جامعة الدول العربية.. في الولايات المتحدة: د. شفيق ناظم الغبرا

جاءتني منذ مدة دعوة للتحدث عن العالم العربي امام طلبة (نموذج جامعة الدول العربية) من قبل برنامج الملك فهد لدراسات الشرق الاوسط في جامعة اركانسول , في البداية لم اكن متأكدا ان كان الامر يستحق عناء السفر خاصة وانني سأتحدث في الجامعة لتجمع من طلبة الثانويات, ولكني قبلت الدعوة في ظل ترتيب برنامج اوسع للزيارة وبالفعل وصلت الى بلدة فايتسفيل الاسبوع الماضي اي الى تلك الولاية التي حكمها في السابق ولسنوات طوال الرئيس بيل كلينتون. ولكن الذي رأيته اختلف عن الذي توقعته فقد اجتمع ما يقارب الثلاثمائة طالب وطالبة جميعهم امريكيون تاريخا وارتباطا ومعهم مدرسوهم من ثانويات عديدة تبعد مئات الاميال عن البلدة وذلك لتمثيل 22 دولة عربية, هكذا تتالت الوفود وتتالت القضايا وتتالت اللجان التي نظمت وسويت بطريقة تعكس طريقة تنظيم وترتيب اجتماعات جامعة الدول العربية, كل الوفود كانت متواجدة, الوفد العراقي بطرحه قضية العقوبات وبلغته الثوروية والوفد الكويتي بطرحه قضية الاسرى ومخاوفه من التهديد العراقي, والوفد الليبي بقضاياه الخاصة بالعقوبات ولوكيربي, والوفد الفلسطيني بسعيه للتصدي لعدم تطبيق اسرائيل الاتفاقيات وغيره والوفد الاردني والمغربي والصومالي كل وفد جاء باطروحات بلاده وكل وفد عبر عن احتياجاته, الصراعات العربية عكست نفسها, واحيانا بطريقة مضحكة وطرق الحل بين العرب من خلال تبادل القبلات كانت حاضرة, باختصار كان العالم العربي حاضرا في تلك الجامعة على مدى يومين متتاليين. في هذه التجربة الفريدة التي نظمها برنامج الملك فهد في الجامعة يتعرف الطلبة الامريكيون على العالم العربي بكل ابعاده فكل وفد يحضر مسبقا ويبحث مواقف وقضايا البلد التي يمثلها بل لدى كل وفد مدرس او خبير يتطوع لمساعدته ولتوجيهه باتجاه ايجابي كما ان كل وفد يسعى لطرح بيان يصدر باسم اللجان العاملة في الجامعة وفي حالة مرور البيان في اللجان المعنية يتم طرحه على جميع الوفود في لقاء خاص لمناقشة كل القرارات, هكذا على مدى ايام اللقاء يدور النقاش على هذه البيانات وعلى القرارات المطلوبة وعلى كيفية اصدارها, هنا تقع الخلافات وفي هذا المجال تقع المساومات التي تقرر شكل البيان الختامي ومضمونه. ان العالم العربي بتراثه الغني وبمشكلاته الجمة وبغرابة حياته السياسية, خاصة وان اخباره تكاد تتصدر احداث العالم هو الذي يجعل الطلبة شديدي الاهتمام بمتابعة تطوراته, هذا العالم الغريب بالنسبة للامريكيين يدفع الوفا منهم للتعرف على العالم العربي من خلال المشاركة في نموذج جامعة الدول العربية, وهذا لا يعني ان الطلبة اصبحوا خبراء, في المواقف العربية بل كثيرا ما (يؤمرك) الطلبة القرارات فيصدرون قرارات تبدو مضحكة وقد تصلح لمدينة سان فرانسيسكو او مدينة افلاطون أكثر منها لمدن كالرياض او الجزائر, فاحيانا يذهب الطلبة باتجاه اصدار قرارات لا تعكس طبيعة الاوضاع والتوجهات العربية. ان هذه الظاهرة (نموذج جامعة الدول العربية) هي ظاهرة حديثة في الولايات المتحدة, ففي هذا العقد بدأت عدة جامعات في تنظيم هذه المحاكاة اسوة بتنظيم نموذج الامم المتحدة في العديد من الجامعات والثانويات وقد فوجىء المنظمون في اكثر من جامعة وفي عشرات الثانويات بطبيعة الاقبال على هذا النموذج كما ان طلبة ما لا يقل عن 15 جامعة فتحوا فروعا لنموذج جامعة الدول العربية اضافة الى فروع عديدة تشارك بها عشرات الثانويات بمعنى آخر ان هذه الظاهرة الى انتشار وهي تتطلب الكثير من الدعم وذلك لانها تواجه الكثير من المعوقات فهذه الوفود تسافر من ولاية الى ولاية وتدفع نفقات اقامة ومصاريف سفر وغيره وحتى الآن تقوم مراكز من شاكلة جامعة اركانسول او جامعة شمال تكساس او المجلس الوطني للعلاقات العربية الامريكية بتشجيع وتمويل هذه الظاهرة التي توصل حقائق العالم العربي بايجابياته وسلبياته الى الجذور الشعبية الامريكية. ان هذه الظاهرة تكسر الكثير من الحواجز التقليدية والمنتشرة عن العرب والمسلمين في الساحة الامريكية انها تضع الاساس لبناء اجواء جديدة وتخلق الكثير من الالفة والتعارف كما ان مشاركة اساتذة عرب ومحاضرين عرب تساهم في كسر هذه الحواجز, من خلال المحاكاة يبرز الوجه الانساني والطبيعي للدول العربية وتبرز بنفس الوقت صور عديدة تجعل الطلبة يرون في العرب شعوبا مثلها في هذا مثل كل شعوب العالم. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت

طباعة Email
تعليقات

تعليقات