المثقف العربي والمطامع السياسية، بقلم: شهر زاد العربي

قد تكون ثنائية الفعل لدى المثقف العربي سابقة على ثنائية التعبير منذ احتكاكه في مطلع هذا القرن بالحضارة الغربية, وظلت تلك الثنائية تحمل محاولات التغيير الجادة, كعملية مقصودة وهادفة للخروج من التخلف, او على الاقل السير في ركاب الغرب, آنذاك كان الهم الحضاري طاغيا, والخوف من رفض البيئة المحلية على المستوى الاجتماعي والثقافي له حضور , ومع ذلك كله فانه علينا ان نثمن الجهود الاولى التي بذلت بغية تحقيق التطور ولو في درجته الدنيا. لكن لم يبق الامر على حاله فقد تطورت تلك الثنائية بزيادة عدد المثقفين, الذين تحولوا الى نخبة تتولى مسألة التنظير للمجتمع, وفي نقلهم لقضايا كثيرة علمية وثقافية واجهوا عجزهم اللغوي في النقل والترجمة, ولعدم التمكن احيانا من اللغتين العربية والاخرى التي درسوا بها (انجليزية, فرنسية, ايطالية, اسبانية.. الخ), اوردوا بجانب بعض الكلمات بالعربية, واحيانا بدونها, كلمات اخرى باللاتينية, وهم في ذلك يعبرون عن ثنائية بعضهم يقصدها, بهدف التميز عن الآخرين, والاعلان الواضح عن اجادة هذه اللغة او تلك, وبعضهم الآخر استعملها لكونه عجز عن ايجاد مرادف لها, وفريق ثالث ـ قليل العدد ـ لم تعد المسألة بالنسبة له مهمة في اطارها ولاتمثل ثنائية بالنسبة له, ولاتعبر عن عجز بقدر ما تكشف عن تبنيه للمسأله العلمية دون اهتمام بالتعبير اللغوي, اي ان القضية بالنسبة له اكبر من اعتبارها مجرد تعبير ثنائي, بل انه لا يقبل ان يعتبرها كذلك, وهو محق فيما يرى لكونه لايحاول ايجاد ما يماثلها في اللغة العربية احيانا. ثنائية التعبير هناك ثنائية اخرى على مستوى التعبير ايضا, لكن هذه المرة بين العربية الفصحى واللهجات المحلية اذ كثيرا ما نلاحظ التداخل خصوصا على مستوى التعبير الشفاهي والكتابي بين اللغة واللهجة, وهناك خلافات حادة بين المثقفين حول ترجيح احداهما على حساب الاخرى, والمعارك الادبية التي وقعت في اكثر من بلد عربي تؤكد ما نذهب اليه. غير اننا لن نقف امام ذلك طويلا لكون تلك المعارك ليست هي قضيتنا هنا, والذي يهمنا هو عدم قدرة كثير من المثقفين على الاستمرارية في التعبير, محاضرة او نشاطا, دون الدمج بين الاثنتين, واذا كان لاينتظر اقامة حاجز بينهما لان جذورهما واحدة, ولانهما ايضا يتداخلان ويتلاقيان حينا ويتباعدان حينا آخر حسب حاجة الفرد لكل منهما, فاننا كنا ننتظر ان يتم التمييز بوضوح ما دامت تلك الثنائية مرفوضة عند خبراء اللغة, في الوقت ذاته لاننكر تعدد مفردات اللغة وتنوعها على اساس الثراء الموجود عند كثير من المثقفين. تبدو الثنائية هنا وكأنها خاصة بالتنظير, وفي واقع الامر كانت كذلك في المرحلة الثانية ـ بعد الاحتكاك الاول بالحضارة الغربية بارسال البعثات ـ غير انها مع طول الامد, ونظرا لتداخل الثقافي بالسياسي, وحاجة المثقفين الملحة لما تطرحه البرامج السياسية سواء النابعة من المسؤولين على مستوى الافراد, او تلك الاخرى النابعة من المؤسسات, تحولت الى ثنائية في الفعل, وصار المثقفون مثل الساسة تماما يظهرون خلاف ما يبطنون, لتبصر بهم في جلساتهم المغلقة الخاصة, حيث الشللية والانغلاق الايديولوجي, وحسابات المصالح, ولنقارن ذلك باختلاطهم وتفاعلهم مع عامة المواطنين, ثم لنتابعهم في اقبالهم الكثير, وادبارهم القليل على المؤسسات الرسمية لغير الحاجة العامة, بل لحاجاتهم الخاصة المكشوفة احيانا. تبعية النخبة نلاحظ في كل الحالات السابقة اختلافا في الموقف, والثنائية هنا تتفرع الى شقين, الاول منها يخص علاقة المثقف بجماعته الضيقة من جهة, وعلاقته بالثقافة والمواطنين من جهة اخرى, والثاني علاقة المثقف بذاته وجماعته ومصالحه الخاصة, وعلاقته بالسياسيين نفورا او قبولا, ولاء او تمردا. وفي الغالب فان عناصر النخبة المميزة اما تابعة للسياسيين, واما تسعى لتكون كذلك, والقلة القليلة النافرة او المناهضة او التي تحاول الابتعاد عن الثنائية ما استطاعت, مبعدة او رافضة للسير على درب الآخرين, وتلك مأساة نواجهها على مستوى النخبة في محاولة لتدارك او انقاذ الدور الحقيقي لها باعتبارها جماعة مغيرة, وينتظر منها العامة والمستضعفون عموما الكثير. هكذا نجد انفسنا امام ثنائية تطورت مع الايام لم تعد مكتفية بالتنظير, انما هي الآن في صميم الممارسة, تسعى الى اللحاق بالفعل السياسي مادام الفعل الثقافي في تراجع, ذلك لان معظم عناصر النخبة نتاج المؤسسات الرسمية ـ ولاشك ان امثالهم في دول العالم هم ايضا نتاج المؤسسات الرسمية ـ لكن الحديث هنا يركز على التحول الحاصل في الدور المنوط لهم. ومن المرجح ان ذلك يعود لسبب هام هو عدم استقلال النخبة, ورضاها بالعلم او الثقافة على حساب التطلعات السياسية, ولا غرو حين نجد مجتمعاتنا تتجه الى مزيد من التخلف ـ رغم التحديث الحاصل على مستوى البنية الفوقية ـ لان النخبة المثقفة تتفاعل مع المؤسسات الرسمية خصوصا الاشخاص, اكثر من تفاعلها مع جماليات الثقافة وقدسية رسالتها. وليست الدعوة للاستقلالية محاولة لدفع المثقفين لمزيد من الضنك, وانما الهدف ان يكونوا قوة حقيقية مغيرة, وليست مغيبة بفعل ثنائية انتقلت بالتدريج من التعبير والكتابة الى الفعل * كاتبة جزائرية مقيمة في مصر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات