حرب يوغسلافيا.. المعاني متعددة لكن المغزى واحد! بقلم- عمران سلمان

رغم أن أحدا لم يعلن رسميا فشل المبادرة الروسية لانهاء الحرب بين حلف شمال الأطلسي ويوغسلافيا, إلا ان من الواضح ان زمن الوساطات كان قد أزف . ولهذا السبب لم يجد المسؤولون الألمان الذين زارهم رئيس الوزراء الروسي يفيجيني بريماكوف كي يعرض عليهم ما توصل إليه خلال مباحثاته التي استمرت ست ساعات مع الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش لم يجدوا حاجة للنظر في الأفكار الجديدة أو بحثها, فالآلة العسكرية الغربية قد حددت خيارها سلفا من دون استشارة الروس أو غيرهم, ومن ثم هي التي تقرر وحدها متى تبدأ العمليات العسكرية ومتى تتوقف. غير ان ما دفع بريماكوف للتحرك هي على ما يبدو مناشدة الرئيس الفرنسي جاك شيراك للروس لاقناع ميلوسيفيتش بقبول خصة السلام حول كوسوفو. وقد اعتقدت موسكو ان هذه المناشدة تعبير عن رغبة غربية عامة في التوصل إلى حل سلمي للأزمة غير ان ما اتضح بعد ذلك ان للقوى المؤثرة في حلف الأطلسي رأي آخر وقرار آخر. والواقع انه بعد أسبوع من العمليات العسكرية المكثفة ضد يوغسلافيا فقد تبلور طرح أمريكي للحل. فالأطلسي لخص شروطه لايقاف القتال في مطلب واحد, وهو ضرورة موافقة اليوغسلاف على حق تقرير المصير لألبان كوسوفو عبر استفتاء حر, إما في اطار حكم ذاتي موسع أو اطار دولة مستقلة, مع الموافقة على انتشار قوات حلف الأطلسي في الاقليم لضمان تنفيذ هذا الاتفاق. ما دون ذلك يعتبره الحلف مجرد مراوغات تهدف لاضاعة الوقت من جانب اليوغسلاف. أكثر من هذا فقد حذر المسؤولون الأمريكيون من ان استمرار الجانب اليوغسلافي في رفض المطالب الغربية سوف يؤدي في النهاية إلى خسارته لاقليم كسوفو إلى الأبد عبر انتزاعه بالقوة من صربيا والاعتراف به دولة مستقلة. بهذه الصورة وضع حلف الأطلسي نفسه في وضع لا يستطيع فيه التراجع خطوة للخلف فهو مجبر على الاستمرار في عمليات القصف وتوسيعها لتشمل ضرب البنى التحتية ليوغسلافيا بما في ذلك المنشآت العسكرية والمدنية الرئيسية وصولا إلى تدميرها الكامل. لكنه وضع الصرب أيضا في وضع لا يملكون فيه التراجع فالموافقة على المطالب الغربية تعني ان خسارة اقليم كوسوفو باتت شبه مؤكدة آجلا أو عاجلا. كوسوفو ليست مجرد اقليم في صربيا, ان لها معنى تاريخي وديني أيضا فهي التي شهدت بداية التاريخ الصربي وفيها توجد الكنيسة الأرثوذكسية الرئيسية بالاضافة إلى مجموعة تاريخية من الأديرة. وقد انتزعها الأتراك في أواخر القرن الرابع عشر في معركة سميت بـ (حقل الشحرور) التي جرت في كوسوفو وانهزمت فيها القوات الصربية. لكن الصرب تمكنوا من الحفاظ على وجودهم وارثهم التاريخي في كوسوفو طيلة خمسة قرون في ظل الاستعمار العثماني , وقد عادت كوسوفو إلى السيادة الصربية من جديد ابتداء من العام 1913. ولهذا فإن خسارة اليوغسلاف لكوسوفو تعتبر نهاية فعلية للمشروع القومي الصربي, ومن هنا نراهم يبدون كل هذه المقاومة وهذا العناد في المفاوضات الدبلوماسية التي جرت حتى الان مع الألبان وكذلك في الحرب الحالية مع حلف الأطلسي. وبالنتيجة يمكن القول باختصار ان حلقة الأزمة أغلقت تماما , وبات المطروح الآن هو اما انسحاب الصرب من كوسوفو واما تدمير يوغسلافيا نفسها, وعلى قادة هذه الدولة ان يختاروا أحد الحلين, وبسرعة أيضا لأن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي في النهاية إلى خسارة الصرب كل شيء بلادهم وكوسوفو. وهكذا لا تعود حرب الأطلسي فهي حرب كوسوفو وحدها وانما حرب يوغسلافيا وربما أبعد من ذلك, وفي حين ان نتائجها لن تنحصر في منطقة البلقان وحدها وانما ستتجاوزها الى روسيا وسائر أوروبا الشرقية. وهذا ما بدا انه يقض مضاجع الروس والشعوب السلافية بشكل عام الذين أحسوا باهانة كبيرة توجه لهم. فالأمر يمكن فهمه على أساس ان تدمير يوغسلافيا يستهدف ازالة آخر عقبة أمام حلف شمال الأطلسي للتمدد شرقا, خاصة بعد ان نجح أخيرا في ضم المجر وتشيكيا ومن قبلها بولدنا وسلوفينا إلى عضويته, فيما يسعى إلى ضم كل من بلغاريا ورومانيا لاحقا. وبهذا تعود الحدود في أوروبا إلى ما كانت عليه قبيل الحرب العالمية الثانية, وتعود روسيا إلى أصغر حجم لها, محرومة من أي مجال حيوي اقليمي في القارة الأوروبية. والأمر يمكن فهمه كذلك على انه محاولة لضرب النهوض السلافي الجديد في روسيا وأوكرانيا وبيلا روسيا وسلوفاكيا, عبر ضرب الصرب وتحجيم مشروعهم القومي. ومن ثم تكون هذه رسالة موجهة لجميع هذه الشعوب تحذرها من مغبة التفكير في بناء قوة عسكرية أو امتداد جيوسياسي على أساس العرق السلافي. ويفاقم من هذه المخاوف البروز الكبير لألبانيا في الحرب الحالية علي يوغسلافيا, ما يعطي اشارة على طبيعة القوى التي سوف تسيطر على القرار الأوروبي مستقبلا. وللألمان مع الشعوب الأوروبية الشرقية تاريخ حافل من الصراع والحروب والخلافات على الحدود والأراضي. وأخيرا فإن قيام حلف الأطلسي, المنظمة العسكرية التي تصدت خلال الحرب الباردة لحلف وارسو الاشتراكي بنفسه بالتصدي ليوغسلافيا, يمثل رسالة لا يمكن أن يخطئ معناها وما تمثله سياسيا وعسكريا واستراتيجيا. إذن فالمخاوف التي يشعر بها الروس والسلاف عموما هي مخاوف حقيقية وطبيعية وهي تفسر كل هذا الغضب الذي يجتاح حاليا هذه البلاد ضد قصف حلف شمال الأطلسي لأراضي جمهورية يوغسلافيا الفيدرالية, رغم ضعفها وعدم قدرتها على الرد عسكريا. وكما نرى فإن ذلك كله لم يعد له علاقة بمشكلة كوسوفو, وانما أصبح يندرج في اطار الصراع الدولي نفسه. فهل كانت الولايات المتحدة وحلف الأطلسي يقصدان ذلك حين قرروا بدء العمليات العسكرية بعيدا عن الأمم المتحدة وعن روسيا نفسها؟ ام أن مشكلة كوسوفو وتفاعلاتها هي التي أجبرت الحلف والأمريكيين على الغوص بعيدا عن مياه المشكلة الأساسية والتسبب في مفاقمة الأحقاد والخلافات التاريخية في المنطقة. أيا تكن الأسباب المباشرة للوضعية الجديدة فالواضح ان شرارة نزاع كوسوفو مرشحة للامتداد إلى عموم منطقة البلقان وشرق أوروبا. وحتى إذا نجح الحلف والولايات المتحدة في حسم مسألة كوسوفو على أي نحو من الأنحاء, وهو أمر مشكوك فيه, فالواضح أن أساسا متينا قد وضع للتصادمات المستقبلية بين القوميات والشعوب الكبيرة في أوروبا.

طباعة Email