امتلاك المعرفة والتخطيط المنهجي أولا،الثقافة العربية في مواجهة التحديات، بقلم: علي عقلة عرسان

الثقافة العربية, بمفهومها الشامل, في حالة مواجهة على مستويات عدة لتحديات كثيرة, وما تواجهه لا يقتصر على ما تفرضه المعطيات السياسية و(عملية التسوية او التصفية) للقضية الفلسطينية, التي تتنامى منذ مؤتمر مدريد حتى اليوم . الثقافة العربية في حالة مواجهة تشتد وطأتها وتتعدد أشكالها ووجوهها وساحاتها, وتتركز في مواجهة لسياسة الاستسلام ونهجه ولأصحاب ذلك النهج, ولمن يعملون على وضع الثقافة في خدمته من داخل البيت الثقافي العربي ذاته, ويعملون على تحقيق اختراقات في الثقافة لمصلحة الصهيونية والامبريالية الامريكية ومشاريعهما الاستعمارية والاستيطانية في المنطقة. ويمكن ان نحيل تلك المواجهة الى تحديات مطروحة على الامة والثقافة والمثقفين العرب تستدعى تعاملا معها, فما هي التحديات الراهنة المطروحة على وطننا وامتنا, وعلى المثقفين اولا من بين أبناء وطننا وأمتنا, لتكون المواجهة على ارضية واقعية منطقية موضوعية وعلمية؟؟ التحديات المعرفية اولا ـ ان انتقال الامم المتقدمة من عصر الحضارة الصناعية التجميعية الكبرى الى عصر الفضاء والذرة والحواسيب والمعلوماتية والعولمة بأبعادها المادية وانعكاساتها المعنوية, والانتاج القائم على سد الاحتياجات الناشئة في الاسواق المختلفة, حسب تنوع الاسواق والسلع, وحسب الجداول الزمنية التي تتطلبها تلك الاحتياجات, جعل العقل ينتقل من ساحة عمل على منوال معين ساد في العقود السابقة, الى ساحة عمل ومنوال مختلفين. واذا كنا, حتى الوقت الحالي نفكر, بالانتقال من عصر الحضارة الزراعية والنمط الاقطاعي والاستهلاك المتصاعد للمنتجات الصناعية التي يقدمها الغير, والصناعات البدائية او الأولية التي تعلمناها؛ اذا كنا نفكر بالانتقال الى عصر الصناعات الكبرى والمركبة والتجميعية المعقدة؛ فان هذا يجعل الفارق المنظور بيننا وبين الآخرين فارقا ضخما يزداد اتساعا يوما بعد يوم لان التقدم في مجالات الذرة وعلوم الفضاء والهندسة الوراثية والحواسيب يمكن من تحقيق تقدم سريع جدا, في حين يبقى التقدم حسب معطيات علوم وتطبيقات ما قبل ذلك العصر ضئيلا ونمطيا ومحدودا. فهل نستطيع ـ نحن المثقفين العرب ـ ان نواجه الامة بحقيقة ما هي عليه وبحقيقة ما يجري من حولها, وان نشكل حالة من الوعي المعرفي والعلمي والقومي, تجعل الانتقال ممكنا من واقع المجتمع الاستهلاكي, والتفكير الصناعي الاولي, والحضارة الزراعية, الى مرحلة استيعاب علوم الذرة والفضاء ومعطيات الحواسيب وتطبيقات العلوم النظرية, مع امتلاك الحرية والقدرة على تجديد افقها بالوعي, من خلال تحرير عقولنا وذواتنا من الحاجة والتبعية والعجز والخوف والولاء الاعمى, ومن قيود تحكم الآخرين بكل ما نحتاج اليه حاجة حيوية في الدفاع عن أنفسنا, ومن أجل تحقيق تقدم في اي مجال من مجالات حياتنا؟؟ وهل هيأنا انفسنا معرفيا وروحيا لمثل هذه المهمة الصعبة والعاجلة؟! ان المثقف العربي مطالب بامتلاك معرفة في هذا المجال, وبتحويل هذه المعرفة الى وعي لدى الآخرين, وتحويل الوعي الى قرار وموقف وسلوك وانتاج وعلاقات عمل وأخلاق تعامل؛ وهذا يحتاج منا الى عمل مضن, ابتداء من مجالات التربية والتعليم والمناهج التي تحقق النقلة النوعية المطلوبة, وانتهاء بمجالات الإعلام والسياسة ومعايير القيم والتفكير العلمي ومناهجه وأبحاثه واستثمارات تلك الأبحاث في التطبيق العملي. ثانيا ـ التحدي السياسي ـ الثقافي ـ الاجتماعي والاقتصادي, الذي يطرحه الغرب الاستعماري والكيان الصهيوني المتحالفان, على امتنا ووطننا وثقافتنا ومثقفينا, والذي يتجلى في: * تفتت الامة او تفتيتها, وهزال كل أشكال التضامن والتفاهم والتنسيق بين انظمتها واقطارها وحتى مثقفيها, وجعل كل قطر عربي يسعى وراء مصالحه الخاصة مثقلا بأعباء ضعفه وعجزه, التي تكرس انعزاله وفعاليته على المدى البعيد, ولا تجعله يخدم, في نهاية المطاف, سوى مصالح اشخاص وفئات لا مصالح امة ووطن, كما تكرس اعتماده على العدو الصهيوني والغرب الاستعماري في إقامة تحالفات او تقديم تنازلات مهينة حتى لو تم ذلك على حساب الوطن والحق والانتماء والعقيدة والهوية ومصلحة الأمة وأجيالها ومستقبلها!؟. * فرض الهيمنة الصهيونية على المنطقة العربية من خلال: أ ـ تعزيز القدرة الشاملة للكيان الصهيوني ولاسيما في المجالات العسكرية تسليحا وتصنيعاً للأسلحة, وتطويرا علمياً لكل مجالات الحياة وامتلاكاً للتقانة, بكل انواعها في المجالات الفضائية والجوية والنووية والبرية والبحرية, وتقوية الارضية الاقتصادية الحاملة للعبء المترتب على ذلك وما يقتضيه المشروع الصهيوني في مرحلياته المحددة؛ وضعف او اضعاف قوة العرب وقدراتهم بالمقابل وفي كل تلك المجالات, وبقاؤهم في حالتي عجز وتبعية, ومحاصرتهم, ومنع بيع حتى الاسلحة التقليدية لهم, الا في حالات ضمان كونها لاستنزاف الثروة وليس لتحقيق اي حسم او اي نصر في المعارك المصيرية, او لضمان انها لمحاربة بعضهم بعضا. وكذلك منع حصولهم على او امتلاكهم لاية اسلحة متطورة وتقانة قادرة على انتاج ذلك النوع المتطور من الاسلحة. ب ـ تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني ورفع المقاطعة العربية عن اسرائيل وجعل عمقها الاستراتيجي اقتصاديا يمتد ليشمل الوطن العربي كله والتوجه نحو سياسة ترمي الى ان يصبح الكيان الصهيوني القوة المهيمنة في المنطقة والموجهة لسياستها, ومفتاح الازدهار الاقتصادي او الكساد الاقتصادي, من خلال وقوف الغرب والدول الصناعية الى جانبه, وتكوين الاحلاف بقيادته. ج ـ التوجه نحو فرض النظام الشرق اوسطي ماليا واقتصاديا وسياسياً وأمنيا وحتى ثقافيا, بما يحمله ذلك من تفتيت للشخصية العربية ـ الاسلامية ومقوماتها وقيمها وتدمير للمؤسسات الحامية لها, وما تضفيه الشخصية الشرق اوسطية من هوية وخصوصية على المنطقة واهلها, وما يقود اليه غياب الاحساس بالتمايز, الذي تمنحه الهوية والشخصية القوميتان من صلات ومواقف, وما تحركه من تيارات تفكير وتدبير وتحرّر, وما تؤدي اليه جهودها اذا ما سارت في نهج حقيقي للتحرير. وجعل ابسط الصلات والمؤسسات العربية القائمة اليوم, ومنها الجامعة العربية, بضعفها وهزال تأثيرها, اثرا بعد عين, اذ هي (جامعة الكراهية) , كما يسميها شمعون بيريز, تلك التي يجب ان تزول ـ حسب رأيه ـ لتحل محلها (الجامعة الشرق اوسطية) , حيث لاسرائيل متربع ومربع وربيع فيها وموقع قيادي تأسيسي, ونصيب وافر من الهيمنة الشاملة امنيا واقتصاديا وسياسيا واقامة تحالفات مع بعض الدول الهامة في المنطقة مثل تركيا, وهي تحالفات تهدد بملء السمع والبصر اليوم. ومن المعروف ان الولايات المتحدة الامريكية هي التي ترعى هذا التحالف وتدفع الاردن قدما للمشاركة فيه. د ـ تعزيز نمو قيم المجتمع الاستهلاكي في الوطن العربي, بعد انتشار ظاهرة الاستهلاك بكثافة ملحوظة فيه, مما يزيد من ضعف الانتاج الاساسي, ومن تدهور العلاقات الاجتماعية والاسرية السليمة, ويفتك بقيم الفرد وبتماسكه الروحي وصلابته الوجدانية والخلقية والنضالية. ويؤدي ذلك الى شيوع الفساد الاجتماعي وقيمه وأساليبه وعلاقاته ومناخه العام, الامر الذي يقضي على الفرد والمجتمع, ويغير التطلعات والطموحات والاهتمامات والمعايير الاساسية لما هو جيد ونظيف ومبدئي ورئيسي ومقدم في الحياة, ليغير التوجه الى ما هو نقيض ذلك في النظرة الاجتماعية والخلقية. ونحن نعاني اليوم من تفشي الفساد بكل اشكاله في حياتنا واعمالنا وعلاقاتنا. صحيح انه ليس مفروضا علينا, ولكنه نتيجة من نتائج الضعف والترهل والتشتت الذي وضعتنا فيه ظروف الاحتلال والتواطؤ الاستعماري مع الاحتلال, وما ادى اليه ذلك من إعلاء شؤون على شؤون, وترك امور مهمة بغية الالتفات الى ما هو أهم. مسؤولية المثقفين وفي ظل مجتمع متهالك متهافت منهار لا يسود الا الانحلال والسطحية والجهل والتواكل والتخلف الروحي والنفسي, وموات الطموحات والتطلعات الكبرى؛ وهذا يؤدي الى ان يستمر استنزافنا بارادتنا, وجعلنا مجرد افواه وسواعد, نخدم ونأكل, ونكون في خدمة الغير وهو هنا العدو الصهيوني بالدرجة الاولى ـ الذي يحتل مرتبة الرأس من الجسد, ويأخذ الاهتمامات العلمية والمعرفية والحضارية والتقنية العليا, بينما نبقى