مع الناس:بقلم-عبدالحميد أحمد

فكرت بالسفر إلى نيجيريا, فاليوم تنطلق فيها بطولة كأس العالم لكرة القدم للشباب تحت 21 سنة, غير ان سفري ليس بسبب الكرة, فهذه لست من المدمنين عليها, كما ان مشاهدتها ممكنة وممتعة أكثر عبر التلفزيون, فالسفر لو حدث لسبب آخر, هو مشاهدة مظاهرة نسائية عارمة على الطبيعة, من المتوقع أن تواكب هذه البطولة العالمية . والمظاهرة استثنائية ونادرة, فبائعات الهوى النيجيريات هددن السلطات بالتظاهر وهن عاريات في شوارع البلاد أثناء البطولة المذكورة, احتجاجا على منعهن من التردد على الفنادق وارتيادها, ويبدو ان السلطات العسكرية خافت على أخلاق الضيوف, خاصة انهم من الناشئة, فاتخذت قرار المنع الذي أثار بائعات الهوى نظرا لمصادرة حريتهن, على حسب تعبير متحدثة باسمهن. السفر طبعا إلى نيجيريا غير مغر بالمرة, سواء انعقدت فيها بطولة ناشئين في كرة القدم أو قمة عالمية يحضرها زعماء العالم كله, أما مشاهدة متظاهرات عاريات في الشوارع فسبب أكثر من كاف لتحويلها إلى وجهة سياحية أو بلد يزار على مدار العام, في حال استمرت المظاهرات طبعا ولم تقمعها الحكومة العسكرية بالقنابل المسيلة للدموع, وهو ما اقترح ان تعتمده هذه الحكومة فتحول المظاهرات فيها إلى منجم ذهب, يعوض عليها أسعار البترول المنخفضة. وليس هناك بطبيعة الحال من سبب يدعو للدهشة لمثل هذه المظاهرة الفريدة, فالطباخون مثلا في المطاعم والفنادق, ومعهم خدم المنازل والبشاكير إذا قرروا القيام بمظاهرة احتجاج لأي سبب يرونه, معقولا كان أو غير معقول, فإن أول ما يخطر على بالهم هو الاحتجاج بزي العمل, أي طاقية الشيف على الرأس والمريول على الصدر, ثم هناك القدور والطناجر والسكاكين وغيرها من أدوات العمل, لكي يظهر هؤلاء هويتهم الوطنية من ناحية, ووحدتهم في المصير المشترك من ناحية أخرى. هكذا مثلا كان يتظاهر العمال والفلاحون أيام الثورات الاشتراكية وهم يحملون المطارق والمناجل, وانتقلت هذه لاحقا لتكون شعارا للأحزاب الشيوعية في العالم, فكل يتظاهر بهويته وأدوات عمله, فإذا تظاهر الحلاقون من دون المقص في أيديهم والفوط على أكتافهم فلا معنى لمظاهرتهم, وإذا تظاهر المدرسون من دون طباشير وسبورات سوداء ومساطر (جمع مسطرة) فمظاهرتهم ناقصة, أما اللحامون فلا يمكن تصورهم في مظاهرة من دون سواطير (جمع ساطور هذه المرة) وسكاكين حادة... وهكذا. وعليه, فإنه لا مجال لاستنكار مظاهرة نيجيريا طالما انها في السياق العام للمظاهرات المعبرة عن طبيعة مهنة, وعن همومها وأحلامها أيضا, لانه مثلما لا يمكن تصور تظاهرة يقوم بها سواقو سيارات الأجرة وهم يرتدون عباءة المحامين مثلا, وإلا ضاعت هويتهم ومقدرتهم على الاقناع, فإنه لا يمكن تصور مظاهرة لبائعات الهوى وهن يرتدين الماكسي ويغطين رؤوسهن بحجاب, فكل اناء بما فيه ينضح, خاصة ان بائعات الهوى مخلصات لعملهن وهويتهن وضد التزوير والتزييف, كما هو واضح من مظاهرتهن. وبما ان السلطات النيجيرية ستجد نفسها في ورطة حقيقية إذا نُفذت هذه المظاهرة العارية, لان الوسيلة الوحيدة الناجحة لقمعها, لا رشها بالمياه الباردة أو الساخنة أو اطلاق مسيلات دموع عليها, وإنما تلبيس النسوة الثياب بالقوة, وهو أمر يصعب تنفيذه نظرا لتكلفته من ناحية ولتعذر اجبار النساء على ارتداء الملابس بالقوة من ناحية أخرى, ما نتوقع أن تتراجع هذه السلطات عن منع بائعات الهوى من ممارسة حريتهن في العمل, فيكن قد انتصرن من حيث هزم العمال والفلاحون وكل ذي قضية أخرى عادلة في العالم.

طباعة Email