مع الناس:بقلم-عبد الحميد أحمد

يفكر وزير التربية والتعليم المصري الدكتور حسين بهاء الدين في الاستعانة بالشرطة وأجهزة الأمن لمطاردة المدرسين الخصوصيين وضبطهم , وهو يصف الدروس الخصوصية بـ (الايدز الجديد) الذي يدمر مناعة التعليم من الداخل, وهو فوق ذلك يتمنى لو كان لديه شرطة متخصصة, وبما أن شرطة التربية والتعليم غير موجودة, كشرطة الاداب العامة مثلا, فهو يميل للاستعانة ببقية أجهزة الأمن, وبأصحاب الضمائر اليقظة من المعلمين. أما أصحاب الضمائر اليقظة في النظام التعليمي العربي اليوم, فوجودهم مشكوك فيه, طالما ان رواتبهم أقل من رواتب سائقي الباصات العامة والشاحنات والخبازين والحدادين والسمكرجية وبقية الصنائعية وأصحاب المهن, وطالما ان المجتمع لم يعد يحترمهم كما كان الأمر سابقاً, وطالما ان لقمة العيش صعبة, ما يفسر انتشار الدروس الخصوصية, في ارجاء النظام التعليمي العربي كالايدز فعلاً. طبعاً هناك أسباب اخرى وجيهة لمثل هذا الانتشار, علاوة على ما سبق, أبرزها عيوب في النظام التعليمي والمناهج وأنظمة التقييم والامتحان, تجعل اللجوء الى الدروس الخصوصية شراً لابد منه بالنسبة للطلبة وأولياء أمورهم على السواء, كما تجعلها بالنسبة للمدرسين الدجاج الذي يبيض ذهباً, مقابل دجاج التربية والتعليم الذي لا يبيض لهم حتى البيض الذي نعرف لكي يطعمون به عيالهم. النتيجة أن هناك اليوم نظاماً تعليمياً موازياً للنظام التعليمي الرسمي, يدور في البيوت ومعاهد التعليم الخاصة, ويديره غالبية المدرسين والموجهين والمفتشين العاملين في النظام الرسمي, في الامارات كما في مصر, وفي الكويت كما في سوريا, وفي عُمان كما الاردن, تعددت البلدان والدرس الخصوصي واحد. وكمثال فان دراسة تربوية حديثة أظهرت ان 50% من طلبة المرحلة الثانوية في الكويت يلجأون الى هذه الدروس, وفي المرحلة المتوسطة 16% والابتدائية 10%, ومع ان الوزارة فصلت عدداً من المدرسين, كما تفعل كل وزارة تربية عربية اخرى عند اكتشافها المخالفين لقراراتها التي تمنع هذه الدروس, الا ان هذا الفصل لم ولن يقضي على ايدز الدروس الخصوصية, لا في الكويت ولا في أي مكان آخر من الوطن العربي. وبما ان هذه الدروس تدمر مناعة التعليم من الداخل, كما يصف ويعترف وزير التربية المصري, فالمعنى ان هذه المناعة ضعيفة الى درجة ان فيروس الدروس الخصوصية استطاع التسلل اليها والعمل على تدميرها, ما ينبغي مع هذه الحال البحث عن وسائل وطرق لتقوية هذه المناعة, بحيث يكون النظام التعليمي قوياً, وعصيا على اي نوع من انواع الفيروسات المسببة للامراض التي تصيب النظام التعليمي. والحل ليس في الغاء نظام الامتحانات الحالي كما يطالب البعض, لكي نقضي على الدروس الخصوصية, وليس في تقليص المناهج وحذفها, وليس في الغاء الادبي والعلمي, الى آخر هذه الحلول المقترحة بين حين وآخر, لأن الحل ينبغي ان يكون شاملا لكل هذه الحلول الجزئية, وبأسلوب علمي لا بأسلوب القفز والشطح, كما ينبغي ان يكون بالتنسيق مع منظومات التعليم الاخرى, اذ ليست الدروس الخصوصية سوى مظهر من مظاهر المرض في النظام التعليمي, وهذا بحاجة لعلاج شامل ودائم, والا فان الاستعانة بالشرطة لمطاردة المدرسين الخصوصيين ممكنة, فعلا, غير ان الافضل منها, بدلا من تحمل تكاليف جديدة, هو الاعتراف بوجودهم واضفاء شرعية على نشاطهم, كجزء من النظام التعليمي, لا خرقا له.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات