الجديد في محنة كوسوفو: بقلم- د. حنيف القاسمي

هناك (لاءات) عديدة في جديد محنة مسلمي كوسوفو, ولعل أبرز تلك (اللاءات) انه لا جديد في موقف العالم الإسلامي المستمر في تقاعسه ولا مبالاته وعدم اكتراثه بما يجري في ساحة اقليم كوسوفو . فهذا العالم الإسلامي (الغريب) منشغل في أكثر من موقع بتصفية الحسابات الداخلية وباطفاء الحرائق المشتعلة فيه, وهو كذلك منهمك في فك أزماته ومشكلاته المتتالية. وبحيث لم يعد هناك وقت أو همة أو طاقة, أو وعي للالتفات إلى مسألة مثل محنة مسلمي كوسوفو, ولا يتوقع في ظل الظروف الراهنة حدوث أي تطور أو تغيير له قيمة في موقفه من تلك القضية. ردة الفعل الوحيدة لدول العالم الإسلامي ومنظماته حتى الآن تمثلت في الاعراب عن التعاطف مع الشعب الالباني المجني عليه, مع التنديد (اللفظي) بالعدوان الصربي, دون ان يفوت الأطراف المدينة وصف ذلك العدوان بأوصاف من قبيل (الوحشي) (الهمجي) , (القمعي) ... إلى آخر تلك الأوصاف التي يحفل بها قاموس الخطاب العربي في هذا الزمان. لا جديد كذلك في الموقف الأوروبي والغربي بشكل عام من ذلك العدوان, فهذا الموقف لا يزال يراوح مكانه, ولم يتجاوز الأقوال إلى الأفعال, ولا يزال يردد التهديدات باستخدام القوة ضد الصرب إذا لم يستجيبوا للاتفاقات المعقودة, بل والأغرب من ذلك انه يعطي وفي كل مرة مهلة لاستجابة الصرب لمطالب الوسطاء, لكنه ما ان تنتهي المهلة المحددة حتى تأتي مبادرة جديدة وبمهلة أخرى جديدة, وهكذا. لا يستطيع المرء في ظل هذا المشهد الأخير ان يستبعد ما يتبادر إلى ذهنه من عقد مقارنة بين ذلك الموقف المتردد ( هذا إذا أحسنا الظن فيه) مع الموقف الحازم والقاطع, بل والرد السريع, والتدخل المباشر إذا كان الأمر يتعلق بمشكلة أخرى في موقع آخر. حتى ولو كانت هذه المشكلة لا تقارن في حجمها ولا أثرها بما يحدث من جرائم ومآس بحق الانسانية في أرض كوسوفو. الجديد والبارز في هذه المحنة هو ازدياد شدة الحملة الصربية وتنوعها مستفيدة في تحقيق أهداف حملتها من الأجواء المناسبة, بل والمشجعة, على الاستمرار في النهج الذي بدأته العام الماضي, وتطويره إلى حد بلغت تلك الحملة بشاعة لا يمكن تخيلها, فملخص هذه الحملة يتمثل في الاستئصال (يسمونه تطهيرا), ثم النفي, والأساليب المستخدمة في تحقيق ذلك: هدم البيوت, والقتل الجماعي وترويع الآمنين. أما الأفراد الناجون من تلك الأساليب فغالبا ما يضطرون إلى الهروب وصعود الجبال, وفي عدد الأمس, ذكرت جريدة (البيان) ان الآلاف من الألبان المدنيين الذين نزحوا من ديارهم بسبب القصف ما زالوا في العراء. كما ان هناك سبعة آلاف ألباني نزحوا عن الاقليم بسبب القصف الصربي, وأدى تساقط الثلوج وزيادة حدة البرد إلى تدهور الموقف, وليس في استطاعتهم اشعال النار بسبب خوفهم من ان تشاهدهم القوات الصربية وتقصفهم بالمدفعية الثقيلة. الوضع في كوسوفو يتغير من سيء إلى أسوأ, بل وينذر بحدوث كارثة انسانية لم يسبق لها مثيل, ولن تتوقف آثار هذه الكارثة على سكان هذا الاقليم وحدهم بل انه من المتوقع كذلك ان تسهم في حالة وقوعها في اشعال الموقف في منطقة البلقان بأسرها. وكما كان متوقعا منذ سنوات هذا الذي يحدث في كوسوفو, فإنه يتوقع كذلك ان يشمل مقدونيا, حيث ظهرت بوادر التصعيد الصربي في تلك المنطقة في الأسبوع الماضي, وذلك عندما أرسل الجيش اليوغسلافي الذي يسيطر عليه الصرب تعزيزات إلى الحدود مع مقدونيا. واتخذت ــ حسبما أعلنته لجنة التحقق التابعة لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي ــ ثلاثون عربة عسكرية مواقع لها في منطقة قريبة من قرية سورلان التي تبعد نحو عشرين كلم عن جنجيلان. إذا استعرضت كل ما تقدم, تبادر إلى الذهن تساؤلات من قبيل: تُرى ما السر في هذا الاصرار الصربي في ازالة الهوية الإسلامية عن خارطة البلقان؟ وما هي الأسباب التي جعلت أوروبا تتفرج على مآسي كوسوفو, ومن قبل البوسنة والهرسك, دون ان تتحرك ازاء ذلك؟ للاجابة عن هذه التساؤلات التي يجب ان تفرض نفسها, أذكر اشارة الرئيس الروسي بوريس يلتسين عندما كان يشن حملته الشرسة ضد الشيشان منذ عدة سنوات وذلك عندما قال ان الرئيس الشيشاني السابق جوهر دوداييف كان ينوي اقامة دولة إسلامية في شمال القوقاز وقد كانت عبارة يلتسين تلك كفيلة بخفض الأصوات التي كانت تطالب روسيا بشيء قليل من اللين في تعاملها مع الشيشان, بل بادرت بعض تلك الأصوات الى تأييد روسيا في نزاعها مع الشيشان, وحملتها عليهم باعتبار ذلك شأناً داخليا روسيا لا يجوز التدخل فيه! أما السر في ذلك الانقلاب المثير فيكمن في ذلك التلويح بالإسلام الذي يجب أن يستدعي ذكره كل مظاهر الخطر كالعنف والارهاب والاستئصال, حيث يعتري أي رمز له صبغة إسلامية تشويه كبير, وهو بالطبع, معزز بتلك الخلفية التاريخية القلقة, المشوبة بالتوجس والريبة والتوتر. لذا كان مجرد التلويح بالشعار الإسلامي, في ظل ذلك الانطباع الراسخ في تلك الذهنية, شبهة لازمة, تحتاج الى بذل جهد كبير لإزالتها وتوضيح الحقائق بشأنها إذا تم استحضار كل ذلك, تبين وإلى حد كبير, أسباب التردد الغربي, بل ومباركته في بعض الأحيان للاستمرار في حملات الاستئصال والإبادة والنفي التي تتكرر مشاهدها في منطقة البلقان وغيرها. خلاصة القول: أستطيع الزعم بأن الأجواء التي بررت ذلك العدوان إبتداء, ثم سمحت لمشاهدها البائسة بالاستمرار, دون وجود رد فعل حقيقي, هي السبب الرئيسي للفصول المروعة التي تجري على تلك الأرض, ولعل منشأ ذلك كله هو سوء الفهم والاشتباك الثقافي والفكري الذي أوجد تلك التربة المناسبة لنشأة وترعرع ذلك الفكر (الاستئصالي) الذي لا يؤمن بوجود (الآخر) , فضلا عن الإقرار بحقه في تقرير مصيره, أو الاحتفاظ بخصائص هويته الثقافية والعقدية.. الى آخر تلك الحقوق المشروعة لأي انسان تزعم الهيئات العالمية المعاصرة أن له حقوقاً وحريات يجب أن تصان من الانتهاك والمصادرة. بصيص الأمل في حدوث التفاهم المنشود, ونبذ العدوان المشهود, جاء في البيان الذي أصدرته في نهاية الأسبوع الماضي الأطراف الدينية الثلاثة التي تمثل الطوائف الدينية الرئيسية في كوسوفو. ممثلة في علماء الدين المسلمين, وممثلي الكاثوليك, والكنيسة الأرثوذوكسية وجاء في البيان دعوة لإنهاء القتال وإلقاء السلاح وتحقيق السلام. وهذه أول مرة تشارك فيها الطوائف المسيحية في إصدار بيان من هذا النوع. وذلك على الرغم من أن كنيسة الروم الأرثوذكس رفضت إدانة الصرب (الأرثوذكس) باعتبارهم مسؤولين عن الانتهاكات الجارية هناك, وهو أمر هام يترتب عليه ردع المعتدي وإعادة الحقوق الى أصحابها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات