الوضع النهائي هو الوضع الراهن، بقلم: أحمد عمرابي

قبل نحو خمسة عشر عاما قال الزعيم الاسرائيلي (الليكودي) المخضرم اسحاق شامير ان بوسعه ان يجري تفاوضا مع الفلسطينيين لمدى عشر سنوات متصلة دون السماح للمسار التفاوضي ان يفرز نتيجة واحدة!في ذلك الحين ضحك المعلقون العرب والغربيون على حد سواء معتبرين قول شامير من ذلك النوع من المبالغة الكلامية التي يقصد بها التفكه والتندر . الآن ـ وتحديدا ـ هذا الاسبوع ترددت اصداء مقولة شامير. فقد صرح حاييم رامون وزير شؤون مجلس الوزراء الاسرائيلي عقب الاحتفال بتوقيع (اتفاق واي ـ 2) في شرم الشيخ بأن التفاوض الفلسطيني الاسرائيلي بشأن حسم قضايا (الوضع النهائي) قد يستغرق بين خمسة وعشرة اعوام. والشيء بالشيء يذكر, ففي مفاوضات كامب ديفيد عند اواخر السبعينات بين الرئيس انور السادات ورئيس الحكومة الاسرائيلية مناحيم بيجن عرض الاخير مشروعا لتسوية المسألة الفلسطينية على اساس (حكم ذاتي) للفلسطينيين لفترة مرحلية يعقبها تفاوض لتحديد (الوضع النهائي) ووفقا للمشروع فإن الفترة الزمنية المقترحة لكل من المرحلة الانتقالية والمسار التفاوضي حول (الوضع النهائي) حددت بخمس سنوات. والسؤال المطروح بإلحاح هو: هل يتبلور (الوضع النهائي) فعلا؟ وكم من السنين يستغرق لكي يتبلور؟ وما الشكل الذي سوف يتخذه؟ للاجابة على هذا السؤال متعدد الجوانب لا نحتاج ان نتكهن بالغيب, يكفي ان نتفحص مسلسل التطورات التي وقعت بالفعل منذ توقيع (اتفاق اوسلو) . جرى توقيع (اتفاق اوسلو) عام 1993, ووفقا لنصوصه تبدأ مفاوضات الوضع النهائي بعد خمس سنوات كحد اقصى بعد ان يكون الانسحاب الاسرائيلي من اراضي غزة والضفة الغربية قد اكتمل كما نص الاتفاق, غير ان الانسحاب لم يبدأ اصلا في عام 1996 كما هو مقرر. جرى ابرام اتفاق جانبي يقضي ببدء الانسحاب من مدينة الخليل كخطوة اولى, وأطلق عليه (اتفاق الخليل) . كان ذلك في آخر ايام رئيس الوزراء (العمالي) شيمون بيريز, ولكن عندما جاء الى السلطة خلفه (الليكودي) بنيامين نتانياهو اختلف الامر. فقد لجأ نتانياهو الى المماطلة بحجج امنية كمنهج ثابت اعتمده في التعامل مع الطرف الفلسطيني. واحتاج الامر الى سنتين لكي يوافق رئيس الحكومة الاسرائيلية اخيرا على صيغة جديدة لاتفاق الخليل تتضمن شروطا اسرائيلية على الاتفاق. وهكذا جرى التوقيع على اتفاق جديد باسم (اتفاق واي ريفر) . ومع ذلك عاود نتانياهو المماطلة المنهجية لمدة سنة الى ان خلفه الزعيم (العمالي) الحالي ايهود باراك, وما ان استأنف الفلسطينيون التفاوض مع رئيس الحكومة الجديدة حتى طلع عليهم بشروط وتعديلات مستجدة. وبعد ثلاثة اسابيع من جولات تفاوضية رضخ الطرف الفلسطيني للشروط والتعديلات, فولد اتفاق جديد, هو ذلك الاتفاق الذي احتفل بتوقيعه هذا الاسبوع في شرم الشيخ, وأطلق عليه (اتفاق واي ـ 2) . ولنحسب الحصيلة, موعد بدء مفاوضات الوضع النهائي تأخر حتى الآن لأكثر من سنة, ونصوص اتفاق هذا الاسبوع تمدد الموعد لسنة اضافية حتى سبتمبر 2000, وهنا نتساءل: ألا تتابع حلقات المسلسل؟ أوسلو ولدت (الخليل) .. و(الخليل) والد (واي ريفر) الأولى.. وهذه ولدت (واي ريفر) الثانية أو قل (شرم الشيخ) الأولى.. فماذا عسى ان يكون اسم المولود المقبل؟ وفي هذه الاثناء ولمدى ست سنوات حتى الآن من توقيع اتفاق اوسلو ظل الوجود الاسرائيلي في الضفة الغربية يتوسع ويتعزز باستمرار بناء المستوطنات اليهودية وما يتبعها من طرق التفافية ونقاط عسكرية لحماية السكان المستوطنين. انها لعبة ربح الوقت لخلق وضع يهودي ديمغرافي واقع عند نهاية المطاف.. هو في الحقيقة الوضع النهائي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات