الفلسطينيون ومؤامرات التوطين والتهجير القسري، بقلم: نبيل سالم

بعد وقوع المأساة الفلسطينية التي تمثلت باقامة الكيان الصهيوني على انقاض المجتمع الفلسطيني في عام 1948 برزت امام العالم مشكلة إنسانية كبيرة نتيجة تحول اكثر من مليون فلسطيني من مواطنين في بلادهم الى مجرد لاجئين فقراء موزعين على عدد من الدول ينتظرون ما تجود به عليهم المنظمات الانسانية الدولية من صدقات ونظرا لحجم الكارثة التي حلت بالشعب الفلسطيني آنذاك فقد اتخذت منظمة الامم المتحدة اجراءات فورية لاغاثة ضحايا العدوان الصهيوني الا ان العوائق السياسية داخل هذه المنظمة الدولية وهيمنة القوى الاستعمارية عليها سمحت للظلم البقاء وطال أمد البؤس الفلسطيني الى يومنا هذا وهكذا نجد ان نبضة الضمير التي احدثتها الكارثة الفلسطينية في العالم سرعان ماوهنت وتلاشت فبدلا من ان تمضي الامم المتحدة بصفتها اعلى سلطة دولية في اتخاذ المواقف اللازمة لمعالجة المأساة واجبار الطرف الصهيوني المعتدي على الالتزام بمبادىء الامم المتحدة التي قبلته عضوا فيها نجدها تحصر نشاطاتها بتوزيع الصدقات على ضحايا العدوان الصهيوني الوحشي ظنا منها بأن الزمن كفيل بحل هذه المشكلة خاصة وان هناك من كانوا يدعون بأن عرب فلسطين ليسوا اللاجئين الوحيدين في العالم وانه ليس ثمة من سبب يدعو الى معاملتهم معاملة خاصة ويسوق هؤلاء المدعون نماذج من الصراعات العالمية التي خلفت وراءها مئات الآلاف من اللاجئين متجاهلين الفوارق الكبيرة بين اللاجئين الفلسطينيين وغيرهم من اللاجئين في العالم فكما هو معروف فإن اللاجئين الذين خلفتهم الحروب الاوروبية وغيرها لم تطردهم حكوماتهم وانما هجروا بلادهم في ظروف استثنائية من دون ان يكون هناك اي قانون او سياسة تمنعهم من العودة اليها ان ارادوا ذلك اما بالنسبة للاجئين الفلسطينيين فقد طردوا وجردوا من ممتلكاتهم عنوة على ايدي اناس غرباء اقاموا لانفسهم (دولة) بقوة السلاح وعبر سلسلة من المذابح الجماعية كما ان اللاجئين الفلسطينيين لايزالون يرغبون في العودة الى ديارهم ولكن العائق الوحيد الذي يقف امامهم هو اولئك الذين يحتلون بيوتهم واراضيهم ويشهرون السلاح في وجوههم ان ارادوا العودة وهنا تكمن المعضلة الحقيقية في قضية اللاجئين الفلسطينيين. ولمعرفة مأساة اللاجئين الفلسطينيين على حقيقتها وابعادها الخطيرة لابد لنا من العودة الى تفاصيل هذه القضية والحلول التي اقترحت لانهائها ولاسيما الصادرة منها عن الامم المتحدة بالذات فكما هو معلوم وطبقا لسجلات الامم المتحدة فإن عدد الاشخاص الذين غادروا فلسطين عام 1948 بسبب الغزو الصهيوني بلغ 900.000 شخص يضاف اليهم آلاف الفلسطينيين الذين طردوا من بلادهم خلال السنوات التي تلت حرب عام 1948 ومن مجموع الاشخاص الذين يدخلون ضمن تعريف اللاجئين الفلسطينيين الشهير هناك (1757269) شخصا جاء ذكرهم في سجلات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للامم المتحدة (اونروا) عام 1978 ويتوزع هؤلاء في مناطق عمليات الوكالة على النحو التالي: لبنان 211902 سوريا 198435 الضفة الشرقية للاردن 682561 الضفة الغربية 310268 قطاع غزة 354103 ولا يشتمل هذا الرقم على الاشخاص الذين فقدوا وسائل معيشتهم من غير ان يفقدوا بيوتهم لان مثل هؤلاء لايدخلون ضمن تعريف الامم المتحدة لكلمة لاجيء كما لا يشمل اولئك الذين استطاعوا اعادة بناء حياتهم في الاقطار المضيفة ولا آلاف اللاجئين الفلسطينيين المشتتين في انحاء العالم الاخرى. وإذا ما اخذنا بعين الاعتبار حجم جرايات الاغاثة التي اخذت الامم المتحدة تقدمها للاجئين الفلسطينيين بعد النكبة يتضح لنا حجم المهزلة التي اسموها مساعدات حيث تشتمل هذه الجرايات الآتي: 10000 جرام دقيق للشخص الواحد شهرياً 600 جرام من القطاني (كالعدس والفول) 600 جرام من السكر 500 جرام من الارز 375 جراماً من الزيوت والدهون بالاضافة الى قطعة واحدة من الصابون 150 جراماً ولتراً ونصف من الكيروسين تقدم خلال اشهر الشتاء فقط وتعتبر كمية السعرات الحرارية التي توفرها هذه الجرايات اقل بكثير من الحد الادنى الذي يحتاجه الفرد خاصة اذا علمنا ان هذه الجرايات لا تشتمل على اللحوم والخضار والفواكه التي كان على اللاجئين الفلسطينيين توفيرها بانفسهم او التعود على الاستغناء عنها نهائيا, ويظهر الحجم الحقيقي لمأساة الفلسطينيين اذا اخذنا في الاعتبار ان معظمهم اصحاب ممتلكات كثيرة في فلسطين ويمكن لعائدات ممتلكاتهم ان توفر لهم الحياة الكريمة بينما هي في الواقع تستخدم لصالح المستوطنين اليهود وتعزيز ترسانة عدوهم العسكرية. البحث عن بدائل ودفع هذا الواقع المرير باللاجئين الفلسطينيين في اتجاهين في آن واحد فبينما راحوا يعبرون عن الاستياء لاضطرارهم الى تناول الصدقات وهم اصحاب املاك كبيرة في بلادهم التي يحتلها الصهاينة راحوا يكدون باتجاه العمل والعلم أملا منهم في تحسين ظروفهم المعيشية وعلى مدى سنوات قليلة استطاع اللاجئون الفلسطينيون تكذيب المقولات التي حاول اعداؤهم ترويجها ومنها انهم شعب عديم الحيلة يفضل الصدقات الدولية على العمل لكسب قوت عيشه فاقتحم الآلاف منهم ميادين الصناعة والتجارة والمهن اليدوية المختلفة مشكلين حركة عمالة نشطة في معظم دول المنطقة كما انهم شكلوا حالة علمية وثقافية تعتبر الاكثر تقدما في الشرق الاوسط تقريبا رافقها صعود ملحوظ في الوعي السياسي الفلسطيني تجلى في ظهور تيارات سياسية واضرابات تدعو الى التمرد على الواقع المهين الذي خلفته النكبة وهكذا تحول مجتمع اللاجئين الفلسطينيين الفقراء الى ساحة خصبة للنضال من اجل استعادة الحقوق الفلسطينية المغتصبة, وهكذا شكل اللاجئون الفلسطينيون حالة سياسية استطاعت بعد ظهور المقاومة الفلسطينية المسلحة في منتصف الستينات ان تحول قضيتهم من مجرد قضية انسانية الى قضية وطنية وقومية حادة لا يمكن لاية تسوية في المنطقة ان تمر بدون ايجاد حل مناسب لها يضمن الحقوق المشروعة للاجئين الفلسطينيين الذين تزايد عددهم ليتجاوز الآن الاربعة ملايين نسمة. والحقيقة التي يجب التذكير بها هنا هو ان الامم المتحدة كانت بين عامي 1948 ـ 1969 تتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم لاجئين في حاجة الى المأوى والمأكل فحسب, ولكن الجمعية العامة للامم المتحدة اعترفت في عام 1969 ولاول مرة اعترافا رسميا ومحددا بحقوق الشعب الفلسطيني الثابتة معلنة بالحرف الواحد انها: (اذ تعترف بان مشكلة اللاجئين الفلسطينيين العرب قد نتجت عن حرمانهم من حقوقهم الثابتة بموجب ميثاق الامم المتحدة واعلان حقوق الانسان العالمي لتعبر عن قلقها الشديد من ان عدم الاعتراف بحقوقهم قد ازداد تفاقما بسبب ما تتحدث عنه التقارير من اعمال العقاب الجماعي والاعتقال التعسفي وحظر التجول وتدمير المنازل والممتلكات والطرد وغيرها من اعمال القمع المتخذة بحق اللاجئين وغيرهم من سكان الاراضي المحتلة وتعاود التأكيد على حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة. الا ان قرارات ونداءات الامم المتحدة ظلت كما هو معروف حبرا على ورق امام تعنت الكيان الصهيوني وتجنب الامم المتحدة الخاضعة لهيمنة القوى الكبرى ممارسة الضغط الفعلي على (اسرائيل) لارغامها على السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم علما بأن ذلك كان شرطا قبل به الكيان الصهيوني لقبوله في عضوية الامم المتحدة. وتتهم الدعاية الصهيونية الدول العربية بابقاء النزاع قائما بسبب رفضها توطين اللاجئين الفلسطينيين في اراضيها علما بأن أي قرار لم يصدر عن الامم المتحدة يدعو الدول العربية الى اتخاذ مثل هذا الاجراء في حين توجد عشرات القرارات الدولية التي تطالب الاسرائيليين بالسماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة الى ديارهم وبتعويض من لا يرغب منهم في ذلك. وذلك وفقا للقوانين الدولية وبموجب الفقرة الحادية عشرة من القرار رقم 194/3 الصادر عن الامم المتحدة, ولكن الكيان الاسرائيلي اغلق اذنيه ازاء كل القرارات المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين, وليس هذا فحسب وانما راح يهجر المزيد من الفلسطينيين مستخدما ابشع الوسائل اللاانسانية. موقف اللاجئين ولم يكتف العدو الاسرائيلي بجريمته التي ارتكبها بحق الفلسطينيين وانما راحت دعايته الكاذبة تروج اكاذيبها على العالم مدعية ان اللاجئين الفلسطينيين يوافقون على توطينهم حيث هم, وان حكومات الدول العربية هي التي تحول دون ذلك لاسباب سياسية. والحقيقة ان موقف اللاجئين الفلسطينيين ظل واضحا منذ عام 1948 وهو تمسكهم بحقوقهم ورغبتهم في العودة الى بلادهم. يقول المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في تقرير قدمه عن عامي 1965 ـ 1966. واذ تتلو السنوات بعضها البعض فليس من بادرة بان اللاجئين قد اصبحوا اقل شعورا بالمرارة وذلك لاقتناعهم بان ظلما عظيما قد نزل بهم نتيجة فقدانهم لبيوتهم وبلادهم ولحرمانهم المستمر من جني اية فائدة من الممتلكات التي خلفوها وراءهم وهكذا ما يكمن من اخطار على السلام والاستقرار في الشرق الأوسط نتيجة لاستمرار مشكلة اللاجئين الفلسطينيين يظل قائما بلا تغيير) . واذا كان هذا هو حال اللاجئين الفلسطينيين قبل عام 1967 فإن أحوالهم ازدادت سوءا بشكل كبير بعد هزيمة يونيو وما نتج عنها من آثار كارثية خلفت وراءها موجة نزوح كبيرة في صفوفهم, كما ان أحداث الاردن بين عامي 1970 و1971 وكذلك الاحداث التي شهدتها الساحة اللبنانية بعد ذلك ضاعفت من آلامهم والاعباء التي ألقيت على كاهلهم. واذا ما توقفنا عند عام 1967 نرى ان مجموع من نزح خلال الحرب كان حوالي 200 الف شخص, كما انضم اليهم فيما بعد أكثر من 200 ألف شخص آخرين معظمهم من قطاع