الحالة العراقية: صراع لا نهاية قريبة له:بقلم- د. شفيق ناظم الغبرا

صار للمسألة العراقية ثماني سنوات تتفاعل وتتداخل مع تطورات الاوضاع العربية والدولية. وبالوقت نفسه لم نقترب بعد من نهاية هذه المسألة التي ستبقى معنا لفترة مقبلة ليست بالقصيرة, فالتغير في العراق لن يكون امرا سهلا , كما انه لن يقع بصورة واحدة بل ربما على مراحل. وبينما تدخل السياسة الامريكية في مرحلة اكثر جدية في التعامل مع العراق, الا ان هذه الجدية محكومة بأكثر من سقف سياسي وهي ليست بالوضع القادر على حسم المسألة بين يوم وليلة. السياسة الرسمية تسعى لابقاء صدام في وضع الاحتواء وتسعى لافشال سياساته في تغير الامر الراهن. وقد اعلنت شعار التغيير في العراق, لكنها بالوقت نفسه تسعى لكسب الوقت لتقرير كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة. وبينما نجد ان السياسة العراقية تتلخص في ابقاء الضغط وابقاء الشأن العراقي في الاجندة الاقليمية والدولية نجد ان الرد الامريكي يتم بطريقة جديدة, ففي منطقة الحظر الجوي حرب هائلة, بلا اعلام وبلا صور وتصريحات, ولكنها حرب تعكس الطريق المسدود في الوضع الراهن. بل ان هذا الطريق المسدود هو الذي سيقرر المرحلة المقبلة. فأي تراجع امريكي في منطقة الحظر سوف يفسر ضعفا وسوف يقدم لصدام حسين انتصارا جديدا يضاف الى التخلص من فرق التفتيش. ولكن الاستمرار الامريكي في ظل السياسة نفسها يعرض الوضع لاحتمالات اسقاط طائرة أمريكية أو اتخاذ بعض الدول المحيطة مواقف لا تنسجم والتوجهات الأمريكية. الواضح ان العسكرية الامريكية تسعى لاضعاف النظام وان اجراءات اكثر صرامة وجدية قد تتطور في المرحلة المقبلة, ولكن هذه الاجراءات الاكثر صرامة قد تواجه بعاصفة سياسية اقليمية ودولية تندد بها وتضغط لايقافها. ولكن من جهة اخرى ان عزلة النظام العراقي الناتجة عن خطه الرسمي والاعلامي تسهل على الولايات المتحدة مهمتها. كما ان حالة التذمر التي يعيشها الشارع العراقي خاصة بعد اغتيال آية الله محمد الصدر تجعل الوضع العراقي معرضا للكثير من الاحتمالات. التذمر والرفض لا يعنيان انتفاضة قادمة ولكنهما يساهمان في اضعاف النظام وفي توفير ظروف تؤدي الى التغير. وبطبيعة الحال هناك اكثر من مدرسة امريكية في التعامل مع الوضع الراهن, المدرسة الاولى وهي مدرسة الادارة الامريكية التي ترى في السياسة الراهنة القائمة على الاحتواء المكثف نجاحا. ولكن هناك مدرسة تتقاطع مع الادارة وترى في التغير في العراق امرا صعبا وغير ممكن في الفترة القريبة وهي لهذا تفضل سياسة الاحتواء المكثف وعلى المدى البعيد. ونجد هذه المدرسة في اكثر من موقع في الادارة: زيني قائد المنطقة الوسطى وبولاك الذي عين منذ ايام مسؤولا عن الملف العراقي في مجلس الامن القومي خير من يمثل هذا الاتجاه... هذه المدرسة ترى صعوبة ضرورة عدم تورط الادارة الامريكية في تغيير النظام العراقي لأن هذا سيجعل الادارة مضطرة للتدخل في ترتيب الوضع العراقي بعد ذلك مع كل ما يحتمل ذلك من مشكلات وربما فشل وتثير هذه المدرسة الكثير من المخاوف حول الخطوات القادمة واثارها الاقليمية بل انها تحذر من التورط في تغيير نظام منطلقة في ذلك من تغير الولايات المتحدة لنظام فيتنام الجنوبية واثار ذلك, كما انها تذكر بتغير نظام مصدق في ايران وتثبيت الشاه ثم ردة الفعل بعد اكثر من عقدين. اما المدرسة الثالثة والاكثر ارتباطا بالادارة الجمهورية السابقة وهي الاكثر التصاقا بالكونجرس فترى ان هناك خطرا كبيرا من جراء فشل السياسة الامريكية الراهنة في العراق, وهي ترى ان سياسة الحفاظ الى الامر الراهن ستؤدي لفشل كبير, ان فشل السياسة الامريكية سيؤثر على استقرار منطقة الخليج وعلى المصالح الامريكية الاقليمية والدولية ويعيد الوضع لما كان عليه الحال عام 1990 لهذا تدق هذه المجموعة ناقوس الخطر وترى بضرورة الاستعداد لمواجهة اكبر مع العراق وضرورة الاستعداد للالتزام بقوات ارضية في ظروف محددة بل والاستعداد لفتح جيب في الجنوب كما هو الحال في الشمال والعمل بنفس الوقت لمزيد من الضغط على امل ان يؤدي الى وقوع انقلاب يطيح بالنظام الراهن, بل تذكر هذه الرؤية بانسحاب النظام العراقي امام قوات امريكية محدودة عام 1991 في مناطق الشمال ابان محاولة تأمين منطقة آمنة للاكراد, بل ترى هذه المدرسة ان فرض منطقة حظر ارضية امر قد يساهم في اعطاء غطاء وحماية للشمال والجنوب كما تجد ان الانقلاب حتما واقع في العراق بارادة عراقية وذلك بعد ان يكتشف الضباط في العراق بأن الطريق في ظل صدام حسين هو طريق مسدود ويؤدي الى الانتحار. ويمكن القول ان سياسات الرئيس العراقي قد فرضت ذاتها على جدول الاعمال احرجت الادارة الامريكية على اكثر من صعيد وان الادارة الامريكية تجد نفسها مضطرة للتحرك في طريق اقرب الى المدرسة الثالثة اي في طريق يحتوي على مزيد من المواجهات مع سياسات النظام العراقي الراهنة, ومع ذلك لم تحسم الادارة الامريكية امرها حتى الآن, وهي تعيش بين اتجاه الاحتواء بعيد المدى وبين اتجاه المواجهه التي تساهم في تغيير النظام, بل انها تبحث عن الاحتواء المكثف في المدى المرحلي وتبحث عن التغيير في المستقبل دون ان تنجح في تطوير آليات تساهم جديا في تطوير رؤيتها فمن الواضح بأنه لا يوجد في الافق مخرج سياسي جاد للازمة مع العراق, وبنفس الوقت ان الكثير من السياسات الامريكية في المرحلة القادمة مرتبط بالحملة الانتخابية فكل ما يخدم الحزب الديمقراطي واعادة انتخابه سوف يكون مطروحا حتى لو كان تكثيف الجهود لاسقاط الرئيس العراقي صدام حسين ولكن كل ما يؤثر على الحملة الانتخابية سوف يوضع في ثلاجة التأجيل قدر المستطاع حتى لو كان مزيدا من التهدئة من اجل شراء الوقت ونجاح الحملة الانتخابية. . أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت

طباعة Email
تعليقات

تعليقات