نلهث عند عتبة السلم في هذه المجالات, ونكتفي بدور عمال الصيانة عند المخترعين والمبدعين في افضل الحالات. فهل يستطيع المثقفون العرب استيعاب معنى هذه المخاطر والتحديات والتصدي لها, من خلال رؤية مستقبلية شاملة وجبهة ثقافية عاملة, وبرامج تربية وتثقيف وأداء سياسي واجتماعي واقتصادي, على ارضية علمية وعملية, بهدف تغيير الواقع والتحريض على السير في طريق الصمود للإغراء ومقاومة الصدمة والابتداء من نقاط الانطلاق المفيدة والمجدية, ثم التقدم بثقة على طريق مجاوزة التخلف والاختلاف والضعف والاحباط, والانتقال الى امتلاك الايمان والثقة والعلم والتقانة وكل الامكانات التي تحقق مشروعا نهضويا منقذا, وتضع حدا لمشروع الغير المناقض لمشروعنا والمضاد له؟ ان هذا التحدي ليس بسيطا وقد يحتاج ـ بل انه يحتاج فعلا ـ الى ان نعود الى المدرسة وننطلق منها بقيم تربوية ومعطيات معرفية وعلمية ومناهج حديثة وسليمة, لنبدأ تكوين الانسان المنتمي, الصلب القادر على حمل مشروعه النهضوي ـ التحرري, او التحريري ـ وعلى تحقيق ذلك المشروع. ومن المؤكد ان المدرسة ليست مجرد جدران وامكانات مادية وشعارات, على أهمية ذلك وضرورته احيانا؛ وانما هي العلم والمدرس والاستاذ, المنهج والمادة العلمية المقدمة فيه والهدف التربوي ومستوى العلم والاداء العملي على ارضيته, انها الانسان القادر على صنع الانسان والنهضة الحضارية الشاملة, التي يحتاج اليها, بثقة واقتدار. وهل يبنى ذلك بغير الثقافة الجادة, والمعرفة العلمية العميقة والدقيقة, والايمان بالحق والمستقبل والإحساس التام بالانتماء والمسؤولية التاريخية عن الأمة وحيالها؟ وهل يكون ذلك من دون توافر الحب الكبير للارض والخلق, ومن دون التعلق بالحرية والحقيقة وقيم الايمان وحقوق الانسان؟ اشك بإمكانية تحقيق ذلك من غير وجود الانسان المؤهل, وأومن بقدرة الثقافة على المساهمة الكبيرة بتكوين ذلك الانسان وتأهيله؛ وهذا التحدي الكبير فعلا ملقى على الثقافة العربية وأهلها, وهم قادرون على التصدي لذلك التحدي, فهل تنهض وننهض بأعباء مواجهة استحقاقاته؟ انه سؤال مطروح بحدة ودقة وإلحاح وشدة. ومن المسلم به ان رأس حربة التغيير الجذري في هذه المجالات وقاعدته المتينة هو الفكر والابداع والعلم, وما تؤدي اليه من ذلك: التربية والمناهج والجامعات والبحوث العلمية. ونحن نذكر انه في بداية الستينات من هذا القرن, وبعد ان حقق السوفييت تقدما على الامريكيين في مجالات غزو الفضاء, قرع الرئيس كيندي ناقوس الخطر, وابتدأ بالمدارس والمناهج؛ وبعد عقد من الزمن تقريبا تقدم الامريكيون على السوفييت في هذا المجال. وهذا لا ينفى مشاركة الثقافة ودورها وتأثيرها في هذه المجالات جميعا؛ ولكن لابد من مواجهة سؤال هام هنا وهو: هل تستطيع الثقافة ان تؤدي دورها فتحرر بالوعي المعرفي, وتنقذ من الخواء الروحي والضلال والفساد والتآكل, وتدفع الانسان الى السير في طرق العلم والحضارة وامتلاك القيم والتقدم بأنواعه؛ من دون ان تنمو في مناخ من الحرية, ومن دون ان تقوم على أسس من احترام العقل والممارسة الديمقراطية؟ وهل يستطيع المثقفون ان يحرروا الوعي والانسان, وان ينيروا القلب ويخصبوا الروح, من دون ان يحرروا انفسهم من التبعية بأشكالها ومن النفعية ومن الخوف واليأس, ومن كل خلل في سلم المعرفة والمعايير والقيم الخلقية والانسانية السليمة؟! اكاد اقطع بان جوهر الابداع والفكر هو: قيم رفيعة, وتعلق بالحرية والعدل والحقيقة والقيم, وشجاعة في المواجهة على ارضية رؤية متألقة مزدانة بالانتماء والمتانة الداخلية.. متانة الاعماق الروحية والصلات الاجتماعية. واكاد اقطع ايضا بانه من دون اشاعة المساواة بين الناس, واحترام الحقوق والحريات العامة, لاسيما احترام حق الاخر في الاختلاف تحت سقف ثوابت الانتماء والمواطنة والوطن؛ لا تقوم لثقافة امة ولا لمثقفيها قائمة يستند اليها المجتمع ونظام الدولة, فتحرر وتبني وتمارس وجودها الحيوي الذي تحتاج اليه الامة والبشرية, ولا تتقدمان من دونه أبدا. ضرورات حتمية ولذلك فانه لابد من مواجهة مطالب اساسية: * قضية الممارسة الديمقراطية على ارضية الانتماء لواقع وثقافة وتاريخ, واحترام الحقوق والحريات العامة, وربط الحرية بالمسؤولية عن امة في واقعها ومعطيات ذلك الواقع, وفي تطلعاتها ومشروعية تلك التطلعات, وما يرتبه كل ذلك من تبعات والتزامات, هو مما يطلب من المثقف والثقافة رعايته, مع التأكيد على أهمية جعل افق الحرية مفتوحا على مداه, يجدده الوعي المعرفي باستمرار ويساهم هو في تجديد الوعي المعرفي وتعميقه باستمرار, من دون اي نوع من انواع المصادرة او الوصاية او التضييق, وصاية مثقف على مثقف وتضييق سلطة على ثقافة. وان التعمق في دراسة موضوع: السلطة والحرية, لاسيما في المجال الثقافي, والعلاقة بين السياسي والثقافي, من اهم الموضوعات التي تستدعي المناقشة والاهتمام والرعاية في هذا المجال, فكل تبعية عمياء للسلطة ـ بوصفها سياسة ـ مرفوضة وكل دعوة للنأي بالنفس عن صور ادائها واهتماماتها غير ممكنة وغير واقعية. وقد سادت, في فترة من الفترات, نظرة تزعم ان الثقافة ينبغي ان تكون دوما على خط مناقض او مضاد للسلطة! وقد جنينا الثمر المر لمثل هذا الاستيراد لبضاعة فاسدة كان لتصديرها اهداف ضارة, ومازال ذلك يفعل فعله في مجتمعاتنا وثقافتنا ومواجهاتنا مع العدو الصهيوني والغرب الاستعماري من جهة وفيما بيننا من جهة اخرى. وليس البديل هو تبعية الثقافة للسلطة وتحول المثقف الى مداهن لها ومسوغ لممارساتها المغلوطة, او ممارسته دور الطبال والزمار في ركاب رجل السلطة. ان الموضوع يقتضي ان يبحث وان ينظر اليه على اساس من التكامل في اطر معايير موضوعية تحكم الاداء السياسي والثقافي والعلاقة القائمة بينهما, انطلاقا من حقيقة تكامل بنى المجتمع والدولة, ليتم التقدم والتعامل على اسس سليمة. ونحن نحصد نتائج العلاقة المريضة او المختلة لذلك الوضع الذي استمر طويلا, يوم كان المثقف تابعا للسلطة او سلعة في اسواقه او رافضا لكل تواصل مع ادائها ايا كان ذلك الاداء تحت ذرائع شتى؟ * مقاومة الاعتراف بالعدو الصهيوني وأشكال تطبيع العلاقات معه. ومن المفارقات التي يواجهها المثقف الملتزم بتلك المقاومة, في هذه الحالة انه يبدو وكأنه ضد السلام, او يراد له ان يبدو ضده, وهو يقدم على انه كذلك, ومثل هذا الوضع ـ المفارقة التي يبنونها حوله ـ يجعله مرتبكا في بعض الحالات, لان الثقافة المبنية على مسؤولية خلقية وقيم انسانية هي تاريخيا مع السلام, فكيف يكون هو ضده؟ والتحدي الذي يواجه المثقف العربي في مثل هذه الحالة هو القدرة على التفريق, والاقتناع والاقناع بذلك التفريق بين السلام الصهيوني المفروض علينا نحن العرب والمرفوض منا عقليا ووجدانيا لانه ليس السلام, وانما هو (الاستسلام مزوقا ومسوقا بمهارة سماسرة السياسة والثقافة المتعاونين على الشعوب وقضاياها المصيرية العادلة) , انه اتفاقيات اذعان تفرض في حالة من انعدام القوى, بله التوازن الاستراتيجي, بيننا وبين العدو الصهيوني, سلام في وضع مختل كليا يؤدي الى استسلام؛ وهو نتيجة لخلل في الموازين الدولية والعلاقات العربية ـ جراء المتغيرات العربية والدولية ـ خلل لا يمكن ان يدوم على هذا النحو الى الابد حتى لو صوروه قدرا, ولن يتغير من تلقاء ذاته من دون عمل وقوة ومبادرات خلاقة من جانبنا نحن المتضررين من وجوده بالدرجة الاولى ـ خلل بين استسلام يفرض بقوة القهر بوصفه سلاما وبين سلام ينبع من اقامة العدل في المنطقة وازالة العدوان واسباب التوتر وبؤره فيها. ولن يتأتى ذلك السلام الحقيقي العادل والدائم والشامل في المنطقة الا باقتلاع الاحتلال الصهيوني من الارض العربية والقضاء على أشكال العدوان ومظاهره وأنواع التبعية ونتائجها, وكل حديث عن سلام بمفهوم مغاير, هو نوع من الوهم لان الكيان الصهيوني لا يريد السلام الا على حساب وجودنا, ولا يفهم السلام الا هيمنة علينا وإبادة روحية او جسدية روحية لنا, فكيانه ووجودنا التاريخي في ارضنا لا يتعايشان ولا يلتقيان الا في ساحة صراع حتى الحسم النهائي لذلك الصراع. ولن يكون المستقبل الا لنا في هذا المسار التاريخي الطويل... وعلينا ان نوضح ان موضوع السلام ليس هو الموضوع الذي نقاومه, وانما التزييف الفاضح والفادح لكل من مفهومي العدل والسلام معا, وما يفرض علينا من مفاهيم مزيفة وفاسدة بقوة (التفسير الدولي للقانون) , ذاك الذي تحتكره وتفرضه وتسوقه الولايات المتحدة الامريكية, بامتلاكها القوة وبسيطرتها على مجلس الامن الدولي, وعلى القوة الدولية الضاربة: حلف شمال الاطلسي الآخذ بالتوسع.!! وعلى ذلك فان مسيرة الاعتراف بالعدو الصهيوني, وتطبيع العلاقات معه, هي مسيرة مناقضة للحق والعدل والسلام, ولكل ما هو في مصلحة امتنا على المدى البعيد, ومناقضة للمبدأ الخلقي القيمي والانساني العام, الذي تتعلق به الثقافة ويقوم عليه الابداع الادبي والفني والفكري, وهي مسيرة مكرسة للظلم والظلام والقهر, ولسيطرة القوة علينا وتكريس الضعف فينا, وهو ما يتناقض مع نور الحق الذي تهدي اليه الكلمة وتهتدي به الثقافة. والنور والعدل والحق والحرية, سلام, بل هي جوهر السلام, لان ذلك يرسخ الامن والاطمئنان والسكينة في نفوس الافراد والجماعات, على ارضية خلقية حقانية انسانية دائمة ومستقرة. فهل نحن قادرون, في المجال الثقافي بمفهومه العميق الشامل, الذي يضم المثقفين جميعا, على حشدهم في ساحة المواجهة الثقافية الساخنة التي هي اسخن جبهات المستقبل وأشدها تأثيرا؟ هل المثقفون قادرون على مواجهة هذا النوع من التحديات الكبيرة الجارفة, وهذا النوع من التحريف للمفاهيم والتزييف للواقع والوقائع والمسلمات والرؤى والمعطيات والسياسات؟ ذلك الذي تحشد للقيام به وترسيخه وسائل اعلام مسموعة ومرئية ـ مسموعة, منها فضائيات مشبوهة بالغة التأثير وأخرى معادية لنا تماما لا تقل عنها خطورة في التأثير, ومراكز ابحاث غربية وصهيونية, وتقف وراءه قوى وسياسات واجهزة مختلفة, وتدعمه رؤوس اموال كبيرة وعقول خبيرة؟ هل يستطيع المثقفون العرب تكوين جبهة قادرة على العمل بجدية لتحقيق حضور في ساحة القرار السياسي العربي؟ وهل المثقف قادر على ان يصرخ في وجه السلطة الغاشمة, ايا كانت السلطة الغاشمة, حينما يكون معه الحق وحينما تمارس فسادا في الارض وطغيانا وجورا, وان يمارس انتماء فعليا للحرية المسؤولة وللمواطنة في تجلياتها المبدعة؟ هل المثقف العربي مستعد لمواجهة هذا التحدي بقدراته الذاتية وايمانه ووعيه التاريخي, ولان يتحمل جراء تلك المواجهة صعوبات وضائقات وملاحقات وتضحيات؟ ان هذا الموقف المطلوب لا يتصل بالحق والعدل والانتماء الوطني والقومي فقط, وانما يتصل ايضا بترسيخ القيم ورفع الانموذج الافضل والاسمى, وفتح باب النضال الانساني في الحياة على مصراعيه, ضد الظلم والعنصرية والعدوان والقوة القهرية والفساد والافساد, ومن اجل الا تشوه الحقائق والا يزيف التاريخ والوعي. وهذا باب يديم قيمنا ويبرر نشداننا للوعي والمعرفة والقوة, ويديم العرف والمعروف بين الناس, اذا ما فتحناه بجدية وجرأة وكفاءة. فهل المثقف العربي, المدعو الى مواجهة هذا التحدي, جاهز للمواجهة وقادر على تحمل اعبائها وتبعاتها, والاحداث الجسام تقرع الابواب؟ ان السؤال مطروح على القادرين على المواجهة والراغبين فيها, في آن معا. تشويه الحقائق ثالثا ـ ومن التحديات المتصلة بهذا الموضوع والمرتبطة به او الناتجة عنه, قضية تشويه معنى المقاومة الوطنية للاحتلال وجعلها ارهابا وتخريبا. وهذا عدوان على الحق وتشويه للحقيقة واستهتار بالمعرفة وبالقوانين والأعراف الانسانية والدولية, واستهتار فاضح بالتقدم العلمي والحضاري الذي انتج تلك المفاهيم وأدى اليها, وبالتضحيات التي قدمتها البشرية حتى تبلورت هذه المفاهيم وتمايزت بعضها عن بعض, ورسخت رسوخا ظاهرا. فكل من يقاوم احتلال الصهاينة لارضه اليوم من العرب, وكل من يفكر بالتحرر من السيطرة الامبريالية الصهيونية وبمقاومتها, وكل من يوجه جهده لتحرير الارض او الارادة او القرار السياسي, او يقاوم ويكافح للتخلص من اشكال التبعية الفكرية والاقتصادية والسياسية هو ـ بنظر الصهيونية والولايات المتحدة الامريكية ومن يواليهما ـ مخرب وارهابي وعدو للمجتمع الدولي. ومن يريد ان يعود الى اصالة من اي نوع والى مقومات شخصية ثقافية وحضارية او هوية قومية, او الى عقيدته ومقوماتها وقيمها واصالة تعاليمها وسلامة تلك التعاليم, محكوم بتهمة الاصولية, بمفهومها السياسي, الغربي, المقدم صهيونيا والمروج امريكيا. وقد غدت هذه التهم الجاهزة (ارهابي, مخرب, اصولي).. تلحق بكل من يرفع راية العروبة والاسلام, راية القومية والدين, راية التحرير والتحرر من التبعية للآخرين والتمسك بشخصية ثقافية وهوية متمايزة ورؤية وقرار. ولا يدرك بعض العرب, وبعض المسؤولين من بين العرب على الخصوص ـ او هم لا يريدون ان يدركوا ـ خطورة هذا الوضع وانعكاساته المستقبلية على المنطقة والامة؛ بل يشاركون احيانا في ايجاده وتضخيمه وتعزيزه وتعميمه, وفي اضفاء مشكلاتهم وازماتهم الداخلية عليه, ليصبح فيما بعد مسوغا للممارسات العدوانية الغربية, مع ضمان سكوت بعض العرب او مراوغتهم؟ كما تشارك عناصر مدسوسة على العروبة والاسلام, او مشوهة الرؤية لكل منهما, في ذلك الفعل, وتعطي للصهيونية العنصرية الحاقدة وللغرب المتواطئ معها, ذرائع ومسوغات للاتهام والعدوان وتشويه الصورة وفرض البديل. ويترتب على الثقافة, اي على المثقفين العرب, بذل جهود كبيرة لتغيير تلك النظرة, من خلال الرد على كل حملات التشويه والتشكيك الرامية الى ابادة الوعي وزعزعة الثقة لدى المواطن العربي والأمة العربية, تلك الحملات التي تقوم بها الصهيونية والغرب الاستعماري. ولا يكون ذلك الا: أ ـ بمراجعة صريحة وشجاعة دقيقة للمفاهيم والمصطلحات والمواقف والاعتقادات, على ارضية من الفهم والعلم والانتماء والموضوعية, والنظرة المستقبلية الواعية ولأهدافها ووسائلها, المتبصرة جيدا بتاريخها وعلاقاتها التاريخية مع الامم والدول. ب ـ بإقامة جسور التواصل البناء بين الثقافي والسياسي والاجتماعي في هذا المجال, بنجاح وتوازن وحكمة وبعد نظر ومسؤولية تامة عن الحاضر والمستقبل. فهل ينجح المثقفون في هذا العمل, وهل هم وحدهم المعنيون به والمنوط بهم مثل هذا الامر؟ هل يكونون قوة معرفية وجدانية قومية وانسانية, تملك المصداقية والجرأة والقدرة, وتتصدى بكفاءة وجدارة للضخ المعلوماتي المشوه الموجه الى انساننا العربي وثقافتنا ومواقفنا ونضالنا المشروع؟ هل يملكون ان يتعاملوا فعلا بنجاح ومن موقع ثقافي ذي ثوابت مبدئية, مع اهم ادوات التنوير والتثوير والتحرير في هذا العصر التلفاز والفضائيات خاصة ووسائل الاتصال الحديثة كلها بحرية واقتدار, وهي التي تصنع الكثير ويمكن ان تغير الكثير ايضا. وكما قال تيموثي غارتون آش بحق (لقد كانت الوسيلة الحاسمة داخليا وخارجيا للثورة ـ ثورة البلدان الاشتراكية قبل انهيار الاتحاد السوفييتي, على الاتحاد السوفييتي ـ هي التلفزيون. وفي اوروبا في اواخر القرن العشرين اصبحت جميع الثورات متلفزة) . هل يملكون المقدرة على جلاء الثوابت القيمية والقومية والعقائدية التي تميز شخصية امتنا عن سواها من الأمم, وتمايز ملامح هويتها عن الهويات الاخرى, وتجلو حقها وتزيل عنه ما الحق به من شبهات, وتجعلها قادرة على المثاقفة بثقة واقتدار, وعلى تحقيق معنى الانفتاح على الآخر باعتزاز ومن دون خلل؛ فيصبحون قوة تدافع: بالمعلومة والفكرة والتحليل والمنطق والاسلوب ونوع الخطاب, عن كل تلك المقومات والقيم بعلمية وموضوعية وحماسة؟ ام انهم سيهابون الاحكام المسبقة والعصى الغليظة المرفوعة في وجه من يفعل ذلك, واساليب التعتيم والتقزيم التي يلاحق بها الاعلام المشبوه والعربي المريض والجاهل, من يتوجه مثل ذلك التوجه, ويأسفون على شهادات حسن السلوك (الحضاري) التي سيتوقف الغرب عن منحها لهم اذا ما انحازوا الى امتهم وقضاياها العادلة بانتماء وموقف واضحين صادقين شجاعين؟ وهل سيصمد المثقفون العرب امام الاغراء المالي والإعلامي, وامام إغراء المكاسب وجوائز التلميع والتطويع, وأساليب التصدير والتسويق والتزويق والترويج العالمي, ذلك الذي تقدمه الجهات الامبريالية والصهيونية والعربية المرتبطة او السائرة في الركاب, لكل من يخرج من العرب والمسلمين على امته وعقيدته وبيئته الثقافية, ويترك حقوقه ويزري بانتمائه لهذه المنطقة من العالم ولمقولاتها وحقوقها ومعتقداتها وتاريخها ونضالها وتقاليدها ومعاناة أبنائها وآلامهم وآمالهم وتطلعاتهم؟ هذا التحدي مطروح على المثقفين العرب, ومطروح عليهم في الوقت ذاته التفكير بإيجاد الامكانات والوسائل والادوات, والابداع في ذلك كله, لمواجهة اشكال التضييق والمنع والقمع التي تشارك بها جهات عدة, ابتداء من اجهزة مخابرات التحالف الدولي ضد الشعوب وانتهاء بعناصر السمسرة والميوعة الثقافية والاعلامية العربية وإعلامها وامعاتها, الذين بدؤوا يدخلون (التاريخ) في عصر التطبيع, من خلال ادعاء الوعي الزائف والتسامح المحمول على حق العرب والمسلمين في ارضهم, وبمقولات الواقعية الانهزامية التي اخذت تضع بيوضها واجنتها هنا وهناك, وتفرخ تراخيا وتسويغا للهزيمة وفسادا وافسادا, وانفلاتا وانحلالا وجهلا, وحقدا مقيتا يمليه ذلك الجهل وينميه, ويبثه ضد كل من يقاوم تيارا يدعون انه لن يقاوم, ومن يدعو الى بناء الثقة بالذات وبالمستقبل للإبقاء على صلابة روحية واجتماعية واخلاقية تغرس الامل وتنميه وتحمي ما تبقى لامتنا, وتؤسس لبناء اجيال وقدرات تمكن من استعادة الحق والدفاع عن الذات. نعم قد لا ينجح جيل من المثقفين العرب المؤمنين بالتغيير في تحقيق غاياتهم, وقد يكون موج التطبيع والتطويع والتركيع والاذلال والابتذال اكبر منهم؛ ولكن كلماتهم ومواقفهم لن تموت وستبقى شعلة ومصباحا, وزيتا يمد ذلك المصباح من زيتونة مباركة نقية, استقرت في الوجدان النقي لعرب ومسلمين وبشر اسوياء يرون ميزة الانسان في الدفاع عن العدل لا في التخلص من كل حمل يثقل وجدان الانسان وذاكرته بسبب من هدم صرح العدل. ولابد ان تهدي تلك الشعلة عقولا وتنير دروبا, فتضيء من بعد ظلمة, وتصيب عدلا من بعد يأس من تحققه, فالكلمة الطيبة نبتة طيبة لا تموت, وشجرة مباركة (زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء) (النور 25). رابعا ـ ومن التحديات التي تواجه الثقافة العربية والمثقفين العرب تحدي إعادة الاعتبار للكتاب والقراءة في ظل الانصراف النسبي عنهما, لاسيما بسبب مزاحمة اجهزة السماع والرؤية المتقدمة, في عصر القنوات الفضائية ووسائل الاتصال الحديثة وزمن المعلوماتية المتدفقة كالسيل والعولمة الزاحفة على الخصوصيات والهويات القومية. ولن يتأتى ذلك بمجرد لمسات تعالج سطح المشكلة, انه يحتاج الى مراجعة مضنية وقاسية وشجاعة للذات, لما نستند اليه من مستقرات, ولما نملكه ونقدمه من معلومات وأساليب اداء ومناهج بحث, واسلوب خطاب, وطرائق توصيل وتعبير وتأثير, وما نعالجه من تجارب وقضايا ومشكلات وكيفية تلك المعالجة, وما نقدمه من نماذج بشرية في انتاجنا الابداعي. ان جوهر المشكلة هو محتوى الكتاب, ومضمون ذلك الذي نقدمه عبر الكتابة وفائدته ومصداقيته وعمقه, ومواكبته للعصر والعلم, ومدى زيادته والحاجة اليه, وامكانية تمثله في السلوك وانعكاسه ايجابيا في العمل والتعامل. انه هو الذي ينبغي ان يتوافر فيه ما لا يتوافر في تلك الاجهزة, وان تبقى الحاجة اليه قائمة على الرغم من تطورها الهائل, يبقى لقيمة اصيلة ونبيلة فيه اصلا لا تتوافر في سواه. ان المصداقية التي تكتسبها الكلمة بالجهد والتحصيل والعلم والتجربة والغوص في المعاناة البشرية بعمق, على ارضية الثوابت المبدئية والقيم الانسانية والخصوصيات القومية والبينية, هي ما يشد الناس ويؤثر فيهم, وهي ما قد يكونون بأمس الحاجة اليه. ان لما تقدمه الكلمة المخلصة المنقذة من رؤية عميقة في الحياة وللحياة, وما تفيض به من مشاعر, في اطار خصوصية تفتقدها الوسائل والاجهزة المزاحمة وافلاكها ومرجعياتها المعرفية, هو ما يمكن ان تنفرد به الكتب, والمستويات الرفيعة من ابداع الكلمة وادائها الذي تتضمنه تلك الكتب. واسلوب الخطاب الثقافي العربي هو اكثر واهم ما يحتاج الى مراجعة وتدقيق وتغيير, ليكون موضوعيا من دون برود او جمود, وعلميا من دون جفاف, واصيلا عصريا ومستقبليا بلا ضفاف, يتصل بالحياة في واقعها من جهة ويفتق ببصر وبصيرة عوالم الخيال ومنافذ الامل ويستشرف من جهة اخرى؛ ينغرس في طين الارض ومعاناة البشر وانسجة القلب, ويمتد رؤى وآمالا واجنحة نحو السماء لينير دروبا للروح تجعل قدرتها في تجدد لاستيعاب الواقع ومجاوزة الصعاب, وللانفتاح على غد اخر وفرح قادم وعمل مثمر. اسلوب يؤمن بقدرته على الخلق والتأثير والتغيير, ويقاوم من اجل الحياة والانسان والحقيقة بعبقرية الانسان وطاقته الخلاقة, ويتوجه اليه وينطلق منه, ويستند بالدرجة الاولى الى مصداقيته وحرارته والى الكنوز القابعة في اعماقه, واظهار الطاقة التي تحتاج الى من يثيرها ويستثمرها. فهل يستطيع المثقفون العرب دخول ميدان هذا الاداء باقتدار؟ وهل يعطون للزمن في هذه القضية حسابه الدقيق واهميته البالغة وهو كما قل سيف ان لم تقطعه قطعك؟ انه التحدي العصري الكبير الذي يتوقف على النجاح فيه احداث نقلة نوعية في الاداء الثقافي والبشري, وفي مساهمة ذلك الاداء في التقدم الاجتماعي والمعرفي بشكل عام, ومجاوزة الواقع البائس نحو واقع يغري بالحياة والعمل على ارضية مشرقة من الامل. خامسا ـ وهناك تحد رئيسي اخر يتصل بالبيت الثقافي العربي ذاته, ولاسيما بمن يتعاملون مع الكلمة بحثا وتأليفا, ويتصل ذلك التحدي بالتراتبية الثقافية تراتبية الاشخاص والنصوص, فقد تأثر المشهد الثقافي العربي, لاسيما في النصف الثاني من هذا القرن, تأثرا كبيرا بالمواقف والاحكام والانتماءات السياسية والايديولوجية, واصبح الحكم جاهزا على الشخص والنص والمنتج الابداعي, من خلال الانتماء السياسي او الرضا السياسي عنه والممالأة السياسية له؛ الامر الذي رافقته او انبعثت عنه حملات اعلامية و(نقدية) , مع الاحترام العميق للنقد السليم الذي كثيرا ما كان بريئا من ذلك, تقوم على المدح او القدح, على الاضاءة والتعتيم, التضخيم والتقزيم, بعيدا عن الموضوعية وعن القيم والمقومات الادبية والفنية, والمعيارية السليمة؛ الامر الذي ادى الى اصابة ذلك المشهد بخلل كبير, حيث انتشرت في سمائه نجوم لا يصمد بريقها لامتحان الاصالة عند الجد, ولا يربك (سهيلها) القصد, وانتصبت في ساحاته تماثيل شمع لا تصمد لوهج الحقيقة وامتحانها, واثقلت في موانئه شخصيات ونصوص وابداعات بمراسي ثقيلة من العتمة والظلم, فغرقت او كادت تغرق في خضم الايهام والتثريب والخصام ـ ولا اقول الاختصام ـ وابعدت عن ساحات الرؤية والرأي بفعل الثقافة المصنعة, والجماهير المصنوعة, التي كانت تنقل من قاعة الى قاعة, ومن ساحة احتشاد الى اخرى, لتكون بديلا عن الرأي الحق و(الجماهير) الحقة, ويجسد بعد ذلك رأيها في الاعلام فيكون حقائق الاعلام, التي اتت في هذا العصر على كل اثر للحقائق. ومما يؤسف له, اننا في السياسة والثقافة والادب نعيش عصر حقائق الاعلام وليس عصر الحقائق. وهذا الامر, الذي مازال تأثيره السلبي مستمرا, لا يمكن التأسيس عليه والبناء على اسسه الخربة. وما لم يقم اهل الثقافة بإعادة ترتيب بيتهم بمسؤولية وشجاعة, على اسس سليمة, ومعايير دقيقة وواضحة واصيلة, موضوعية وعلمية, يعرضون عليها الاشخاص والافكار والنصوص ونماذج الابداع, لوضعها في اطار تراتبية تقويمية صحيحة, ويقيمون على اساس راسخ من الجدية والاحترام للقيم والمقومات والمعايير الادبية والفنية والفكرية, اسس التذوق والفهم والتقويم والحكم والانتشار؛ فان تأثير الخلل سيأتي على كل اسس البناء السليم لقيم الثقافة, وعلى دورها في الحياة وتأثيرها في الناس, وستلحق تلك الاثار ضررا فادحا بمناخ الثقافة وانتاجها وتأثيرها, وبقدرة ثقافة الامة على خوض معترك المثاقفة بثقة, وعلى البقاء في إطار الحيوية والفاعلية والتجدد. فهل نرتب بيتنا قبل ان نزعم القدرة على ترتيب بيوت الاخرين, لا بل القدرة على ترتيب برامجهم الحيوية واهدافهم ودواخلهم وتوظيف قدراتهم, حسب منهج واستراتيجية وبرامج واهداف قومية وانسانية عليا؟ ان ذلك التحدي مطروح بحدة, شأنه شأن ما سبقت الاشارة اليه من تحديات, وعلينا ان نواجه واقعنا وانفسنا لتبدأ مسيرة مدروسة في ظل الظروف الصعبة, والتطورات السريعة التي تجتاح معارف العالم وقدراته وقاراته وخصوصياته واممه ومجتمعاته. انني واثق من ان المثقفين العرب قادرون على مواجهة جادة وناجحة, وواثق ايضا من ان المستقبل في هذا الصراع سيكون لنا اذا ما غيرنا اساليب ادائنا وعملنا. و(ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) . صدق الله العظيم. * رئيس اتحاد الكتاب العرب

طباعة Email
تعليقات

تعليقات