غزة. كما تلا ذلك عمليات طرد فردية قام بها العدو الصهيوني ضد الكثير من المواطنين الفلسطينيين وتقدر الاحصائيات عدد الفلسطينيين الذين نزحوا بعد حرب 1967 بحوالي 416 ألفا, ولا يتضمن هذا الرقم السوريين الذين أبعدوا من مرتفعات الجولان أو المصريين الذين ابعدوا من شبه جزيرة سيناء. وما يجب الاشارة اليه هنا ان عمليات الطرد الاسرائيلية كانت في أغلب الاحيان مصحوبة بتدمير المساكن على نطاق واسع ناهيك عن انواع الضغط الاخرى التي مارسها الاسرائيليون للتضييق على المواطنين العرب بغية دفعهم الى الهجرة وتفريغ الارض العربية, مثل الضغط الاقتصادي بأشكاله المختلفة. ويقدر عدد الفلسطينيين الذين تضرروا نتيجة إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين وما تبعه من عمليات تهجير قسري للمواطنين الفلسطينيين بـ 2.4 ملايين فلسطيني موزعين على الشكل التالي: في الاردن ,1150000 في الضفة الغربية ,700000 في قطاع غزة ,450000 في لبنان ,400000 في سوريا ,250000 في السعودية ,50000 في الدول العربية الاخرى ,250000 في الكيان الصهيوني ,500000 مبعثرون في اقطار اخرى 200000. أوضاع الفلسطينيين في الدول العربية على الرغم من ان احدا لا يستطيع ان ينكر المساعدات الممكنة التي قدمتها الدول العربية للاجئين الفلسطينيين بعد خروجهم القسري من بلادهم, الا ان أوضاع هؤلاء اللاجئين ظلت دون المستوى المطلوب لأسباب كثيرة وهي: 1ـ ان الدول العربية التي استضافت اللاجئين دول فقيرة وبعضها كانت قد نالت استقلالها حديثا وبالتالي فهي غير قادرة على التعامل مع مشكلة كبيرة بهذا الحجم. 2ـ ساهمت الدعاية الصهيونية الموجهة ضد الشعب الفلسطيني في تشويه صورة هذا الشعب من خلال الادعاء بأن الفلسطينيين باعوا اجزاء من أراضيهم طواعية للصهاينة, الأمر الذي اقتنع به بعض السذج فاعتبروا ان الشعب الفلسطيني مسؤول عن نكبته. 3ـ ان سخونة القضية الفلسطينية ساهمت في خلق حالة استقطاب سياسي في المنطقة جعلت بعض الانظمة العربية تتخوف من انعكاسات المأساة الفلسطينية على الأوضاع السياسية الداخلية. 4ـ انخراط الفلسطينيين في أحزاب عربية مختلفة ساهم في تحويلهم الى كتل سياسية متعارضة احيانا مما دفع بالبعض الى اعتبارهم عامل توتير سياسي. 5ـ استمرار العدوان الصهيوني على الدول العربية ومهاجمة أهداف في داخل هذه الدول بعد انطلاقة المقاومة الفلسطينية دفع ببعض ضعاف النفوس الى الادعاء بأن المقاومة الفلسطينية هي السبب في استمرار العدوان متجاهلين حقيقة ان هذا العدوان لا يستهدف الفلسطينيين وحدهم وإنما الامة العربية بالكامل. وباختصار يمكن القول إن الفلسطينيين الذين عانوا من مأساة النكبة واحتلال اراضيهم واجهوا ظروفا قاسية في منافيهم القسرية. واذا استعرضنا أحوال الفلسطينيين الذين لجأوا الى الدول العربية نرى ان في الاردن منح هؤلاء الجنسية الاردنية واستطاعوا الوصول الى مناصب عليا في هذا البلد. أما في سوريا فقد عاملت الدولة الفلسطينيين الموجودين على أرضها معاملة جيدة من حيث الحقوق والواجبات وكان بامكان الفلسطيني ان يتقدم للعمل في الوظائف الرسمية الحكومية وغيرها مساواة بالمواطن العربي السوري, الا ان الحكومات السورية المتعاقبة ظل ترفض منح الجنسية السورية للاجئين الفلسطينيين لاعتبارات سياسية قومية ومن منطلق ان منح الجنسية السورية للاجئين الفلسطينيين قد يؤدي الى ضياع هويتهم الوطنية التي تعتبر النقيض الاساسي (لاسرائيل) ويلاقي هذا الموقف قبولا من العدد الاكبر من المواطنين الفلسطينيين الذين يخشون على هويتهم الوطنية من الاندثار. ولكن ما يجب الاشارة اليه هنا هو ان عدم وجود جواز سفر لدى الفلسطينيين وضع بعض العوائق أمام تحركهم, حيث تمتنع العديد من الدول, ولاسيما الغربية عن اعطاء تأشيرات دخول الى أراضيها لحملة الوثائق الفلسطينية. وفي مصر تعاملت الحكومات المصرية مع اللاجئين الفلسطينيين ايضا على أساس انهم حالة مؤقتة ولذلك لم يحصلوا على مكتسبات تذكر في الهرم الاجتماعي المصري على الرغم من وجود بعض الحالات التي سجل فيها الفلسطينيون نجاحات فردية, كما ان اللاجئين الفلسطينيين في مصر كانوا يعانون أيضا من مشكلة عدم سهولة التنقل أما في لبنان فقد نظرت الدولة اللبنانية منذ البداية إلى وجود اللاجئين الفلسطينيين على انه عبء كبير وتهديد نظام لبنان السياسي ولوجوده وبسبب رفض الكيان الصهيوني اعادة اللاجئين إلى ديارهم بدا الأمل بانقاص عددهم بهذه الوسيلة معدوما, ولذلك أخذ عدد من السياسيين اللبنانيين يدعون إلى اعادة توزيع اللاجئين الفلسطينيين وتجددت هذه الدعوات بعد الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982 ولان الدولة اللبنانية أجبرت على احتواء عدد متزايد من اللاجئين فقد طورت منهجها الخاص لمعالجة ما تعتبره مشكلة بدءًا بغياب الأنظمة والقوانين التي تحدد وضع اللاجئين وحقوقهم مروراً بمطلب اجازات العمل وانتهاء بسيطرة الجيش اللبناني على المخيمات الفلسطينية في الستينات. وفي المقابل خاض الفلسطينيون صراعاً عنيدا للحصول على اعتراف لبناني بحقوقهم المدنية, وفي سنة 1969 اعترفت الحكومة بتوقيعها اتفاق القاهرة بالحقوق المدنية والوطنية للفلسطينيين لكن مجلس النواب اللبناني لم يصادق على هذا الاتفاق. وتم إلغاؤه من جانب واحد في يونيو عام 1988. ويحاول بعض السياسيين اللبنانيين تفسير مواقفهم بأنها ناتجة عن خشيتهم من مخطط مرسوم لتوطين الفلسطينيين في لبنان الأمر الذي سيهدد برأيهم التركيبة الديمغرافية والسياسية التي يقوم عليها لبنان وهي تركيبة متعددة لا مجال للخوض فيها هنا, ولكن ما يجب التركيز عليه وهو ان الفلسطينيين بمختلف شرائحهم اعلنوا مرارا معارضتهم القوية للتوطين في لبنان بل ان رفض التوطين كان مازال النقطة الرئيسية بالنسبة للحركة الوطنية الفلسطينية لما يحمله من مخاطر على القضية الفلسطينية برمتها. أما بالنسبة للاجئين الفلسطينيين الذين عاشوا في الدول العربي الأخرى أو من هاجروا إلى أماكن خارج الوطن العربي فقد تفاوتت معاناتهم بحسب طبيعة البلد التي يتواجدون فيه, علما بأن الكثيرين منهم استطاعوا تحقيق معادلات فردية ناجحة وبعضهم من سعى لاكتساب جنسية الدولة التي يقيم فيها بغية تسهيل أموره الحياتية ولكنهم جميعاً تقريبا ظلوا مرتبطين وجدانيا ووطنيا بقضيتهم رغم وجودهم في منافٍ بعيدة عن الوطن. ونستطيع القول من كل ما تقدم ان اللاجئين الفلسطينيين عانوا ومازالوا يعانون من آثار العدوان الصهيوني الغاشم على وطنهم وأن معاناتهم هذه تتزايد يوما بعد يوم طالما لم يوجد حل عادل يعيد لهم حقهم في العودة إلى بلادهم. اللاجئون والتسوية ومع استمرار الصراع العربي الصهيوني والحروب التي خلفها في المنطقة راحت الأصوات تتعالى في العالم داعية لإيجاد تسوية سياسية لهذا الصراع الذي بات يشكل خطراً ليس على منطقة الشرق الأوسط برمتها فحسب وانما على السلام والأمن العالميين. وبعد انطلاقة عملية التسوية وظهور أولى مشاريعها في أوائل السبعينات راحت هذه المشاريع ترسم سيناريوهات مختلفة لكيفية الوصول إلى تسوية سياسية في المنطقة, وفي كل هذه السيناريوهات كانت قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين يزيد عددهم عن الأربعة ملايين تشكل العقدة الأكبر والأهم نظراً لاستمرار تعنت الكيان الصهيوني ورفضه الاعتراف بحق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وهو حق أقرته القوانين الدولية وبدلا من قبوله والاعتراف بهذا الحق راح العدو الصهيوني يطرح من جديد نغمة توطين الفلسطينيين في المناطق التي لجأوا إليها فتارة يعتبر ان الأردن هو الدولة الفلسطينية التي أقيمت على جزء من (أرض اسرائيل) كما يدعي وتارة يتذرع بان الأرض العربية واسعة وتستطيع احتمال حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وإذا ما عدنا إلى المشاريع الاسرائيلية المقدمة في هذا الاتجاه وتلك التي طرحتها قوى معروفة بتأييدها للكيان الصهيوني نرى انها ركزت جميعها على اعتبار ان حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين يجب ان يكون اقليميا بحيث تتوزع الدول المختلفة في المنطقة مهام حل هذه المشكلة انطلاقا من توزيع اللاجئين الفلسطينيين عليها, كما ان هناك مشاريع كشف عنها بعد مؤتمر (مدريد للسلام) الذي انعقد في عام 1991 وتدعو إلى توزيع قسم من الفلسطينيين في الدول الأوروبية وهو ما يعني ان هناك مؤامرة دولية كبيرة تستهدف اللاجئين الفلسطينيين وتسعى إلى بعثرتهم من جديد في أصقاع العالم بل وهناك مشاريع يسعى أصحابها إلى حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين عبر تفجير مشكلات عربية أخرى كما هو الحال في المشاريع المشبوهة التي كشف عنها مؤخراً والتي تدعو إلى توطين قسم من اللاجئين الفلسطينيين في شمال العراق كشرط لرفع العقوبات المفروضة على هذا البلد العربي منذ حوالي عشر سنوات. ومن هنا ومع اقتراب مفاوضات التسوية النهائية والتي يفترض ان تبحث الامور الهامة التي رحلتها اتفاقيات أوسلو إلى هذه المرحلة من المفاوضات يجب التذكير بان قضية اللاجئين الفلسطينيين قضية معقدة بمقدار ماهي خطرة وان أي تنازل في اطارها يعني اضافة مآسٍ جديدة لملايين اللاجئين الذين ما انفكوا يحلمون بالعودة إلى بلادهم زد على ذلك ان الفشل في ايجاد حل حاول لهذه القضية الحساسة من شأنه ان يفجر التسوية برمتها لأن الفلسطينيين الذين ناضلوا عشرات السنين لنيل حقوقهم الوطنية المشروعة سيجدون انفسهم في حال التوصل إلى تسوية لا تضمن لهم هذه الحقوق, وأولها حق العودة سيجدون أنفسهم بين مطرقة التوطين وسندان التهجير القسري مما يعيد الصراع إلى بداياته من جديد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات