان واضحا ان الجزائر مقبلة على عدد من مشكلات تؤدي في مجملها الى ازمة على جميع المستويات, وقد حدث هذا بالفعل, ويرجع المراقبون السبب الى الثغرات التي كانت تواجه القانون الجزائري فيما يتعلق بتنظيم علاقة السلطة بالاحزاب من جهة, وعلاقة هذه الاخيرة بالادارة من جهة ثانية, حيث ترك المشروع العديد من الثغرات في اكثر من موقع . ففي البداية حين اعتمدت الاحزاب ـ بناء على دستور فبراير 1989 لم يراع في ذلك مدى قدرة المجتمع على استيعاب الممارسة الديمقراطية بشكل سريع وفوضوي اذ لم يتم تحضير المجتمع لثقافة التعددية, لذلك اصر نواب البرلمان الجزائري الذين كانوا يمثلون الحزب الحاكم حزب جبهة التحرير الوطني انذاك ـ على سن قانون الانتخابات لصالحهم على حساب الجبهة الاسلامية للانقاذ, وكان رد هذه الاخيرة عنيفا سواء ما عرف بالاضراب السياسي في البداية او ما تم بعدها من ذلك المطالبة بانتخابات رئاسية مسبقة, ونتيجة لذلك كله القي القبض على عباسي مدني وعلي بلحاج واودعا السجن مع قياديين اخرين ثم تواصل العمل السياسي لتظهر على السطح ثغرات اخرى خصوصا بعد ان استقال الرئيس (الشاذلي بن جديد) . اذن منذ البداية ـ كما ذكرت سابقا ـ تسببب المشرع ـ بوعي او بغير وعي ـ في عدد من الازمات التي يواجهها المجتمع, وربما لهذا السبب حدث تطورا ملحوظا في التشريع الجزائري الخاص بالعقوبات, وهو مانلاحظه في القانون الخاص باستعادة الوئام المدني, فقد جاء نتيجة لقرار سياسي في الوقت الراهن, مثلما حاولت مؤسسات الدولة ان تعيد شرعيتها من خلال القانون, وقد تمكنت من ذلك في جوانب عدة, وتراجعت في اخرى, خصوصا تلك المتعلقة بالتعامل المباشر مع المواطن, ومع ذلك كله فان السلطات الجزائرية بقيادة الرئيس بوتفليقة تحاول التركيز على الجانب القانوني كمحاولة لتقنين جرائم العنف والارهاب, وان كانت في الوقت ذاته لا تخفي سعيها الدؤوب من اجل حل المشاكل السياسية التي هي من الجوانب الرئيسية اللازمة. يلاحظ ان التركيز الان على التعامل مع ما يحدث من اعمال عنف وارهاب على اساس قانوني هدفه استعادة حال السلم والوئام التي فقدها المجتمع باعتبارها غاية سامية كما نصت على ذلك المادة الاولى, ولذلك حددت ـ منذ البداية ـ ان هناك اشخاصا مورطين واخرين متورطين, وهنا يظهر التأثير والتأثر سواء من الداخل او من الخارج, وهذا يقتضي نوعا من المواجهة والمتابعة على اساس قانوني باعطاء فرصة للمتورطين والمورطين, ثم الحكم عليهم بعد ذلك. معنى ذلك كله ان ما قامت به الجماعات سواء على المستوى الفردي او الجماعي هو عمل مرفوض, ولا علاقة له بالممارسة السياسية, ولذلك يتم التعامل مع هؤلاء واولئك على اساس حماية المجتمع من اعمالهم الاجرامية, وهنا يطرح السؤال: هل سيؤيد الشعب الجزائري ما يسعى اليه الرئيس بوتفليقة؟ ويتبع هذا بسؤال اخر هو: هل سيقبل المجتمع بعد الاستفتاء باندماج عناصر اخطأت في حقه ولا تزال؟ فبالنسبة للسؤال الاول: فان التأييد يشمل قطاعات عريضة من المجتمع, على اعتبار ان كل جماعة ستستفيد من قانون الوئام المدني, منها من لا يهمها نصوص القانون, وانما همها ان ينتهي الارهاب بأي شكل كان, وبأي حل, والان تحاول استثمار ما حققته, وهي باختصار تمثل كل المجموعات غير الشرعية سواء اكانت سياسية او اقتصادية, وهناك جماعة اخرى تأثرت سلبا من الارهاب حياة وارواحا ومعاشا, وهي ان كانت تحمل الضغينة وتطمح للثأر الا انها عديمة القوة وقليلة الحيلة, وهذه ستؤيد ما يقوم به الرئيس بغية التقليل من حجم الخسائر, وهناك فريق ثالث وهو الذي يؤيد الرئيس علنا, ويعمل على تخريب ما يقوم به سرا, وهذا فريق يشكل خطرا على كل المساعي الخيرة لانه يظهر خلاف ما يبطن, لكن الذي يهمنا من هذا كله ان هناك قطاعا عريضا من المجتمع قدرته بعض الصحف بنسبة 86% سيكون مؤيدا لمشروع قانون استعادة الوئام المدني, ما يعني في النهاية ان الاقبال سيكون كبيرا. اما بالنسبة لتأثير الاستفتاء على المستقبل فان ذلك يرتبط بمدى التزام الجماعات بما جاء في القانون, ورغبتها في الاندماج اجتماعيا, بعيدا عن الشعور بعقدة الذنب, او محاولة التمسك بمشروعية ما قامت به وسواء اقبلت به معظم الجماعات ام رفضته, فان عامة افراد الشعب متشبثة به تأمل في اخراجها من الازمة في شقها الامني, وهي رغبة تتكرر كلما حدث انتخاب, او استفتاء لتدعيم هذا المشروع او ذاك. يلاحظ ان المشرع الجزائري قد كلف الشعب الكثير, وان كان بعض خبراء القانون يرجعون السبب الى تناقض النظام مع قوانينه, وليس لوجود ثغرات في القانون, فهناك على ـ حد تعبيرهم ـ من يتجاوز القانون او حتى يتعسف في استعماله طبقا لما تراه من مصلحة خاصة به, ويشتكي بعضهم من عدم استشارته او الاعتماد عليه في استحداث صيغ جديدة, وان كان يتم اللجوء اليه بهدف تكييف قرارات السلطة ومواقفها مع القانون. وبغض النظر عما يراه رجال القانون فان الواضح هو تراكم الاخطاء وزيادتها, وتنوعها ولن يحلها مواصلة اصدار القوانين, وانما الذي يدفع الجزائر الى الخروج من الازمة هو قناعة مختلف القوى السياسية وتلاقي رغبتهم مع الشعب بهدف الخروج من الازمة, وهذا لن يكون الا في حال التخلي عن تلك التصورات السياسية المسبقة, التي تقوم على معارضة حزب قوي حتى لو كان من فريقها ـ اي الاحزاب المعارضة ـ. ويبدو ان هناك شعورا عاما بدأ ينتاب كثيرا من السياسيين, ومن قيادات القوى الفاعلة وهو تخوفها من الصلاحيات المخولة دستوريا لرئيس الجمهورية, وتلك صعوبة اخرى ستواجه الجزائر بعد الاستفتاء على اعتبار ان بعض قيادات الاحزاب يرى: ان الاستفتاء على استعادة الوئام المدني هو مجرد محاولة من الرئيس بوتفليقة لكسب الشرعية التي افتقدها في الانتخابات الرئاسية بانسحاب المرشحين الستة, فهل هو كذلك فعلا؟ نتابع تفصيلات ذلك في الحلقة المقبلة. * كاتب جزائري مقيم بالقاهرة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات