اقتصاد السلام... تحديات ومخاطر، بقلم: د. محمد الرميحي

بعد الاتفاق على السلام الدائم بين الفلسطينيين والاسرائيليين, والذي من المتوقع ان يرى النور خلال الاثني عشر شهرا المقبلة, تنتهي مرحلة من التاريخ في هذه المنطقة لتبدأ مرحلة اخرى مختلفة عنها وربما مناقضة لها, وتطرح قضية الاقتصاد الشرق اوسطي من جديد وبشكل اقوى مما طرحت في السابق, صحيح ان الافكار القديمة تموت ببطء كما يقول المثل الانجليزي , لذلك فلا يزال البعض يحارب طواحين الهواء, ففي الوقت الذي يقرر فيه الفلسطينيون ـ اصحاب القضية ـ ان الوقت قد حان للحل الشامل والكامل يرى هذا البعض ان الصراع يجب ان يستمر, وتراه يرفع شعارات قديمة والناس سائرون باتجاه آخر. السلام سوف يفرض ديناميكيات جديدة, ليس على الفلسطينيين والاسرائيليين والدول المجاورة فقط, ولكنه سيفرض هذه الديناميكيات على دول المنطقة ككل والاقليمية خاصة, ومن بينها الدول الخليجية, التي سوف يرى فيها الجميع اما مكانا للتسويق للسلع والخدمات التي سوف تنتج نظرا للقدرة الشرائية الكبيرة فيها بسبب ارتفاع الدخول, او مصدراً للتمويل بسبب الفائض المالي المتوفر لديها, ومن هنا فان مناقشة مبكرة للموضوع تصبح ذات اهمية واولوية. هناك نظريتان تتجاذبان العلاقات الاقتصادية المستقبلية بين العرب واسرائيل, الاولى تقول بأن التوقعات الوردية الاولى التي صاحبت بدء العلاقات السياسية خاصة مع الاردن ومصر لم تؤت اكلها اقتصاديا كما توقع المحللون, ولا كما توقع شيمون بيريز في كتابه (الشرق الاوسط) والذي خرج منه مفهوم ردده الكثيرون وهو (الشرق اوسطية) فلم تزدهر العلاقات الاقتصادية لا مع مصر ولا مع الاردن, وبناء على هذه الخبرة, تذهب هذه النظرية للقول, بأنه من غير المتوقع ان تزدهر العلاقات الاقتصادية الاسرائيلية العربية, حتى في حالة تحقق الحل السياسي الشامل, وربما يعيد التاريخ نفسه من جديد, بأن يكون هناك في المنطقة (سلام بارد) ولكن غير معني بالاقتصاد. تلك النظرية لها حيثياتها, وقد تكون قريبة من التوقع, الا انه اذا حسبنا المدخلات الجديدة في عالم (الحل الشامل) فاننا نصادف عوامل اخرى غير التي أثرت على العلاقات الاقتصادية في السابق والتي كان فيها الحل السياسي ثنائيا وجزئيا وليس شاملا كما يحدث الآن.اما اذا لعب الجميع في ساحة الوفاق والسلام كما هو حاصل في المنظور القريب, فان عناصر جديدة ستدخل الصورة, منها على سبيل المثال لا الحصر, العلاقات الوثيقة التي سوف تنشأ بين الدولة الفلسطينية المأمولة وبين اسرائيل فهذه الدولة والتي هي عربية في الاساس ستحتاج الى تعاون عربي, كونها عضوا في الجامعة العربية, وكونها تحتاج الى مساعدة, ولكن هذه الدولة المأمولة سيكون لها ارتباطات عضوية بالاقتصاد الاسرائيلي ايضا, وفي وقت ما لن يعرف احد ـ في عصر العولمة ـ اي البضائع او الخدمات والسلع من انتاج فلسطيني او اسرائيلي او مشترك, كما لن يكون هناك حاجز لا قانوني ولا سياسي باتجاه الشراكة الاقتصادية. هناك ايضا بلايين الدولارات المتوقع صرفها بانتظار السلام المقبل, للفلسطينيين ويقدر ان هناك من ثلاثة الى خمسة بلايين دولار من المساعدات تنتظر ان يفرج عنها وهي مجموع الاعانات الموعودة من اوروبا والولايات المتحدة واليابان, بجانب الاعانات والمساعدات المتوقعة من بعض الدول العربية على رأسها دول الخليج, ولكن هذه الاموال يقدر الخبراء انها جزء صغير من الاموال التي يمكن ان تتدفق على المنطقة بعد التوصل الى (سلام دائم) اي بعد السلام الاسرائيلي مع لبنان وسوريا. هذه الاموال الاخرى سوف تأتي من القطاع الخاص ومن القطاع العام لبناء مجموعة هائلة من البنى التحتية, خاصة تسييل المياه وتوصيل الكهرباء وانشاء شبكات المواصلات والاتصالات, حيث الاستثمار في هذه القطاعات مضمون الفائدة. ايضا هناك الاموال الفلسطينية واللبنانية المودعة في بنوك الخارج من قبرص الى نيويورك مروراً بلندن, وهي في الغالب اموال خاصة يقدرها الخبراء بأكثر من خمسة مليارات دولار ويمكن ان تعود في حالة السلام الشامل لاستثمارها في الداخل. وتجد من الدراسات التفصيلية ما يشير الى ان المستفيد من هذا الوضع الاقتصادي الجديد والمزدهر ليس الدول المحيطة باسرائيل, ولكن ايضا بلاد تركيا ومصر, التي يمكن ان تحصل من ثمار السلام على شيء مجز اقتصاديا. في الحالة التركية تروج هذه النظرية القول بأن السلام السوري الاسرائيلي, يساعد على تخفيف حدة التوتر بين سوريا وتركيا, ويمكن ايضا ان يعيد طرح الفكرة الاقتصادية ذات التكلفة العالية في مد خط انابيب ضخم يكلف ثمانية بلايين دولار لنقل المياه من سد اتاتورك الى الشرق, وهناك اقتراح بمشروع ضخم اخر وهو مد خط انابيب ينقل النفط من منابعه في الخليج الى موانىء على شرق البحر الابيض. قد تتغير ايضا بعض المعادلات الاقتصادية التي سيطرت على العلاقات الاقتصادية في هذه المنطقة في الخمسين سنة الاخيرة, فمنطقة الشرق الاوسط هي من المناطق التجارية العالمية ذات الخاصية المتدنية في التجارة البينية, وهي اضعف من اية منطقة تجارية في العالم في التبادل التجاري بين دولها, فلا تزيد البينية في هذه المنطقة بين دولها العربية على عشرة في المائة من مجموع التجارة الدولية, والاقتراحات المقدمة بعد تحقيق السلام الشامل هو ان تكون هناك مناطق تجارة حرة بين هذه الدول خاصة المتقاربة حدوديا. الاجندة التي سوف تفرض نفسها على السلام اقتصاديا كما هي سياسيا, حقوق المياه وتوزيعها, فاسرائيل وجاراتها العربيات خاصة في الشرق منها مثل لبنان وسوريا والفلسطينيين سوف تواجه بقضية المياه, فالارض مقابل السلام ليس لها معنى ان لم تكن ايضا مقابل الحياة والمطروح هو الاتفاق على نظام (توزيع للمياه) وبالتالي مشاركة حقيقية في الحياة, لذلك فان اعقد المشكلات التي سوف تصادف المفاوضين هي مشكلة المياه, والاعجب ان حلها لن يتأتي الا بالمشاركة, وليس بالاستفراد. والمشاركة في الطاقة الكهربائية قضية اقتصادية اخرى, فعن طريق الربط للشبكات الكهربائية ستتحقق الاستفادة القصوى من هذه الشبكات, وفي التسعينيات تفاوضت مصر واسرائيل حول هذا الموضوع, ومن المتوقع ان يحدث ذلك في البداية مع الفلسطينيين والاردن ودول اخرى, وايضا مشروع احياء طريق السكة الحديد موجود على خطط الصلح الشامل والذي سوف يربط مصر بلبنان مرورا بالاراضي الفلسطينية والاسرائيلية, وبذلك يسهل الانتقال والتجارة. من الخطط الاقتصادية المطروحة ايضا انتعاش صناعة السياحة, ليس البينية فقط, ولكن الدولية ايضا, فمنطقة آمنة ابتداء هي مركز جذب للسياح, واذا تزامن الامن مع التاريخ مع اجواء طبيعية ايجابية انتعشت هذه الصناعة والتي يقدر ان الدخل منها يوازي ثلث الدخل القومي في بلاد مثل اسبانيا, وتستطيع ان تدر هذه الصناعة على دول المنطقة الكثير من الدخل. السلام ـ ولو كان جزئيا ـ حقق لبلاد مثل مصر نسبة نمو عالية وصلت الى اقل بقليل من خمسة في المائة, وهي نسبة تفوق نسبة النمو في بعض البلدان المتقدمة, وقد تتحقق مثل هذه النسبة في بلدان عربية اخرى تحتاج الى استقرار اقتصادي بجانب الاستقرار السياسي. الا ان تحديات اقتصاد السلام هي اكبر من كل ما تقدم, فالتحدي الحقيقي هو ان يعد لهذا السلام والاقتصاد الذي سوف ينتج عنه, ان يعد له تقنيا وبشريا, لانه من دون هذا الاعداد فان المخاطر التي يمكن ان تتحقق كبيرة بل وحاسمة, تفقد السلام كل مميزاته الاقتصادية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات