مشروع وطني لغد افضل، بقلم: د. السيد بخيت

اطلقت صحيفة (البيان) منذ 10 ابريل الجاري حملة صحفية جريئة ومهمة تحت عنوان (نحو غد افضل ومستقبل مشرق) هدفها الاساسي النهوض بالتعليم الاساسي في دولة الامارات وتنمية ورعاية النشء الجديد وهي حملة تؤكد الدور المهم الذي يمكن ان تلعبه المؤسسة الصحفية في الحياة العامة وفي خدمة مجتمعها, بل ويمكن اعتباره مشروعا وطنيا تلتف حوله كل القوى والمؤسسات الوطنية لدعمه والعمل على انجاحه . وامر المشروع الوطني في مجال التعليم الاساسي ليس بدعة, فقد بدأته امريكا في عهد الرئيس الاسبق ريجان, وتحمست له مصر في عدة عهود, واعتبرته يمس أمنها القومي ومستقبلها, وفي دول عديدة تعتبر تنمية هذا القطاع بمثابة جهاد في جبهة القتال الامامية, وفي الامارات تتوفر فرص نجاح هذا المشروع الوطني اكثر من غيرها من الدول لعدة اسباب منها: ايمان قيادات الدولة بأهمية التعليم وتنمية الثروة البشرية, ووجود بيئة ملائمة تتقبل فكرة المشاركة العامة في المشروعات الوطنية, ويرتفع فيها سقف الطموحات وتوافر الامكانيات اللازمة لتحقيق اهداف المشروع الوطني, ووجود وسائل اعلام وطنية يمكن ان تروج لافكاره وتنشرها, ووجود رغبة حقيقية لدى الجهات المعنية للوصول الى حلول ناجعة لهذه المشكلة, بدأت معالمها في الاعلان عن خطط تطوير التعليم تصل الى عام 2020. واتصور ان نجاح هذا المشروع (الحملة) يستمد مقوماته من عدة دواع هي: تدني مستوى التحصيل والدوافع التعليمية لدى نسبة كبيرة من الطلاب والطالبات, تفشى ظاهرة الاتكالية وعدم الاعتماد على النفس, وضعف المستوى اللغوي, وتدني كفاءة الادارة المدرسية والهيئة التعليمية, وضعف المهارات الاساسية لدى الطلاب وتدني اداء المؤسسات التربوية وبصفة عامة وجود حالة من الاستياء العام لوضع التعليم الاساسي, نتجت عن جملة اسباب منها: حدوث العديد من التغيرات في مجتمع الامارات على اثر الطفرة النفطية, واهتزاز منظومة القيم الاجتماعية وتراجع سلطة الآباء على الابناء, وترك مهمة تربية الاولاد لمربيات اجنبيات, وارتفاع معدلات الانحراف وتفشي المشكلات الاجتماعية, وتراجع دور الاسرة في اعداد الطفل للالتحاق بمرحلة التعليم النظامي.. الخ. واتصور ثانيا ان اهداف الحملة في حاجة الى تحديد اكثر, سواء على مستوى المراحل او مستوى الجمهور المستهدف او الغايات المتوخاة حتى تؤتي ثمارها فيمكن تقسيم الحملة الى عدة مراحل يمكن ان تسير بشكل متتابع او متزامن تستهدف في البداية تنمية الوعي العام بأهمية القضية, وتوسيع قاعدة المشاركين في الحملة من كل الاطراف المعنية, وفتح باب الحوار العام لاستجلاء اوجه القضية وابعادها, ثم الانتقال من مرحلة التعبئة العامة انتقالا الى مرحلة صياغة الاهداف التي يمكن تحقيقها سواء على المستوى الآجل او العاجل, واخيرا العمل على نقل هذه الافكار العامة الى واقع تطبيقي, ودعوة الاطراف المعنية الى اتخاذ مواقف ايجابية وتنفيذية. واهمية هذا الامر ترجع للرغبة في تحويل افكار الحملة الى واقع حياتي, يؤدي الى تنمية وعي مواطن الامارات بطبيعة قضية التعليم التي تنعكس تعقيداتها المزمنة سلبا على اجيال كثيرة من ابنائنا وبالتالي على الوطن بأكمله, وصولا الى ايجاد مدارس فعالة ترفع شعار النجاح والتميز والتفوق والاداء الامثل للجميع في قرن مقبل عاصف بثورة تكنولوجية ومعلوماتية وتوسيع اهدافها لتصبح مشروعا وطنيا كبيرا يتلائم مع تحديات القرن المقبل, فالاكتفاء بتوفير بعض المستلزمات المادية لبعض المدارس ورياض الاطفال, لن يحقق الاهداف البعيدة المدى نحو ربط الاسرة بالمدرسة وبالمجتمع, ودعم تلاحم كل الاطراف المشاركة في العملية التعليمية ودعوتها لتحمل مسؤولياتها والوفاء بها, ورسم استراتيجية واضحة المعالم لاي عملية تطوير مستقبلية, وفي هذا الصدد يمكن استلهام اهداف خطط تطوير التعليم التي اعلن عنها معالي الدكتور وزير التعليم منذ ايام كموجهات اساسية في الحملة, مما يدعم امكانية نجاحها, ومن ناحية اخرى فإن العمل على تطبيق بعض الاهداف والسياسات التي اعلنت الوزارة عن تبنيها حتى عام 2020 والمتعلقة بالتعليم الاساسي يمكن ان يضيف الكثير الى فعاليات الحملة. واتصور ثالثا ان صحيفة (البيان) يمكن ان توسع قاعدة المتعاونين معها في الحملة, فضلا عن منطقة دبي التعليمية ودائرة التنمية الاقتصادية, فهي قضية قومية عامة, يمكن ان تشارك فيها كل المؤسسات والجهات المعنية, وبالرغم من الايمان بالدور الكبير الذي يمكن ان يساهم به القطاع الخاص في دعم الحملة إلا ان الهدف الاكبر هو تحويلها الى قضية كل بيت, يسهم فيها كل فرد بنصيب, فالهدف الاساسي هو توعية كل الاطراف المشاركين في التعليم الاساسي بأدوراهم ومسؤولياتهم بداية من الاسرة والطالب والمدرسة واجهزة الاعلام ودور التربية ومراكز العبادة بل والمطربين واهل الفن والغناء, ومن ثم فكل هذه الاطراف مطالبة بالتعبير عن نفسها في القضية المطروحة وتحديد مجال مشاركتها وتحويل افكارها ووعيها الى سلوك كل في مجاله. واتصور رابعا ان الاعلام عن الحملة يقتضي صياغته في شكل شعارات وجمل وعبارات, واقوال, وملصقات, بل واعلانات ارشادية, تجسد افكارها واهدافها, ويتم نشرها والاعلام عنها بكل الوسائل التي تصل بها الى كل قطاعات المجتمع. واتصور خامسا ان الحملة تحتاج الى وسائل اعلام اخرى لدعمها كالتلفزيون, لتصبح قضية تشغل الرأي العام الى ان تتحقق اهدافها, وان يتزامن هذا الجهد الاعلامي مع جهد من قبل المسؤولين في وزارة التعليم والجهات المعنية على فتح قنوات حوارية اخرى مع العاملين في المجال التعليمي والمواطنين, واذكر في هذا الصدد العمل الذي يقوم به وزير التعليم المصري والذي يعقد كل اسبوعين اجتماعات بالفيديو (فيديو كونفرانس) مع ما لا يقل عن خمسة آلاف من القيادات التعليمية لمناقشة المسائل التعليمية. وأتصور سادسا ضرورة عدم الاكتفاء بمواد التقارير الصحفية كأساس لدعم الحملة, فينبغي ان تستخدم كل الاشكال الصحفية, وخاصة المقالية, وعروض الدراسات والكتب والموائد المستديرة والمادة الخبرية والتحقيقات الصحفية لفتح اكبر مجال للحوار واستكتاب الخبراء والمتخصصين في النواحي التربوية والتعليمية وابراز الوجوه المشرقة في هذا المجال, وانجازاتهم واعمالهم, وتنظيم المسابقات والنزول الى ميدان الواقع العملي, واجراء التحقيقات الصحفية مع الطلاب وأولياء الامور والمدرسين لمعرفة وجهات نظرهم, مع الحرص على المتابعة والاستمرارية في تغطية الحملة الصحفية, ويمكن التفكير في فتح حساب خاص للمساهمة في تمويل الحملة, وتخصيص ايرادتها لتحقيق اهدافها مع الاعلان اليومي عن اسماء المتبرعين والمشاركين في الحملة تحفيزا لهم ولغيرهم. واتصور سابعا ان يتم تنفيذ هذه الحملة المشروع في اطار من الشفافية وتقبل وجهات النظر المعارضة, والايمان بحسن نوايا الاطراف المشاركة, وان مواجهة المشكلة بوعي مؤسس على حقائق موضوعية ودعم عملي من قطاعات المجتمع خير الف مرة من الهروب من المشكلة, وان تتم هذه الحملة في اطار يجمع بين التقاليد السليمة لشعب الامارات وبين النظرة العصرية الصحيحة, وذلك حتى لا يكون التعليم فيها بلا جذور.. ولا منقطع الصلة بالتطورات الحديثة فهذا الجمع هو السبيل الوحيد للتقدم في حياتنا التعليمية. قسم الاتصال الجماهيري جامعة الامارات

طباعة Email